فيروس نقص المناعة وفيروس حساسية البيانات!
يصادف اليوم الأول من كانون الأول (ديسمبر) يوم الإيدز العالمي الذي حددته الأمم المتحدة للتوعية بخطورة هذا المرض الفتاك. وتشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن عدد المصابين بفيروس نقص المناعة (الإيدز) في العالم يقدر بنحو 33 مليون إنسان في عام 2007م. وتحظى – أو بالأصح تُبتلى – دول إفريقيا جنوب الصحراء بنصيب الأسد من هذا العدد، إذ يصل عدد الإصابات فيها إلى 22 مليون نسمة. ويمثل هذا العدد 70 في المائة من إجمالي المصابين بهذا الوباء القاتل في العالم أجمع. وفي حين يصل معدل الإصابة بالمرض بين البالغين الذين تراوح أعمارهم بين (15 و49 سنة) إلى نحو (0.8) في المائة في العالم، فإن هذا المعدل يرتفع في دول إفريقيا جنوب الصحراء ليصل إلى 5 في المائة بين السكان في الفئة العمرية نفسها. وحتى الآن، فقد أودى هذا المرض بحياة أكثر من 25 مليون شخص منذ ظهوره.
ومن المؤسف أن انتشار هذا الوباء في دول إفريقيا جنوب الصحراء أصبح يهدد مستقبل التنمية في تلك البلدان الفقيرة، ويقلص الأعمار (أمد الحياة)، ويؤدي إلى زيادة معدلات التيتم وكثير من المآسي الأخرى. وكنتيجة لذلك انخفض متوسط العمر المتوقع في بعض الدول الإفريقية بدرجة كبيرة. فعلى سبيل المثال، يعيش الإنسان في المتوسط 33 سنة فقط في سوازيلاند، ونحو 38 سنة في زامبيا، و47 سنة في رواندا وملاوي، مقارنة بنحو 82 سنة يعيشها الياباني في المتوسط.
وعلى الرغم من أن الدول العربية أحسن حظاً من جاراتها في القارة الإفريقية، إلا أن بعض التقارير تشير إلى تزايد انتشار المرض في الدول العربية. فتقدر الأمم المتحدة عدد المصابين بفيروس الإيدز في الدول العربية بنحو 380 ألف شخص في عام 2007م. ومن الملاحظ أن إحصاءات الإيدز في الدول العربية تعاني القصور والنقص والتناقض، وذلك لشعور بعض الدول بحساسية الموضوع. فلا توجد بيانات عن انتشار هذا المرض في أية دولة عربية في قواعد البيانات الدولية، باستثناء المغرب والجزائر ولبنان. وعموماً تبقى الإحصاءات متناقضة، أو محفوفة بالسرية وغير قابلة للنشر والتداول في معظم الدول العربية. فعلى سبيل المثال، تكشف وزارة الصحة أخيرا عن عدد المصابين في عام 2007، وتتجاهل الإشارة إلى العدد التراكمي الكلي. ومن المقلق أن بعض الخبراء يشيرون إلى أن الحالات غير المكتشفة تفوق المعلن بكثير، وأن انتشار المرض في تزايد مستمر.
ونظراً لخطورة هذا المرض الذي لا يرحم الأطفال أو النساء أو الشيوخ، ويحطم الأسر، ويهدم الحياة الزوجية، ويُكلف علاجه مبالغ طائلة، فإن من الأهمية بمكان أن نتعرف على مدى انتشاره في مجتمعاتنا، ومن ثم نعد العدة لمكافحته، والوقاية منه، بل ينبغي فتح المجال أمام الباحثين لدراسة مدى انتشاره، ومعدلات الإصابة به، وذلك قبل أن نفقد السيطرة، ونندم على ما فات. أعتقد أن التوعية مهمة، والشفافية ضرورية. فلا مبرر للحساسية المفرطة التي قد تكلف الكثير فيما بعد، خاصة أن معدل الإصابة بفيروس الإيدز في الدول العربية منخفض مقارنة بمعظم دول العالم، (ولا يدعو للإحراج أو الحساسية)، إذ لا يتجاوز (0.2) في المائة من السكان البالغين في معظمها، باستثناء السودان التي يرتفع فيها بدرجة ملحوظة. ولكن يبدو أن كثيراً من الدول العربية مصابة بفيروس آخر يُسمى "حساسية البيانات"، مما يعوق الدراسات والبحوث المفيدة للمجتمع. ختاماً أدعو الله أن يجنب الوطن والمواطن من كل سوء ومكروه.