مهما زادت رواتبهم فإنهم "سيتسربون"!
الدكتور هشام ناضرة مدير الشؤون الصحية في منطقة الرياض أكد في تصريح خاص لـ"الاقتصادية" أن أسباب تسرب الأطباء من المستشفيات الحكومية تعود إلى الأطباء أنفسهم، فكثير من الأطباء يذهبون إلى القطاع الخاص لسبب بسيط جدا هو تدني الرواتب، وهناك آخرون يتسربون إلى جهات أخرى لأن هناك اعتبارات مهنية ونفسية وعلمية وبحثية أيضاً، ناضرة بيّن أن رفع سلم الرواتب للأطباء من اختصاص ديوان وزارة الصحة.
أما عن الإغراءات المالية والمهنية التي تقدمها دول أخرى للكفاءات الطبية ذكر "ناضرة" أن آليات السوق هي التي تحكم هذه القضايا، فعندما تريد جهة ما استقطاب الكفاءات العلمية والمهنية المميزة عليها أن تكون قادرة على الاستجابة لمتطلباتهم، وهذه قاعدة أساسية في جلب واستقطاب العمالة سواءً كانت عمالة وطنية أو غير وطنية، إلا أن هناك متغيرات تحدث على مستوى السوق، وبالتالي إما أن تكون المنشأة قادرة على المنافسة وإما أن تتخلف عن الركب، فلو لم يكن هناك إشباع للاحتياجات الأساسية لهؤلاء المختصين سواءً كانوا أطباء أو مهنيين مميزين فلن يستجيبوا.
الدكتور ناضرة نفى أن يكون السبب الرئيس لخروج بعض الأطباء من القطاع الحكومي هو عدم توافر البنية المهنية التي ترضي تطلعاتهم العلمية، حيث قال: " هناك بعض التخصصات النادرة التي تحتاج إلى بنى تحتية متوافرة في المستشفيات التخصصية، وهو أمر لن نقف فيه على مستشفى الملك فيصل التخصصي ونقول إن البنى التحتية غير متوافرة، ولن نقف أمام مدينة الملك فهد الطبية وكذلك مستشفى الملك خالد الجامعي ونقول الكلام نفسه، بالتالي هناك المستشفيات التخصصية التي يجب أن تكون قادرة على جذب هؤلاء الأطباء، ثم إننا لا نحكم على عمل طبيب في قطاع خاص بالصواب والخطأ، إنما هي أمور تقاس بالشكل النفسي، الطبيب نفسه يعرف ماذا يريد سواء البعد المالي أو البحثي"، مشيرا إلى أن الذي يربط الطبيب بالعمل في القطاع الحكومي هو عقد مكتوب وإن كان سعوديا، "ففي اللحظة التي يقدم فيها استقالته لا نملك إلا تأجيلها 90 يوما فقط".
يشير ناضرة إلى أن وجود الطبيب المميز الذي يعمل في القطاع الخاص يعد رافدا من روافد تقديم الخدمات فيجب ألا يسوؤنا أن طبيبا مميزا يعمل في القطاع الخاص والعكس صحيح، يقول ناضرة "يسوؤني أن الطبيب المميز لا يوجد في السعودية فوجوده يسرني أياً كان عمله وليس بالضرورة في المستشفيات الحكومية، إذا كانت لا تستجيب لتوقعاته".
#2#
من جهة أخرى يلقي الدكتور أحمد الكردي"طبيب استشاري أول ونائب رئيس الأطباء في المستشفى العسكري في الرياض" باللوم على الطبيب فيقول "إنه مهما أعطى الطبيب من أعذار يبرر بها تسربه من المستشفى الحكومي إلى الخاص فإن السبب الرئيس حسب خبرتي في هذا المجال هو زيادة الدخل المادي فقط، وبالنظر لطبيعة البشر فإنه مهما زادت رواتب الأطباء في المستشفيات الحكومية فإنهم سيستمرون بالعمل في المستشفيات الخاصة خلال أوقات الدوام الرسمي وخارجه طالما ظل هنالك انعدام آلية المراقبة الصارمة وتطبيق النظام ضد المخالفين من الأطباء والمستشفيات الخاصة، وعن مبرر تدني المستوى المهني في المستشفيات الحكومية كسبب لتسرب الأطباء إلى القطاع الخاص، يكشف الدكتور كردي أن هذا المبرر يناقض نفسه، حيث إن كثيراً من أطباء المستشفيات الحكومية الرائدة يعملون خارج الدوام وأثنائه في المستشفيات الخاصة.
وحول القول إن تأخير الوزارة عن ترقية الطبيب هي السبب، يقول كردي " النظام المتبع في مهنة الطب في جميع أنحاء العالم أن الطبيب يلزمه بعد حصوله على الزمالة ( شهادة التخصص ) خبره لاتقل عن ثلاث سنوات للحصول على درجة استشاري والمستشفيات الخاصة لا تملك الحق في منح الطبيب درجة استشاري بل هنالك الهيئة السعودية للتخصصات الصحية التي هي من تملك حق تصنيف الأطباء على حسب شهاداتهم وخبراتهم، صحيح أن حصول الطبيب في بعض المستشفيات الحكومية الرائدة على درجة استشاري قد يطول أكثر من ثلاث سنوات - مازال الحديث للدكتور كردي- لسبب بسيط هو عدد الاستشاريين في القسم الواحد حيث من الواجب أن لايتعدى حاجة المرضى الفعلية وحجم القسم، أما إذا زاد عددهم على الحاجة الفعلية فإنهم قد يشكون من الفراغ أثناء الدوام الرسمي، لذلك يجب أن ينتظر الأطباء درجة الاستشاري لتشغر حتى يتنافسوا عليها". و عن الزيادة في رواتب الأطباء يؤكد الدكتور كردي أن هذا الأمر عسير الولادة –على حد تعبيره- لأن بعض المفوضين بمراجعته ومناقشته ورفعه إلى المقام السامي هم أنفسهم غير مقتنعين بأن يتجاوز راتب الطبيب الاستشاري راتب الوزير، وهذا ناتج عن عدم تفهمهم نوعية عمل الطبيب و مدى تأثير مهنته هذه في حياته العائلية والاجتماعية، ولكن مهما كان هذا الكادر فإنه لن يرضي حتى بعض الأطباء الذين يرون إنهم يعملون أكثر من زملائهم الذين يتقاضون الراتب نفسه، لذلك فمن باب الاستفادة من خبرات الدول الأخرى فإن الكادر الجديد يجب أن يأخذ في حساباته الإنتاج الفعلي للطبيب بحيث يحسب له إضافة إلى راتبه " الندرة في التخصص، ما عمله من عمليات، ما عاينه من مرضى في العيادات، ما كتبه من بحوث" حيث يجد الطبيب النشيط أن راتبه آخر السنة قد تجاوز أقرانه.
أما عن الإغراءات المالية والمهنية التي تعطيها الدول الأخرى الكفاءات السعودية يكشف كردي أن أعداد الأطباء السعوديين العاملين في دول الخليج قليلة جدا، وذلك يرجع إلى عدم موافقة الدولة على ذلك، ويضيف" في رأيي أن الأمر يجب أن يترك للطبيب أين يريد يعمل، خاصة إذا أنهى طرفه من قبل الدولة، ولم يعد لديه أي التزامات كأن يكون قد درس على حسابها ولم يؤد سنوات الخدمة المطلوبة منه، عدا ذلك فيجب ترك الحرية له وبالعكس فخضوع راتبه لقانون العرض والطلب قد يحرك المنافسة وبالتالي عملية تحديث كادر الأطباء .
#3#
من جانبها، تؤكد الدكتورة سميرة باراوي استشارية سابقة في مستشفى حكومي " أن السبب الرئيس وراء تسرب الأطباء من المستشفيات الحكومية هو قلة الأجور، فالأجور لدى الحكومة تختلف عن القطاع الخاص وهذا معروف لدى الجميع لأن الحكومة تحاسب الطبيب على اعتبار أنهم أنفقوا عليه أثناء دراسته وعلموه ومن ثم يقل راتبه حتى أن راتب الاستشاري يصل على الأكثر إلى 14 أو 15 ألف ريال شهرياً في المستشفى الحكومي بينما في الخاص يصل إلى 24 ألف ريال شهرياً هذا في الثمانينات والرواتب في الخاص تواصل الزيادة في الراتب، ولهذا كثير من الأطباء يتسربون إلى القطاع الخاص، إضافة إلى أن العمل الحكومي لكي يحصل الطبيب على الترقية لابد من وجود شاغر وأحيانا لايوجد، أيضا من أسباب تسرب الأطباء نقطة لا تخضع لقانون المال والزيادة في الراتب إنما تنحصر في المضايقات التي تصادف الطبيب من رئيسه في العمل فنجد أن الطبيب قد لا يعجبه الطبيب الذي تحت رئاسته لسبب أو آخر فيبادر في مضايقته بالمناوبات وتكرار تغطية العيادات وعمل المشكلات معه، لذا يبحث الطبيب عن مكان خاص ليس من أجل المال إنما من أجل الراحة في العمل، لذا مشكلة تسرب الأطباء في المستشفيات الحكومية تحكمها سياسات داخليه، الراتب مهم لكن لو كان الطبيب مرتاحا في التعامل معه إدارياً لما ترك العمل الحكومي واستقل بالقطاع الخاص"، وحول المقارنة بين مميزات القطاع الحكومي والخاص تقول بارواي" إنه يجب عدم إغفال المميزات التي يمتاز بها القطاع الحكومي من أمور إيجابية تميزه عن الخاص في الإجازات والحوافز ؛ فأذكر في عملي في القطاع الخاص عند اشتراكنا في بعثة الحج كانت الفترة التي تحسب في الخاص أسبوعاً فقط ؛ بينما الحكومي يحسب لأطبائه شهراً ويكون لهم زيادة في الأجور المدفوعة يعني في العمل الحكومي توجد أمور إيجابية وأخرى سلبية، فلا يوجد شيء سلبي على الإطلاق وإلا كان الكل ترك العمل الحكومي وذهب للخاص، فبمقابل تدني الأجور هناك أمر يحسب في العمل الحكومي حيث إن الطبيب لا يواجه ما يسمى إنهاء عقد بشكل مفاجئ، الطبيب الحكومي يعمل بتسلسل وتحسب له سنوات خبرة بينما الخاص لو حصلت أي مشكلة ينهى عقده بشكل سريع دون حساب لسنوات الخبرة ومدة العمل معهم" .
الدكتور محمد الزبن استشاري جراحة عامة يرى أن السبب المباشر لتسرب الطبيب للعمل في القطاع الخاص هو قلة الراتب والبحث عن مستوى معيشي أفضل بزيادة الدخل الشهري، أما ما يتعلق بسلم الرواتب والزيادة المنتظرة فيرى أن التركيز على مستوى الخبرة وندرة التخصص هي المطلوبة لدى الأطباء ويجب التركيز عليها كما يوضح أنه من المفروض أن يكون على حسب أداء الطبيب أكثر مما هو سلم راتب "مُواحد"، على أداء الطبيب وندرة تخصصه وفترة عمله تكون الزيادة على الراتب، ليس من العدل أن يعمل الطبيب طوال النهار والليل ويعمل ما يقارب 20 عملية يساوى بطبيب فقط عمله لايتجاوز متابعة المرضى عبر العيادة.
يرى أن المستوى المهني للمستشفيات الحكومية مليون في المائة أفضل المستشفيات الخاصة كمستويات طبية، فعلى سبيل المثال مستشفى الشميسي نفسه أفضل وأرقى من المستشفيات الخاصة الموجودة في منطقة الرياض فهو غني بالإمكانيات الطبية والمهنية التي لاتقارن بالخاص.