الهولوكوست والصراع الديموجرافي في فلسطين!
يحتل البعد الديموجرافي أهمية كبيرة في معظم الصراعات والمشكلات الدولية والإقليمية والمحلية. ويبرز هذا البعد – جلياً وواضحاً – في الصراع العربي الإسرائيلي. فإحساس ما يُسمى بإسرائيل بأهمية هذا العامل الديموجرافي جعلها تشارك في مؤتمري مدريد وأوسلو، ثم تتخذ قراراً – فيما مضى - بالانسحاب من قطاع غزة، خاصة بعد فشلها النسبي في الحفاظ على التوازن الديموجرافي من خلال تشجيع الهجرات اليهودية إلى الأراضي العربية المحتلة، لتحقيق المشروع الصهيوني. لذلك يُشير أحد الباحثين اليهود – في هذا السياق – إلى "أن المرأة اليهودية وسيلة أساسية في محاولة تحقيق الحلم الصهيوني".
لا شك أن الحرب الديموجرافية عنصر مهم في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحق في الأرض، وبحق العودة بالنسبة للفلسطينيين اللاجئين في الخارج. فالتخلي عن بعض أراضي الضفة وقطاع غزة – في رأي بعض حكومات إسرائيل السابقة - ضرورة يحتمها الواقع الديموجرافي. فإسرائيل تعلم أن ضم هذه المناطق وإبقاءها ضمن دولتها سيؤدي – بالتأكيد - إلى أن يصبح اليهود أقلية خلال فترة ليس طويلة، وذلك حتى مع عدم إتاحة الفرصة للفلسطينيين في الخارج بالعودة إلى ديارهم وأراضيهم. ولكنها – أي إسرائيل العنصرية – تريد أن تتخلص من الفلسطينيين، ولا تريد أن تتخلى عن كثير من الأراضي العربية المحتلة بعد حرب 1967م، بل ترغب في تصفيتهم وتهجيرهم إلى خارج فلسطين، ومحاصرة من يبقى في بقع مطوقة بالمستوطنات أو بالجدار العازل. ويبدو ذلك واضحاً من خلال نظام المستوطنات في الضفة التي أنشئت على قمم الهضاب والجبال لتصبح مواقع استراتيجية لمراقبة الوهاد والسهول المنخفضة المجاورة، وتكون بمثابة نقاط للتحكم فيها، إن دعت الحاجة. وبهذا النظام الاستيطاني، لا يمكن أن يكون هناك ترابط أو تكامل بين المدن والقرى والمزارع الفلسطينية، مما يقلص الفرصة للحصول على دولة فلسطينية مستقلة بالمفهوم المعروف للدولة.
بناء على بيانات 2008م، يُقدر عدد السكان فيما يسمى بإسرائيل بنحو سبعة ملايين ونصف (7.5 مليون) نسمة في عام 2008م (ويشمل هذا العدد العرب داخل إسرائيل الذين يمثلون (20 في المائة)، ومن المتوقع أن يصل إجمالي سكان إسرائيل إلى 9.3 مليون نسمة في عام 2025م، ثم إلى 11.2 مليون نسمة في عام 2050م. وفي المقابل، يُقدر عدد السكان في الضفة وقطاع غزة بنحو 4.2 مليون نسمة في عام 2008م، ومن المتوقع أن يزداد ليصل إلى 6.2 مليون نسمة في عام 2025م، ثم إلى 8.8 مليون نسمة في عام 2050م. ويمثل هذا العدد نحو 50 في المائة من إجمالي عدد الفلسطينيين الموزعين في كثير من دول العالم. ويقطن في غزة، التي لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومترا مربعا نحو (1.5) مليون نسمة، لتصل الكثافة السكانية بها أربعة آلاف فرداً في الكيل المربع، بل ترتفع – أحياناً - لتصل إلى (50 ألف نسمة في الكيلومتر المربع) في بعض المخيمات.
ونظراً لصغر مساحة قطاع غزة واكتظاظه السكاني، فقد فضلت إسرائيل التخلص منه، ومضايقة سكانه وتهجيرهم. لذلك يتمنى أحد رؤساء الوزراء السابقين أن "يختفي قطاع غزة في البحر"، لتأثير هذا القطاع على المعادلة الديموجرافية. أما الضفة الغربية فهي أكبر مساحة وأقل اكتظاظاً، وتقع فيها مدينة القدس، وتتمتع بمناطق زراعية خصبة ومصادر مياه مهمة. لذلك تحاول إسرائيل ضم الأجزاء المفيدة لها من الضفة.
ولا شك أن السبب في التزايد السكاني السريع (أو حتى التفوق السكاني المتوقع) لعدد الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين، يعود إلى الفرق الكبير في الزيادة الطبيعية فيما بينهما. ففي حين تنخفض الزيادة الطبيعية (أي الفرق بين المواليد والوفيات) في إسرائيل إلى 1.6 في المائة سنوياً، فإنها ترتفع إلى 3.3 في المائة سنوياً في الضفة الغربية وقطاع غزة حسب إحصاءات السكان في عام 2008م. ومن جهة أخرى، تنجب المرأة الفلسطينية في المتوسط قرابة خمسة أطفال، في حين تنجب المرأة اليهودية نحو ثلاثة أطفال فقط. وهذا هو أحد أسباب قيام إسرائيل بوضع ضغوط متزايدة على الفلسطينيين لإجبارهم على ترك أراضيهم والرحيل، وذلك من خلال سياسات التجويع وتدمير المساجد والمنازل والمزارع والمدارس من جهة، وهو في الوقت نفسه أحد أسباب تشجيع الهجرات اليهودية إلى فلسطين من خلال تهيئة المستعمرات لهم بجميع الخدمات والمرافق من جهة أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن هناك جهوداً لخفض معدل إنجاب المرأة الفلسطينية يقابلها محاولات لرفع معدل إنجاب المرأة اليهودية!
في ضوء هذا الوضع الديموجرافي، فإن إسرائيل ستستمر – إن تركت على هواها – إلى تهجير الفلسطينيين وعزلهم في بقع صغيرة ومتفرقة، حيث لا يمكن لهم بناء كيان اقتصاد قوي، بل تريد لهذه البقع المتفرقة أن تكون ضعيفة من الناحية الاقتصادية والسياسية، وبالتالي عالة على غيرها، ومصدراً قريباً للعمالة الرخيصة. وفي الوقت نفسه، ستستمر في تشجيع الهجرات اليهودية إلى فلسطين، في محاولة يائسة لتعويض النقص في معدلات الزيادة الطبيعية، من أجل الحفاظ على تفوق اليهود عددياً في معادلة الصراع الديموجرافي.
وأخيراً، سيبقى العامل الديموجرافي مؤثراً في الوضع السياسي في فلسطين على الرغم من جهود الصهاينة في تشجيع الهجرة، ومحاولاتهم اليائسة لرفع معدلات الإنجاب لدى النساء اليهود، وسفك دماء الفلسطينيين وتشريدهم في بقاع الأرض.
ولكن لا ينبغي أن يكون الصراع الديموجرافي هو السبيل الوحيد للوصول إلى الهدف الذي يكفل للعرب الفلسطينيين حقوقهم، ويحفظ لهم كرامتهم، كبقية شعوب الأرض. فلا بد من بذل مزيد من الجهود العربية على الجبهات والأصعدة كافة، ولا بد من استمرار المقاومة بجميع أشكالها. وأرجو ألا يبقى العرب – طويلاً - ضمن المتفرجين على هولوكوست غزة!