اغتيال الطفولة دون عقاب!
لقد شهد متوسط العمر عند الزواج في المملكة ارتفاعاً تدريجياً خلال العقود الأربعة الماضية، ليصل إلى 25 سنة للذكور ونحو 20 سنة للإناث في الوقت الحاضر. ويعود هذا الارتفاع التدريجي إلى انتشار التعليم والرغبة المتزايدة في إكمال المرحلة الجامعية. وواكب ذلك ظهور مشكلة تأخر زواج بعض الفتيات، ما أدى إلى إطلاق صيحات تنادي بمعالجة المشكلة، لدرجة دعوة بعضهم إلى تشجيع التعدد لحل مشكلة العنوسة.
يبدو أن مشكلات الزواج لا تقتصر على تأخر الزواج، بل إن هناك مشكلة أخرى لا تقل خطورة، تصل في بعض الأحيان إلى حد خرق حقوق الإنسان. نعم.. إنها اغتيال الطفولة من خلال الزواج في سن الطفولة. لقد تناقلت وسائل الإعلام أخيرا قضية الطفلة ذات الأعوام الثمانية التي أصبحت زوجة لرجل في العقد الخامس من العمر دون أن تعلم. أليس هذا يتنافى مع شروط الزواج؟ ومع معاني الوالدية المسؤولة؟
في الحقيقة، هناك حوادث من هذا النوع تطفو على السطح بين حين وآخر. ولا أزال أتذكر خبراً نُشر قبل سنوات قليلة عن وفاة شابة تبلغ من العمر 14 ربيعاً، وهي حبلى في الشهر السادس متأثرة بحملها الثاني، وذلك بعد إنجاب طفلها الأول، وهي لم تتجاوز 13 سنة. ومن المؤلم أن زوج الفقيدة البالغ من العمر 34 سنة – حسبما ذكرت إحدى الصحف اليومية - يشيد بتجربة الزواج من صغيرات السن، ويقول "إنها زيجات ناجحة بكل المقاييس"!
يترتب على الزواج في سن الطفولة آثار سلبية كثيرة، منها: حرمان الطفلة من التمتع بطفولتها، وتعرضها للوفاة نتيجة عدم استعدادها النفسي والفسيولوجي لدخول مرحلة الأمومة، وحرمانها من إكمال التعليم. وعلاوة على ذلك، تشير بعض الدراسات إلى أن كثيراً من الزيجات المبكرة تنتهي بالطلاق، بل إن الفتيات اللواتي يتزوجن في أعمار مبكرة يصبحن عرضة للعنف الأسري أكثر من غيرهن. وحالات كثيرة من هذه الزيجات تنتهي بالطلاق أو الترمل، ثم تدخل الزوجات الصغيرات نفق الفقر والاعتماد على المحسنين والجمعيات الخيرية. هذه حقيقة مرة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن هذه الفئة من الإناث تمثل نسبة كبيرة من المستفيدات من خدمات الجمعيات الخيرية في بعض مناطق المملكة.
لو أن جميع الآباء يتسمون بالعقلانية، ويتحملون المسؤولية، ويخافون العقاب في يوم الحساب، لما حدثت كوارث إنسانية مؤلمة، واغتيالات وحشية لطفولة أطفالنا، وإلا فهل من المعقول أن تتحمل فتاة في الثامنة وزر غرق والدها في الديون، ليتم تزويجها من رجل يكبرها بنحو 50 سنة، وهي في هذه السن الصغيرة؟! وهذا يؤكد أن العنف الأسري لم يعد – مع الأسف الشديد – نادراً، كما كان في الماضي. لقد أصبح يحدث في مجتمعنا بكثرة، بعدما كنا نعتقد أنه يوجد فقط في مجتمعات أخرى (بعيدة!).
في ضوء غياب العقلانية والحكمة، وتدني الروح الأبوية الحانية الرحيمة لدى بعض الآباء، فإن إصدار نظام يُحدد سن الزواج للذكور والإناث أصبح ضرورة ملحة، خاصة مع التغير الاجتماعي وما يواكبه من تعقيدات في أساليب الحياة الاجتماعية. إن أنظمة الزواج ليست بدعة، فالزواج يخضع لسن قانونية في معظم دول العالم، مثله في ذلك مثل السن النظامية للحصول على رخصة قيادة السيارة ونحوها. ولكن لا بد أن تقوم لجنة تجمع بين علماء الشريعة وعلماء النفس والاجتماع والطب بإعداد هذا النظام. وأخيراً أسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الخير دوماً.