إرث إداري أكاديمي أمريكي
تختلف الدول في رعاية وغربلة ومحاسبة قياداتها الإدارية، وحيث إن التنمية في المقام الأخير تقوم على مدى كفاءة هذه النخب الإدارية فإنه لمن المستساغ الرجوع والتروي في كيفية وصول هذه الكوادر إلى المناصب الإدارية المؤثرة.
تلعب النخبة الإدارية دورا محوريا في إدارة عملية التنمية ولذلك فإن التركيز على معرفة أفرادها علميا وأكاديميا وعمليا وتجربة وأداء هو أحد مفاتيح سلم التنمية. المراقب لتجربة المملكة يلاحظ سريعا مدى تكاثر الأكاديميين في المسؤوليات الإدارية العليا دون سابق تجربة عملية أو إدارية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن جزءا معتبرا من الأكاديميين في حالة نشاط دؤوب للبحث عن منصب إداري رفيع قدوة بمن سبقه وعلى شاكلة القول الدارج: إنهم ليسوا بأفضل مني. تجربة المملكة مع أغلب الأكاديميين وهنا نحددهم بمن حصل على الدكتوراة وأمضى سنوات في التعليم الجامعي ثم وقع الحظ عليه أو شاءت الأقدار أن يجد نفسه مسؤولا إداريا رفيعا دون تجربة، لم تكن في الغالب موثقة. نظرة دقيقة من حولنا في كثير من المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية تجد أن معشر الدكاترة لم يقدموا الكثير بل استطاعوا التكيف والتمصلح والبعض أجاد التشدق دون إنتاجية تذكر. القليل أجاد.
قادتني هذه الملاحظات إلى التفكير في أسباب نشوئها وكيف وصلنا إلى هذه الحال. لعل تجربة المملكة الأكاديمية جاءت من أمريكا وهذا أسلوب يكثر في أمريكا ولكننا لا نجده في أوروبا أو اليابان. المقارنة هنا دائما نسبية وتتعدد الأمثلة الاستثنائية ولكننا أردنا فقط التنبيه على نماذج من التجربة السعودية فالكثير من السعوديين تعلموا في أمريكا ونقلوا هذه التجربة التي قد تناسب أمريكا ولكنها لا تناسبنا على المطلق نظرا لاختلاف التجربة موضوعيا. لأسباب اجتماعية يصعب على الكثير من حملة الدكتوراة "توسيخ" أياديهم بالعمل الأولي للتعلم لذلك يحاول البعض التحليق في العالم النظري على حساب الممارسة العملية المباشرة. كذلك نظرا للفرصة التي أتيحت لحملة الدكتوراة منذ السبعينيات الميلادية، رأى الكثير من النابهين في المجتمع أن الطريق إلى النجاح هو الحصول على شهادة الدكتوراة دون رغبة عميقة في العمل الأكاديمي ولذلك يتجه بعض هؤلاء الأكاديميين "المفترضين" إلى العمل في الإدارة العليا دون الدرجة المقبولة من الكفاءة الأكاديمية ثم يعقبها منصب دون حتى تأهيل أكاديمي ولذلك ليس هناك غرابة في تدني الإنجاز الإداري. نتحدث هنا عن الأغلبية فقط.
قبل عدة سنوات كانت هناك نقاشات وندوات حية حول سياسة التخصيص في المملكة وحينها تحدث أحد أكبر مستشاري السيدة مارجريت تاتشر (التي قامت بأكبر عملية تخصيص)، وذكر أنه سيكون محزنا جدا إذا تم تعيين أكاديمي للإشراف على عملية تخصيص جادة، بل نصح بأفراد لهم خبرة عملية في القطاع الخاص أو العام. أثناء عملي في مؤسسة النقد تعاملت مع بيوت المال اليابانية وكانت إحدى المفاجآت أن كثيرا منهم بعث للدراسات العليا في أمهات الجامعات الغربية مثل جامعة شيكاغو وكلية لندن للاقتصاد ولكن طلب منهم الدراسات الأكاديمية الصرفة ثم إكمال البحث العلمي في شركاتهم دون الحصول على شهادة الدكتوراة. وحتى التجربة الأوروبية واضحة في هذا المضمار، هناك عرف أكاديمي بحثي وهناك عرف تكنوقراطي. القفز السطحي بين دور االتكنوقراطي ودور الأكاديمي لا يخدم المؤسسات التعليمية والبحثية ولا يخدم الإدارة الحكومية.
بعد تجربة عمرها 33 عاما حان الوقت للمراجعة وإعادة الأولويات والفصل الواضح ذهنيا بين الحياة الأكاديمية والحياة العملية، حيث إن الخلط بينهما يضعف كليهما.
قد يكون هذا مفهوما في الماضي نظرا لقلة المتعلمين وحتى جودة الأوائل من حملة الدكتوراة ولكن الظروف تغيرت من عدة نواح عملية. لذلك حان الوقت لترتيب الأولويات والتفكير الاستراتيجي حول إيجاد الكوادر اللازمة لإدارة عملية التنمية.