التقليد أو المحاكاة في التعليم الطبي في المملكة
منذ منتصف التسعينيات والتعليم بواسطة المحاكاة Simulation بدأ يشق طريقه بقوة إلى قاعات المحاضرات وأروقة الجامعات وبالذات في التخصصات الطبية بعد أن عرف باستخدامه في علوم الطيران. أما لماذا التخصصات الطبية فلأن لها تأثيرا كبيرا في تقدم التفاعل مع المرضى والعاملين على السواء، كما أن باستخدام هذه الطريقة في العمل بالمرافق الصحية يفتح آفاقا جديدة أمام الطالب ويجعله يسبح في المستقبل فيستعد له من دون عناء انتظار الزمن الذي يجب أن يتأهل فيه. لقد كان لكثير من الصحافيين والدخلاء على المهنة أن ينالوا من الأطباء إذا ما ارتكب أحدهم خطأ أو حتى لو لم يرتكب الخطأ، والمشكلة كانت عبارة عن مضاعفات أصابت المريض ونتج عنها تدهور شنيع لصحة المريض، فتعقدت حالته أو توفي. في كثير من الأحيان لم يكن هذا "النيْل" سوى تضخيم لمسألة يمكن العبث بها طالما أن الذين سيغنون بعد ذلك كثيرون، والمتضررون هي أثمن شريحة في مجتمعنا. من ناحية أخرى قد نجد أن الإعلانات مغرقة بمصطلحات فنية وتقنية ومعلوماتية ولكن ببساطة هي إعلانات دعائية، وما يهمنا هو هل ما يعلن يكون تنفيذه متقنا؟. بعض المؤسسات العلمية المتخصصة شرعت في تبني هذا النظام من التعليم ولكن كيف لنا أن نتأكد من تمكننا من توظيف مثل هذا النظام أو البرنامج، خصوصا بعد ظهور دراسات تؤكد تأخرنا في تعميم استخدام التقنية في المرافق الصحية المختلفة، بل متأكد أنه في كليات الطب المختلفة؟.
لقد تأكد أخيرا أن أحد عوامل تفادي الوقوع في الأخطاء الطبية هي العمل بنظام المحاكاة لتقليص حدوث الأخطاء باستخدام طالب الطب نظام المحاكاة خلال فترة الدراسة ومن ثم أثناء فترة التدريب. إن الافتراض الأساس الذي يتضح من استخدام Simulation-Based Medical Education, SBM هو التدريب المتواصل بالتعلم من الأخطاء وإدارة الأخطاء في بيئة المحاكاة ما يخفض ويقلل من حدوث الأخطاء في الحياة الحقيقية، وبالتالي يزودهم بالتوجه الصحيح والمهارات الدقيقة الملائمة لكل حالة وبأخلاقيات مهنية سامية ورفيعة للتعايش تماما مع كل خطأ كان سابقا من الصعوبة منع حدوثه أو ارتكابه. هذا النظام يحفز على التفكير الحاذق والحي ووضع الأسئلة المناسبة في جميع الحالات الممكن تنظيمها في البرنامج, وهو أيضا يطور مفهوم الطالب والممارس في التعامل مع المرضى ليكونوا بعد ذلك محترفين لدرجة الإتقان في التشخيص ووصف كيفية التغلب على شكوى المريض بأفضل وأنسب الطرق ودون آثار جانبية قدر الإمكان، خصوصا أن هناك جوانب عاطفية أيضا لابد أن تؤخذ في الحسبان غير الحقائق العلمية والمؤشرات الحيوية. يتألف نظام المحاكاة في المجال الطبي من ثلاثة أنواع هي Part Task Trainers & Computer-enhanced Mannequins & Virtual Reality والأبحاث تؤكد أن تبني هذا النظام خلال فترة التدريب أو الامتياز يحقق أفضل النتائج من حيث إعداد الطالب في العمل الميداني وتعرضه لكثير من الحالات، متعاملا مع العديد من المتغيرات فيكون مبادئ تساعده وتسانده عند تسلم العمل فعليا. فاعلية إسهام البرنامج أو البرامج المختلفة درست عنصرا عنصرا والأبحاث التي غطت هذا الجانب عديدة جدا, حيث من المعروف أن التشخيص عبر استخدام المحاكاة يعني بناء الطبيب (الأستاذ) الذي يمكن أن يصل بالرسالة إلى الطالب ويتعامل مع النظام ويكون مغذيا له بشكل محترف جدا, فهل تتوافر هذه المميزات في أوساطنا وفي كل كلية تستخدم النظام؟. المعروف أن المحاكاة في المجال الطبي تهدف إلى تقليد زيارة مريض بالكامل كمرآة للحياة التقليدية وفي ظروفها الاعتيادية عند طلب المريض لنصيحة أو مشورة طبية, كما قد تكون الزيارة سريرية أو قد تكون جراحية أو حوارية وبتقليد الظروف يُرفع مستوى التأهب لدى الطبيب وتُحسن أساليب التعامل مع المريض، ويتم توقع مختلف الظروف للتعامل معها في سبيل إنهاء محنة المريض. لقد درس العلماء ذلك وترجموه إلى برامج حاسوبية وباستخدامها أصبح من السهل التعامل مع العديد من الحالات في تخصصات مختلفة، والأمل معقود على أن تكون التجارب مكثفة خلال الأعوام المقبلة لتغطية العديد من التخصصات الطبية والعديد من المهن الصحية في مختلف ميادين الطب. قد يكون من الصائب أن يبدأ التنفيذ في تخصصات معينة قطع المتقدمون عنا فيها شوطا طويلا، ونبدأ نحن في إضافة تساؤلاتنا وهويتنا إلى البرامج حتى نكون من المساهمين في دعم هذه البرامج ونسجل تقدما يجعلنا أصحاب ريادة مما يحمينا إذا ما استقللنا أو بدأنا في تصميم مثل هذه البرامج والدخول بقوة في التعليم الطبي وتطوير تدريب الأطباء على التجاوب الإيجابي مع جميع المرضى مسبقا. في التعليم والتقييم نجد أن المحاكاة في علوم الطب أصبحت ضرورة ملحة, فهل ستكون معممة على جميع الجامعات السعودية عامتها وخاصتها لتخريج أطباء أكفاء يتميزون بحس التوقع العلمي المرهف ويخففون وطأة ما أشيع عن كثير منهم أن أخطاءهم الطبية قاتلة؟. ثم هل أعد بجانب تطبيق النظام وحدة للدراسات والبحث تقوم على تحليل كل ما يمكن ملاحظته أثناء التطبيق وعلى مدد طويلة لاختبار قدرات العديد من الطلاب ذوي القدرات الذهنية المتميزة؟ بل وكيفية تطويره فيما بعد؟. على الجانب الآخر لابد أن نعرف أن هناك معوقات تتمثل في مشاكل هندسية وأخرى نفسية وتقديرات مالية وتعقيدات إدارية فكيف ستقوم مؤسساتنا التعليمية بتخطي ذلك؟. نحن فعلا نحتاج إلى نظرة شمولية قبل الشروع في أي مشروع فهل سبق ذلك تنفيذنا لهذا المشروع؟. آمل ذلك.