الأوضاع الاقتصادية تجبر السائقين في مصر على استخدام الغاز
مع اندفاع الدخان الأسود من السيارات المتهالكة في شوارع القاهرة المختنقة بالزحام وامتلاء الهواء برائحة العادم تسير سيارة محمد داوود بهدوء باستخدام وقود رخيص الثمن ونظيف.
كما أن سيارة الأجرة الخاصة به بلونيها الأبيض والأسود جزء من أسطول متنام من نحو 100 ألف سيارة تم تحويلها لتعمل بالغاز الطبيعي رخيص الثمن بعد أن ضغطت الحكومة المصرية من أجل مزيد من الاعتماد على طاقة أنظف.
ويحظى الغاز الطبيعي المضغوط الذي ينتج انبعاثات مضرة أقل من البنزين أو السولار بإقبال كبير في المدن الشمالية التي يخيم عليها الضباب والدخان وقد يزيد الطلب أكثر مع توافر الوقود على نطاق أوسع في أنحاء البلاد، لكنها الأوضاع الاقتصادية القاسية وليست البيئة هي التي تدفع أعدادا متزايدة من سائقي السيارات لإجراء التحويل حيث إن تكلفة البنزين حتى المدعم منه تفوق ما يستطيع كثير من المصريين تحمله.
ومصر التي هي أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان واحدة من أقل الدول ثراء باحتياطيات الطاقة في الشرق الأوسط، وتمتلك مصر 1.2 في المائة من الغاز في العالم و0.3 في المائة من نفطه.
وقال داوود الذي حول سيارة الأجرة الخاصة به لتعمل بالغاز الطبيعي قبل خمسة أعوام "إنني مهتم بالبيئة. لكنه (الغاز الطبيعي) أرخص ثمنا أيضا... أستطيع أن أجني مكاسب أكبر"، وأضاف بينما كان ينتظر إصلاح سيارته في محطة خدمة للغاز الطبيعي هي الأولى في إفريقيا والعالم العربي "في هذا المناخ لا نستطيع استخدام البترول".
وخفضت الحكومة المصرية التي تلقت ضربة هذا العام من التضخم فضلا عن أكبر فاتورة على الإطلاق لدعم الخبز للفقراء الدعم على النفط في خطوة للتخفيف اتخذت في أيار (مايو) لتغطية العلاوة التي منحتها الحكومة للموظفين الحكوميين.
واستيقظ المستهلكون المصريون الذين اعتادوا فترة طويلة رخص أسعار النفط ليجدوا سعر الوقود الأعلى جودة قد ارتفع بما يصل إلى 57 في المائة بين عشية وضحاها، وزاد البنزين 90 أوكتين الذي يحظى بإقبال كبير بنسبة 35 في المائة ليصل إلى 1.75 جنيه مصري (0.32 دولار) للتر وهو سعر مرتفع بالمعايير المحلية لكنه أقل كثيرا من أسعار السوق الحرة، وتباع كمية مساوية من الغاز الطبيعي المضغوط بربع هذا السعر.
وتريد مصر التي تخشى من حدوث أزمة طاقة في العقود المقبلة تنويع مواردها، ويشمل هذا تطوير الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة النووية، ومما يجعل السعي إلى الحصول على طاقة بديلة قضية ملحة إمدادات مصر المحدودة من الوقود الأحفوري خاصة النفط الخام.
ويقول خبراء إن احتياطيات مصر المثبتة من النفط والغاز ستدوم لنحو ثلاثة عقود أخرى، كما تقول هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة إن مصر تريد توليد 20 في المائة من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2020، وهي تحصل على كم لا بأس به من الطاقة الكهرومائية من السد العالي في أسوان.
كما تريد القاهرة أيضا بناء عدة محطات للطاقة النووية وقد حصلت على دعم من الولايات المتحدة لهذا المشروع الذي تستعين فيه بخبرات روسية. لكنها أيضا تشجع أشكالا أخرى من الطاقة النظيفة.
وتنتشر المزارع التي تستخدم طاقة الرياح على ساحل البحر الأحمر في البلاد وقد أنشأت شركة السويدي للكابلات وهي واحدة من أكبر المؤسسات الصناعية في مصر شركة لطاقة الرياح في تشرين الأول (أكتوبر) لبناء التوربينات، وتتوقع مبيعات قيمتها 435 مليون يورو بحلول عام 2011.
وتملك مصر غازا أكثر من النفط الخام حيث توجد فيها احتياطيات تبلغ نحو 76 تريليون قدم مكعب مما يجعل الغاز الطبيعي بديلا جذابا وأكثر نظافة نوعا ما للنفط.
وتستهلك تكلفة دعم الطاقة نحو خمس الميزانية لهذا فإنه من المتوقع أن تستمر الحكومة في رفع أسعار الوقود على أساس منتظم وربما سنويا رغم أن انخفاض أسعار النفط العالمية في الآونة الأخيرة خفف بعض الضغط.
وقالت ريهام الدسوقي كبيرة الخبراء الاقتصاديين في بنك بيلتون فاينانشال "أعتقد أنهم منطقيا سينتظرون حتى العام المقبل حين يعود التضخم إلى أرقام فردية مجددا... ربما في النصف الثاني من عام 2009".
وسيوفر خفض الدعم على الطاقة أموالا للحكومة لاستخدامها في الخدمات العامة أو البنية التحتية وقد يؤدي أيضا إلى تحويل مزيد من السيارات لتعمل بالغاز الطبيعي.
وتتوقع شركة إيجاس القابضة للغاز الطبيعي المملوكة للدولة أن يزيد عدد السيارات التي تعمل بالغاز الطبيعي زيادة كبيرة ليصل إلى 300 ألف سيارة بحلول منتصف عام 2012 مع دخول مستثمرين السوق على الرغم من أنها تصف هذا الهدف بأنه "طموح".
وقالت إيجاس في بيان مكتوب أرسلته لـ "رويترز" إن عدد محطات التزويد بالوقود سيزيد لأكثر من ثلاثة أمثال في الفترة نفسها ليصل إلى 390 محطة وسيكون الغاز الطبيعي متاحا في شمال وادي النيل وجنوبه وشبه جزيرة سيناء.
وسارع السائقون إلى استخدام الغاز الطبيعي بعد خفض الدعم على البنزين، حيث تشير مؤسسة كار جاس وهي أبرز مؤسسة في مصر لتحويل السيارات إلى استخدام الغاز وتزويدها بالوقود إلى ارتفاع عدد التحويلات في الشهر الواحد إلى عدة آلاف، و70 في المائة من المصريين الذين حولوا سياراتهم من قائدي سيارات الأجرة وكثير منهم يجوبون الشوارع في عربات متهالكة تستهلك الوقود بشراهة، ويتقاضون أجرا يراوح بين خمسة وعشرة جنيهات مقابل توصيل الزبائن في أنحاء البلدة.
وتبلغ تكلفة التحويل إلى الغاز نحو ألف دولار وتستغرق أقل من نصف يوم،
ويستطيع سائقو السيارات السداد بالتقسيط، كما يقوم مستهلكون من أصحاب السيارات الخاصة بالتحويل أيضا حيث يحولون سيارات الدفع الرباعي التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود والسيارات الفارهة إلى جانب العربات الأقدم، التي تستخدم الوقود بفاعلية أقل، وتمثل السيارات الخاصة الآن أكثر من 17 في المائة من السيارات التي تعمل بالغاز الطبيعي.
وقال محمود علي النويهي مدير شركة كارجاس إن مؤسسته تعتزم توسيع نطاق عمليات التحويل للعربات التي تعمل بالسولار بما في ذلك الحافلات الصغيرة بعد برنامج استرشادي ناجح، وستوفر شركة كارجاس المعرفة لدول أخرى في المنطقة تسعى لأن تحذو حذو مصر.
وأضاف النويهي أنه لا توجد دولة في الشرق الأوسط مثل مصر وقال إن مصر هي الرائدة، وتابع أن الشركة ليست مستعدة لتقديم المعرفة فحسب بل ولإنشاء وبناء محطات لتعمل في دول أخرى.