الأراضي والمساكن وتمويلهما
تعد قضايا المساكن والخدمات الأساسية المرتبطة بها وكذلك الأراضي السكنية وقروض صندوق التنمية العقاري مترابطة بعضها ببعض, وهي قضايا لا خصوصية لنا فيها, لأن غالبية دول العالم تواجه اليوم صعوبات في توفير مساكن لمواطنيها, خصوصاً تلك التي تزيد فيها نسبة النمو السكاني على نسبة نمو الناتج الإجمالي, ولكن لكل دولة خصوصياتها في نوع المصاعب التي تواجهها في هذا الشأن .
لدينا تمددت المدن الرئيسة بشكل كبير خلال السنوات العشرين الماضية, وكان تمددها أفقياً في الغالب, حتى أصبحت أضعاف مساحتها قبل عقدين من الزمن, هذا الأمر جعل تجارة الأراضي السكنية البيضاء والمطورة تجارة مربحة لعدد قليل من التجار الذين وفقوا في جمع رؤوس أموال كبيرة أيام ما تسمى الطفرة الاقتصادية من النشاط ذاته, عندما تضاعفت أسعار الأراضي بشكل هائل, ووصل سعر المتر إلى آلاف الريالات في بعض الأحيان, وهو الذي تم شراؤه بأسعار منخفضة جداً قبل الطفرة الاقتصادية, كان من نتيجة ذلك أن تم احتكار سوق العقار – أعني هنا الأراضي السكنية البيضاء والمطورة – من قبل مجموعة من العقاريين الكبار, وفي كل مدينة نجد ما يسميهم العامة من الناس (هوامير) العقار الذين في الغالب يعدون على أصابع اليد الواحدة.
لقد تخصصوا في شراء الأراضي البيضاء ذات المساحات الكبيرة بأسعار رخيصة وبعد أن يقوموا بتخطيطها وإيصال الخدمات لها, تباع بأسعار مرتفعة جداً مقارنة بتكاليف الشراء والتطوير, ومن ثم يأتي من بعدهم فئة صغار العقاريين الذين يزيدون الطين بلة عن طريق المضاربة عليها, فتباع مرات عديدة وفي كل مرة يربح البائع حتى تصل إلى المستهدف وهو الذي يشتري قطعة الأرض رغبة في بنائها وسكنها, فيدفع فيها مبلغاً كبيراً, ويربح بالتالي جميع من اشترى الأرض قبله بدءا من مطورها ووصولاً إلى آخر سمسار. هذه الأرباح الكبيرة يدفعها من ماله الذي ادخره سنين طويلة وربما من دين سيكون معلقاً في ذمته سنين طويلة أيضا, وهذا ما أوصل قيمة قطعة الأرض الجرداء إلى نحو نصف قيمة المسكن في الغالب, وجعلنا نحتاج إلى مبلغ يتوقع أن يكون ما بين 800 و1000 مليار ريال لبناء مساكن جديدة خلال السنوات العشر المقبلة.
وكنتيجة طبيعية لما يحدث في سوق الأراضي السكنية, توسعت المدن وتمددت حتى أصبحت مترامية الأطراف كل طرف منها عالم بمفرده, وهذا نتج عنه سلبيات كثيرة لعل أهمها انتشار الأراضي البيضاء داخل الأحياء السكنية بكثرة, ما جعلها مكباً للنفايات ومجمعاً للزواحف وبقعاً تشوه جمال المدن, خصوصاً إذا كانت على الطرق الرئيسة, وكذلك فقد أسهم في مضاعفة تكلفة إيصال الخدمات الأساسية للأحياء التي وصلتها فعلاً الخدمات, أما الأحياء الأخرى التي لم تصلها الخدمات الأساسية أو ما يسمى مخططات المنح فقد ظلت أحياءً بدائية فلا إنارة ولا رصف ولا تصريف لمياه الصرف الصحي فيها.
هنا يأتي دور الأسئلة وهي كثيرة ولكن سأكتفي بالمهم منها وأولها: لماذا يدفع راغب السكن كل هذا المال لشراء قطعة أرض بيضاء؟
ولماذا لم تنتبه الجهات المختصة لهذا الأمر منذ وقت مبكر وتعالج أسبابه؟
ولماذا لا يكون هناك قانون للاتجار في الأراضي السكنية؟
ولماذا لا يدفع المضاربون في الأراضي السكنية زكاة عروض التجارة مثل غيرهم من التجار, وهم الذين يجنون أرباحاً مضاعفة من اتجارهم فيها؟
ليس من المعقول أن تستأثر قيمة الأرض بنحو 30 إلى 50 في المائة من قيمة المسكن, وهذا راجع إلى الغلاء الفاحش والمبالغ فيه لأسعار الأراضي السكنية والمضاربات عليها من قبل تجار العقارات, ما جعل امتلاك أرض سكنية أمرا صعب المنال لكثير من الأفراد, خصوصاً لجيل الشباب الذين ينتظرهم مستقبل لا يبشر بالخير في هذا الخصوص.
حتى لا تتفاقم هذه المشكلة أعتقد أن الوقت قد حان لتدخل الجهات الرسمية للحد من ظاهرة غلاء الأراضي السكنية وأعتقد هنا أن إلزام تجار الأراضي بدفع زكاة عروض التجارة على أملاكهم التجارية سيعيد رسم خريطة الأسعار مرة أخرى بل سيوجه كثيرا من الاستثمارات ليس للاتجار في الأراضي البيضاء بل لبناء المساكن, وهو ما تبحث عنه المملكة اليوم.
كما أن الأمانات ينبغي أن تدرس موضوع تعدد الطوابق داخل الأحياء السكنية من أجل خفض تكلفة السكن على الأجيال الحالية والمقبلة. أما في موضوع تمويل شراء المساكن فهناك فرصة مواتية لاستغلال جزء من فوائض الدولة المالية للإقراض السكني بشروط تجارية, أي بفائدة مخفضة تحقق للدولة عائدا ماليا يعادل العوائد الحالية التي تجنيها من توظيف تلك الفوائض, فهذا له عديد من المزايا أولاها القضاء على مشكلة الإسكان وثانيتها توظيف أموالنا داخل المملكة وثالثتها تحقيق عوائد مالية لخزانة الدولة.