رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


اختلال القيم وضعف الوعي يهددان بالتدهور البيئي

إنها ضريبة التقدم التقني! فقد أصبحت أسلحة القتل في متناول الناس سواء النارية منها أو الهوائية، وتوافرت وسائل النقل، وأجهزة الاتصال، وازدادت الإمكانات لتجهيز الرحلات البرية لدى كثير من الناس، وخاصة الشباب منهم. ويعاني بعض هؤلاء الشباب (وليس جميعهم) ضعف الوعي البيئي وعدم إدراك معنى التدهور البيئي، وما يترتب عليه من نتائج سلبية. بعضهم لا يدرك أنهم يتلاعبون بمقدرات الأجيال المقبلة، ويتسببون في اختلال التوازن البيئي. فعلى الرغم من رقي الإنسان في بعض جوانب الحياة، إلا أن البعض منهم أصيب بالانحطاط الأخلاقي تجاه البيئة والحياة الفطرية.
لقد كان الآباء والأمهات – في الماضي - يهتمون بالحفاظ على البيئة لمعرفتهم بأهميتها، واعتماد حياتهم عليها, ولكن الجيل الجديد (جيل الطفرة) افتقد مثل هذا الوعي، وكأن بالإمكان استبدال البيئة الحالية بأخرى، أو العيش فوق كوكب آخر، بعد تدمير البيئة التي نعيش فيها وعدم صلاحيتها للحياة.
بعضهم يطارد الحيوانات، كالثعالب أو الذئاب، بالسيارة حتى تلفظ أنفساها دون شفقة أو رحمة، وبعضهم يقوم بإطلاق النار على ما يراه يتحرك من كائنات، بدءا بالحشرات الصغيرة، ثم الزواحف والحيوانات الصغير منها والكبير، وكذلك الطيور على اختلاف أنواعها، الجارح منها وغير الجارح، الصغير منها والكبير، النادر منها وغير النادر، لا يميز بين نوع وآخر. يلمح نوعاً نادراً من الثعالب فيطلق عليه النار، ويرى طائراً جميلاً نادراً لا يعرف جنسه، فيصوب إليه الموت، ويرى نوعاً آخر من الطيور المهددة بالانقراض فيرديه قتيلاً.
إذا كان الشخص يطلق النار على كل ما يرى.. ويشعل النار في الأشجار أو في جذوعها، ويدهس بعجلات سيارته أفضل البقع إنباتاً وأكثرها إزهاراً واخضراراً، أليس هذا ضرباً من "الإرهاب البيئي"؟!
وقد يسأل سائل عن أسباب هذه السلوكيات واللامبالاة؟ وأين مصدر الخلل في نظمنا الأخلاقية؟ هل الأسرة تتحمل المسؤولية؟ أم المناهج المدرسية التي لا تعطي الطالب جرعة مناسبة تجعله يقدّر البيئة ويهتم بها؟ أم هو التغير الاجتماعي العارم الذي يجتاح مجتمعاتنا، ويولد معه اختلالاً في القيم الأخلاقية؟ وهل هذا السلوك ناتج عن غياب التربية البيئية في بيوتنا، ومدارسنا، ونظمنا التعليمية؟
لماذا يستمتع البعض بتدمير البيئة والإخلال بتوازنها؟ هل هذا نتيجة تطبيق قيم قديمة تحث على الشجاعة والصيد، على واقع مختلف، وبآليات وأدوات مختلفة، ولأغراض مختلفة أيضاً، عما كان عليه الحال آنذاك؟! لقد كان الصيد - في الماضي القديم - للحاجة، وقتل الذئاب والحيوانات المفترسة لسبب. أبداً، لم يكن عبثياً وفوضوياً، كما نراه اليوم.
يحدث هذا السلوك على الرغم من النهي عن الإفساد في الأرض، إذ يقول الله تبارك وتعالى "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" (سورة الأعراف، الآية 56). كما أن الحديث الشريف يحثُ على الحفاظ على البيئة والموارد، ويدعو إلى عدم الإسراف في استخدامها أو استنـزافها. فعن أَنَسَ بْن مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ "إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وفي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فليغرسها". وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ قَالَ أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ . وعلاوة على ذلك، يحث الدين الحنيف على الرأفة بالحيوان، فيروى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ.
وأخيراً لا بد من إدخال موضوع التربية البيئية – بقوة - في مناهجنا التعليمية، لا بد من الاهتمام بمستقبل البيئة والحياة الفطرية، لصعوبة إصلاح التدهور البيئي وإعادة الحياة الفطرية المنقرضة. لا بد من دعم هذه الجهود بإقرار حوافر للحفاظ على البيئة والحياة الفطرية من جهة، ووضع ضوابط وعقوبات رادعة من جهة أخرى. لا بد أن نتعلم كيف نتعايش مع الكائنات الأخرى! ولا بد أن نعي أن الأجيال المقبلة تشاركنا في الحق في الاستفادة والاستمتاع بالموارد الطبيعية على سطح هذا الكوكب، ولا بد من تطبيق الأنظمة التي تحظر بيع الحيوانات البرية أو التجارة في لحومها أو جلودها. ولكن يبقى السؤال المهم: ما الجهة المسؤولة عن تطبيق أنظمة البيئة والتأكد من الالتزام بها؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي