القطاع العقاري فجر الأزمة المالية.. وسقط ضحيتها

القطاع العقاري فجر الأزمة المالية.. وسقط ضحيتها

شهد القطاع العقاري في العالم خلال 2008 تباطؤا شديدا بعد ارتفاع الأسعار إلى مستويات باهظة وفي ظل تزايد حذر المصرفيين، ويتوقع خبراء الاقتصاد أن يستمر هذا التوجه لنحو سنتين.
والفورة العقارية التي ازدادت بعد انهيار أسهم الشركات الإلكترونية، بدأت تظهر بدورها بوادر انهيار في صيف 2007 حين أخذت الأسر الأمريكية التي تعاني وضعا ماليا صعبا تتخلف عن تسديد أقساط قروضها العقارية عالية المخاطر.
وكانت المصارف قد باعت في هذه الأثناء هذه القروض برزم ضخمة إلى مستثمرين آخرين، حين بدأت قيمتها تتبخر دون أن يعرف إلى من تعود، ما أثار ذعرا وريبة في الأوساط المالية العالمية.
وأوضح فيليب ويشتر مدير البحث الاقتصادي في شركة ناتيكسيس لإدارة الأموال "انعكس النظام بشكل مفاجئ جدا وأصبحت سبل تمويل المنتجات العقارية تقليدية أكثر واشد حذرا".
وكانت النتيجة انهيار الأسعار في العالم بأسره لأسباب مختلفة، سواء لعدم حصول الزبائن المحتملين على قروض نتيجة حذر مصارفهم، أو تأجيلهم شراء عقارات في انتظار انخفاض أكثر للأسعار أو لاعتبارهم تزايد البطالة غير مؤات لصفقات ضخمة كشراء عقارات.
تطول الأزمة اليوم المنازل والمكاتب على السواء ويغرق فيها قطاعا البناء وبيع العقارات. وكان الانهيار أكبر في البلدان حيث أبدت المصارف أكبر قدر من الجرأة كما في الولايات المتحدة، وبريطانيا، حيث أدت الأزمة إلى وضع المؤسستين الكبريين لإعادة تمويل الرهن العقاري "فاني ماي" و"فريدي ماك" تحت الوصاية.
وسجلت أسعار المنازل في هذين البلدين تراجعا بنسبة 20.6 و10.3 في المائة على التوالي في الفصل الثالث من العام بالنسبة إلى الحد الأقصى الذي سجل العام الماضي، بحسب آخر دراسة فصلية صادرة عن مكتب نايت فرانك البريطاني. وتسارع الانهيار بصورة خاصة في الآونة الأخيرة في بريطانيا والنروج وكندا وليتوانيا وتراجعت الأسعار عن الفصل الثاني من العام في أكثر من نصف البلدان، فيما بات ثلثها يسجل تراجعا مقارنة بالفصل الثالث من العام 2007.
ويقول نيكولاس بارنز الخبير الاقتصادي في نايت فرانك "لن تنجو أي بقعة من العالم من أزمة القروض في وقت تتراجع أسعار العقارات في مناطق متزايدة من العالم".
وإن كانت أوروبا الشرقية أفضل حالا من المناطق الأخرى، فقد تم تجميد بناء برج روسيا الذي كان سيسمح لموسكو بامتلاك أعلى مبنى في أوروبا بارتفاع 612 مترا.
ووصلت نسبة التراجع الفصلي إلى 2.5 في المائة في هونج كونج و0.1 في المائة في الصين حيث أقرت الحكومة إعفاء ضريبيا لصالح الصفقات العقارية سعيا منها لإنعاش السوق.
وفي إسبانيا تنهار الشركات العقارية الواحدة تلو الأخرى. وكانت إحداها وهي شركة ميتروفاسيسا قد اشترت العام الماضي مقر مصرف "إتش إس بي سي" البريطاني في لندن بواسطة قرض حصلت عليه من المصرف نفسه، وقد اضطرت الآن إلى إعادة بيع المبنى للمصرف بسعر زهيد بعدما استحال عليها تسديد قرضها وتقاضى المصرف فارقا وصل إلى 290 مليون يورو.
وفي فرنسا، انهار عدد ورش بناء المساكن الجديدة بنسبة 20.6 في المائة بين آب (أغسطس) وتشرين الأول (أكتوبر) مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي فيما تراجع بيع المساكن الجديدة بنسبة 44 في المائة في الفصل الثالث، ولو أن انخفاض الأسعار لم يتعد 0.3 في المائة عن الحد الأقصى المسجل في هذا البلد، بحسب نايت فرانك.
واضطرت شركة بويغ إلى إهداء سيارات مرسيدس من الطراز إيه زبائنها المحتملين لإقناعهم بالانخراط في أحد مشاريعها في مولوز.
ويبقى السؤال مطروحا لمعرفة إلى متى سيستمر تدهور الأسواق العقارية في العالم. ويرى الخبير الاقتصادي في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية يورجن المسكوف أنه "لن ينتهي عن قريب" مستبعدا "انتعاش القطاع العقاري قبل 2011-2012".
ويعد القطاع العقاري ثاني قطاع تضرر من الأزمة المالية العالمية بعد القطاع المالي الذي يعد هو الأول. وهذه الأزمة التي لفت العالم أجمع نشأت في العام السابق من أزمة القروض العقارية العالية المخاطر في الولايات المتحدة حيث عمدت المصارف الأمريكية إلى توزيع هذه القروض المتعثرة في النظام المالي العالمي برمته ما أدى إلى زعزعته بالكامل. وأدى هذا إلى خسارة المؤسسات المالية مئات مليارات الدولارات وانهيار أسهمها. لكن قلة من الخبراء كانوا يتخيلون حجم الكارثة التي ستنجم عن هذه الأزمة.
والضحية الأولى لهذه الأزمة كان أصغر مصرف للأعمال في "وول ستريت"، مصرف "بير ستيرنز" الذي انهار في آذار (مارس)، وعمد الاحتياطي الفيدرالي إلى تجنيبه الإفلاس عبر تقديم شروط مغرية للغاية إلى منافسه "جاي. بي  موغان تشايس" لكي يشتريه.
ولكن هذه الهزة التي تعرضت لها "وول ستريت" لم تكن شيئا مقارنة بالزلزال المدمر الذي ضربها لاحقا في الخريف.
فأمام إخفاقه في إيجاد مخرج لأزمته وعدم وجود أي جهة مستعدة لشرائه لم يجد مصرف "ليمان براذرز"، رابع أكبر مصرف أعمال في الولايات المتحدة، أمامه سوى إشهار إفلاسه في 15 أيلول (سبتمبر). وكان ذلك بمثابة ضربة نبهت القطاع المصرفي برمته إلى الإعصار الآتي لا محالة والذي سيفوق بحجمه وتأثيراته وتداعياته كلما سبقه من أعاصير منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، مع إصابة حركة القروض بشلل تام.

الأكثر قراءة