رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المشتقات المالية بين الإبداع والمصلحة

"أسلحة الدمار المالي الشامل" ورن بفت
إحدى أبرز الملاحظات حول الأزمة المالية الحالية في الغرب وأمريكا خاصة هي دور الإبداع المالي في خلق أدوات مالية معقدة لخدمة عدة أهداف. الهدف دائما هو حماية المستثمرين والمقرضين والمقترضين من المخاطر المالية. ولكن مع الوقت تبرز أهداف أخرى مثل الدعوة إلى تحويل مقترض للمخاطر وتجزئة المخاطر. كذلك يمتد الإبداع إلى إيجاد أدوات مالية بغرض المضاربة والرهان، بل القمار على التغييرات في العملات والمعادن وغيرها. على سبيل المثال إحدى الأدوات المالية التي في وسط هذه الأزمة منتج مالي يدعى "التأمين من إفلاس المقترض" Credit default Swap. هذا المنتج المالي يهدف إلى تأمين الإفلاس من السندات. القيمة الاسمية لهذا المنتج تصل إلى نحو 45 تريليون دولار. هذه القيمة تصل إلى نحو ثلاثة أضعاف حجم الدخل القومي الأمريكي. كذلك ليس لهذا المنتج سوق منظم مما يجعل المعلومات عنه شحيحة ويصعب توثيقها والإيفاء بالالتزامات المترتبة على هذه العقود. عدم السيطرة على عقود هذه المشتقات المالية الصعبة الفهم حتى على مديري المصارف وكثير من المختصين أدى إلى فجوة بين العاملين المستخدمين وبين كفاءة إدارة البنوك وشركات التأمين والبنوك الاستثمارية.
ينقسم الاقتصاد في مجمله إلى الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي، يكون المالي في أحسن أدواره حينما يخدم الاقتصاد الحقيقي وبذلك يكون مساعدا لتوظيف وتوزيع رأس المال إلى الشركات والأفراد الذين يستطيعون تعظيم العائد المالي عليه. فمادة الاستثمار الحقيقي في الصناعة والخدمات والتجارة والزراعة وإعمار الأرض، وما المال إلا وسيلة. الظاهرة القديمة الجديدة هي التوسع في الصناعة المالية إلى أن أصبحت هدفا في حد ذاتها ومجالا خصبا للمضاربة وأخذ المخاطر بغرض الحماية من المخاطر.
وأصبحت البنوك الاستثمارية مثل قولدمان ساكس ومورقان ستانلي وغيرهما مصانع لهذه الأدوات. صاحب نزول العوائد المالية تطور وتحول في المشتقات المالية واستطاعت جذب أفضل العقول لمزيد من الإبداع وتبع ذلك مكافأة مالية مجزية حيث يصل دخل بعض هؤلاء المختصين إلى ملايين الدولارات سنويا.
أصبحت هذه المشتقات المالية صناعة جذابة ماليا وتدور في عالمها دون أي علاقة واضحة أو مجدية مع الاقتصاد الحقيقي.
لا يمكن أن تتخيل اقتصادا حقيقيا أو ماليا دون دور للإبداع. للإبداع دور محوري في إيجاد المساحة اللازمة للنمو والتوسع الاقتصادي. يصعب أن نعرف متى ينتهي الإبداع والحاجة إلى المشتقات المالية ويبدأ دور المصالح الشخصية أو الغرق في نشاطات ليست ذات قيمة اقتصادية. يذكر كثير من المسؤولين والمراقبين أن هناك حاجة إلى مزيد من الأنظمة وتفعيل الأجهزة الرقابية للحد من استخدام المشتقات المالية كآلة للتلاعب والوهم بالحماية من المخاطر المالية.
في نهاية المطاف يستحسن أن نجد المساحة الكافية للإبداع، بل تشجيعه، ولكن يجب أن تكون البوصلة باتجاه خدمة القطاعات الحقيقية للاقتصاد من خلال الرجوع إلى الأساسيات في تداخل المال والاقتصاد. فالسياسة الائتمانية التي تطلب أن يتأكد المقرض من ملاءة المقترض هي الأساس في النشاط المصرفي الائتماني. كذلك حقيقة أننا حينما نستشرف المستقبل فإن المخاطرة ستبقى معنا للأبد لذلك ليس هناك من طريق للتخلص من المخاطرة، بل المراد هو محاولة لقياسها وإدارتها للحد منها، ولكن لا يمكن انتفاؤها عن طريق أدوات مالية معقدة رياضيا ومكلفة ماليا وغير مجربة عمليا. فكما ذكر أحد جهابذة الاستثمار فإن هذه المشتقات المعقدة أسلحة دمار مالي شامل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي