غزة عاطفياً وسياسياً
"لرجل يحمل مطرقة كل شيء يبدو وكأنه مسمار" مارك توين... تجسد أحداث غزة التقاطع بين السياسة والعاطفة. تتجلى المأساة الإنسانية في قتل المدنيين العزل, وتظهر السياسة في تقاطع ثلاث دوائر, أولاها النزاع الفلسطيني العربي والإسرائيلي, وثانيتها دائرة تقاطع نفوذ إيران المتنامي مع النظامين العربي والغربي, وثالثتها دائرة فقدان العرب السيطرة على مصيرهم بسبب الخلل التنموي. تقاطع هذه الدوائر يجعل كل شيء مقبولا وكل شيء لا أخلاقيا. فمصر وإسرائيل لن تسمحا بدويلة معادية لهما بينهما, ومن المفارقات أن إسرائيل تريد توحيد الفلسطينيين في نظام واحد. الشعوب تشارك أهل غزة العواطف والدعم الأخلاقي ولكن النخب ترى الصراع من كامل دوائره.
العامل المحرك الأساس مازال هو الصراع الفلسطيني العربي مع إسرائيل وهذا الصراع لن ينتهي بهذه العملية العسكرية أو تلك, لذلك فإن هذه الدائرة من الصراع أصبحت ثابتة على المدى المنظور. الجديد يأتي من خلال الدائرة الثانية الأوسع في الصراع, وهو ظهور إيران وقدرتها على استخدام الحرب غير المباشرة بدهاء شديد من خلال وكلاء. من يريد أن يلف نفسه في النسيج العربي لا بد له من الدخول عن طريق بوابة الصراع العربي- الإسرائيلي. إيران لم تصنع "حماس" ولكن وجدت فيها فرصة. طموح إيران الفعلي لا يتعدى الخليج, ولكن الدهاء الإيراني يتجلى في الضغط على ما تبقى من محاور النظام العربي. فبعد النجاح مع سورية ولبنان بدأ الطموح الإيراني في الضغط على مصر. لاحظ حماس السيد حسن نصر الله إلى حد الطلب من القوات المصرية بالثورة على حكومة مصر. قد يقول قائل: نحن لا نطالب بحرب إنما فقط بطرد السفراء وغيرها من الخطوات الدبلوماسية, ولكن كل هذا يصب في رغبة عربية ملحة في المنطقة الرمادية على حساب الوضوح والحسم. المنطقة الرمادية تتناسب مع الحقبة التاريخية ودرجة التنمية لدينا. وهذا يجرنا إلى الدائرة الأكبر والأهم.
بقدر ما تضغط الأحداث المأساوية علينا عاطفياً إلا أن الوعي بدرجة التخلف التنموي والاقتصادي يجب أن يستأثر بعقولنا ونحاول عزل العاطفة عن استحقاقات العقل. لعل أكبر خدمة نستطيع تقديمها لإسرائيل أو إيران أو غيرهما أن نسمح للعواطف بتقرير نهجنا الاستراتيجي والسياسي على حساب سلم التنمية الأهم. تنتصر إسرائيل دائماً لأنها أفضل منا تنموياً وعلمياً وسياسياً وهذه منظومة متكاملة لم نستطع توفيرها منذ مئات السنين. الادعاء بغير هذا ما هو إلا استسلام لمقولة مارك توين من خلال الأخذ بنموذج أحادي الفكر - إن كل من يرفع مطرقة على إسرائيل سوف يجد فينا مسماراً في أي اتجاه يضرب.
السؤال الأصعب على القيادات والنخب العربية في المدى القصير أو المتوسط والطويل هو عن عملية اللحاق بالأمم الأخرى تنموياً, وهذا الاختبار الأهم عدا ذلك ما هو إلا عبارة عن إدارة السياسة والدبلوماسية, وحتى هذه لها حدودها في ظل الضعف العام. فشل القيادات العربية في الأول قاتل وفي الثاني خطأ في العلاقات العامة إلا إذا رغبوا في توظيفه لذر الرماد عن القصور في الأول.
إذا لم تتحقق التنمية فقد نحتاج إلى أكثر من مطرقة.