لمعان الكراسي البحثية باهتٌ إذا اقتصر على التوعية والتسويق
الكراسي الجامعية أو الكراسي البحثية أو الكراسي العلمية (يمكن الاستطراد في المسميات) لها فوائد جمة عديدة بحيث يمكن كتابة ما لا يقل عن 13 نقطة بين تطوير مخرجات التعليم وتحسين الوضع الاقتصادي إلى تحسين المنتجات الصناعية وغيرها ولكن لا يسع المجال هنا لذكرها كلها. في الواقع هذا البرنامج الطموح لا يمكن أن يعيبه شيء لأن من شأنه أن يكون لبنة في بنيان النمو ومحركا لأنشطة تسهم في تقدم الوطن تنمويا ولكن حاجتنا ونحن في خضم هذه الفورة العلمية والطفرة الاقتصادية والقفزة النوعية في التدريب والتأهيل أن نخصص وقتا للمراجعة والدراسة من وقت إلى آخر لئلا ننعت بأننا عاطفيون ولا نجيد قراءة المستقبل حتى عندما لجأنا إلى الحلول المنهجية. هذا يعني أن علينا ألا تُؤْسر نفوسنا بالمصطلحات الجميلة مثل نشر المعرفة, وتطوير المهارات, والاستخدام الأمثل للمصادر, وتوزيع الموارد بعدالة, وخفض التكاليف, وترشيد الإنفاق, ودعم الأبحاث, ورفع مستوى المسؤولية الاجتماعية, وتحسين الأداء, وتحقيق المساواة المعيشية, واستغلال الوقت... إلخ، في حين لا نجدها بعد عشرة أعوام - على الأكثر- قد ترجمت نتائجها على أرض الواقع بشكل صحيح. من الواجب طبعا أن نشكر المبادرين والمعززين لبرامجها والداعمين من علية القوم أو كبار الرموز المؤثرة أو رجال الأعمال ولكن نريدهم أن يطمئنوا إلى أنها لن تكون "طباعة بروشورات أو مطويات" أو "إعداد برامج توعوية أو تثقيفية", أو تكرار أعمال تقوم أو قامت بها مؤسسات مدنية من قبل. إن أي حالة: (1) انكماش لتقدم رجال الأعمال وأهل الخير في الدعم المباشر. (2) زعزعة أو ذبذبة في ثقة أو نفوس المعارين أو المكلفين أو المشغلين في البرنامج. (3) انخفاض قيمة الأبحاث المدعومة لأي سبب إداري أو شخصي. (4) تأخر تنفيذ أي منها لضعف شمول الدراسات لجوانب عدة ستعني ابتعادنا عن الهدف الأساس الذي يعني ابتعادنا عن تحقيق نتائج البرنامج المرجوة لأنه لم يبن على معايير التقييم الدولية والمحددة لمستوى الإعداد الجيد الكفيل بمستوى النجاح والمصداقية والمسؤولية الكاملة.
من وجهة نظري الشخصية إن تأهيل أو إعادة تأهيل أعداد كبيرة من المختصين في التخصصات العلمية المهمة التي ستكون نواة التطوير في الوطن عبر هذه البرامج يحقق أكثر من هدف برمية واحدة عوضا عن مجرد إجراء البحوث التي تغطي هذا المجال أو ذاك. رقميا, دراسة طالب لأربع سنوات في أي من الجامعات المحلية الأهلية كانت أم الحكومية قد تكلف بين 150 و300 ألف ريال، بينما قد يكلف في الدول الست المتقدمة ما يوازي ثلاثة إلى خمسة أضعاف هذا الرقم مما يعني أننا داخليا سنتمكن من تخريج أعداد أكبر بفكر أفضل ومهارات عملية أو مهنية أكثر جودة لقربها من المشكلة. من ناحية أخرى من الطبيعي أن تجلس كل جامعة لتحدد استراتيجيتها في تنفيذ هذه البرامج الواعدة ولكن ألا يكون أجدى لو أن الاستراتيجية تكون أشمل بين الجامعات الكبيرة مبدئيا ثم يمكن بعد ذلك تعميمها بعد أن يتم تقييم المخرجات. فمثلا يمكن وضع أطر العمل والتمويل والمتطلبات كافة ضمن لائحة عامة تتفرع منها لوائح تفصيلية تنظيمية تتوجه على أساسها الجامعات لتحدد فيما بينها التخصصات التي يمكن أن تغطيها على ألا تتكرر بين جامعة وأخرى آخذين في اعتباراتهم عوامل مثل التعداد السكاني أو الموقع الجغرافي أو خبراتها في أبحاث معينة تستطيع كل منهما الإبداع والتميز فعليا. أعتقد أن تقارير التقييم الدولية التي نشرت عن مستويات جامعاتنا ما زالت تشوش أذهان البعض ولكن في المقابل هل مسارنا الحالي يعكس حسن اختيارنا لوسيلة الرد المناسبة, وهل سيكون الرد مرتبطا بنتائج سابقة حققناها تدل على حرصنا على التنمية المستدامة؟ ثم هل تستطيع مؤسسة واحدة أن تستحدث وتسجل العديد من الكراسي خلال عام واحد ولا تستطيع غيرها عمل ذلك الأمر الذي قد يخلق فجوة تثير تساؤلات عديدة؟
آليا أعتقد أن تحديد أو تمديد مدة المشروع لتغطي سنوات البحث أو الدراسة ومن ثم سنوات التطبيق لقطف الثمار ويتبعها فترة لتقييم التجربة, سيسهل على الجامعة عملية المتابعة وشمولية الإشراف والتقدم بثبات في كل مجال تحاول كشف معلومات جديدة فيه. ثم إن تخصيص الجامعات بالتعمق والتركيز كل منها في مجال أو اثنين فقط كأن تغطي إحداهن دراسات الطاقة وأخرى أبحاث الطب والصيدلة وثالثة تتميز في البحوث الزراعية أو في أبحاث الحج والعمرة أو المعلوماتية... إلخ, سيحدد حجم وتوجه الدعم البحثي ويرسم استراتيجية ويضع الخطط التنفيذية بشكل منهجي, كما أنه سيحمي أيا من هذه المؤسسات الطموحة من عشوائية تبريرات مستقبلية للمجتمع أو للداعمين خاصة لأنها لم ترد أن تظهر أنها تبرع في كل شيء. هنا قد أثني على كياسة مدير آثر التريث والتحرك المدروس وقدم لنا بذلك مثالا لقائد مسيرة واقعيا وملجما لكل لسان أو تقريرا أراد تشويش أو حتى المساس بجامعاتنا التي تخوض في هذه الأيام مرحلة مليئة بالتحديات, والله المستعان.