تقارير دولية: الشركات الخليجية تحقق تقدما ملموسا في الحوكمة

تقارير دولية: الشركات الخليجية تحقق تقدما ملموسا في الحوكمة

قال تقرير حديث صادر عن "الأسكوا" إن عديدا من أسواق المال في دول المنطقة نجحت في قطع شوط بعيد في تطبيق معايير الحوكمة من حيث الرقابة الداخلية المستقلة والشفافية والإفصاح ومنع التداول الداخلي وغيره. كما سجلت معظم الشركات في دول مجلس التعاون تحسنا ملحوظا في معايير الحوكمة، إلا أنه رصد فروقات بين كل دولة خليجية وأخرى، إذ جاءت سلطنة عُمان في مقدمة الدول الخليجية الأفضل في تطبيق معايير الحوكمة على خلفية إصدارها في 2002 قانونا يخص حوكمة الشركات، كما أنشأت هيئة مستقلة لرقابة أسواق المال، وقامت بتخصيص بورصة مسقط للأوراق المالية.
لذلك، أكد التقرير الحاجة إلى المزيد من التحسينات في مجال الحوكمة. فإذا ما أرادت السلطات المعنية في دول الخليج الارتقاء بهذه المعايير إلى مستويات عالمية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتعزيز كفاءة الأسواق، فإنه يتعين عليها الحزم في تطبيق القوانين في هذا المجال بكل جدية.
وقال التقرير إن الاقتصاد الخليجي في أغلبه الأعم، إذا ما استثنيا قطاع النفط وكل ما يتعلق به من صناعات، هو اقتصاد عائلي، بمعني سيطرة الشركات العائلية بأكثر من نسبة 85 في المائة على الأنشطة الاقتصادية في دول المجلس. من جهة أخرى، تظهر المسوحات أن عمر الشركات العائلية يعد قصيرا نسبيا إذا ما قورن بعمر مثيلاتها في دول منظمة التعاون والإنماء الاقتصادي "الأوسيد" والذي يراوح بين 30 و35 عاما. لذلك، فإن إدخال مبادئ الحوكمة ومعاييرها سيساعد على انتقال الثروة العائلية للأجيال المقبلة وتوزيعها على أعضاء العائلة بشكل يسهم في بقاء الشركة لا فنائها.
ولاحظ التقرير تعاظم التوجه لدى الكثير من الشركات العائلية لطرح أسهمها للاكتتاب العام والإدراج في البورصات بهدف مساعدتها على التوسع والدخول إلى أسواق جديدة وهذا لن يتحقق قبل تطبيقها مبادئ الحوكمة الجدية على الرغم من أنه ليس ضروريا طرح الشركات العائلية للاكتتاب العام، بل الهدف هو تأمين استمراريتها، حيث إن الحوكمة تسمح للشركة العائلية بإدخال مساهمين من غير أعضاء العائلة عن طريق قواعد الشفافية التي تعطي بيانات كافية للمساهمين الجدد الذين سيضخون موارد مالية جديدة تمكن الشركة من التوسع وتخفيف المخاطر المالية إضافة إلى أهمية إدخال أعضاء يمتلكون الخبرة الكافية من غير العائلة إلى عضوية مجلس الإدارة بهدف ضخ دماء جديدة للشركة. ولكي يتم تطبيق معايير العولمة بشكل أسرع، فإن المطلوب وضع بنية تشريعية ورقابية متكاملة خاصة بالحوكمة تأخذ صفة الإلزام وليس الاختيار، وخاصة في أسواق المال. كذلك زيادة فاعلية المشرعين عبر استقلالية تامة عن الحكومة. وطرح مدونات وكتيبات تشرح حوكمة الشركات والتشريعات المتعلقة بهذا المجال. أيضا من المهم بناء قدرات مؤسساتية ورقابة قوية على الآليات المعتمدة للتأكد من سلامة التطبيق على أرض الواقع. وتقوية البنية التحتية لحوكمة الشركات عبر تطوير القوانين وتأسيس نيابات قضائية مختصة للبت في القضايا المالية، وعلى أن يتزامن مع ذلك تسويق برامج تدريبية لمديري الشركات المدرجة وبرامج تثقيفية للمستثمر والتوعية بأهمية مبادئ حوكمة الشركات وتطبيقها. كذلك إدخال أفضل معايير الحوكمة في الشركات الحكومية والشركات العائلية. وأخير، السعي لخلق مستوى خليجي لمعايير حوكمة الشركات، بهدف الحصول على وحدة وتناغم في التشريعات وأطر التطبيق على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي.
وحول العوامل التي أسهمت في انتشار مفاهيم العولمة لدى الشركات العائلية، لاحظ التقرير أن انفتاح الأسواق وتحرير الاقتصاديات الخليجية علاوة على الانضمام لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية جميعها عوامل أسهمت بقوة في تسريع خطى الحوكمة في دول مجلس التعاون الخليجي. لذلك، لا غرابة أن يلاحظ أن أكثر المؤسسات تطبيقا لمعايير العولمة هي المؤسسات المالية وخاصة البنوك نظرا لارتباطها المباشر بالأسواق العالمية، ومواكبتها المعايير العالمية في الممارسات المصرفية الخاصة بمتطلبات "بازل1" و"بازل2"، حيث قامت المصارف المركزية في دول مجلس التعاون الست بتعديل أنظمتها لتتضمن متطلبات حوكمة الشركات، مثل تحقيق الشفافية والإفصاح في البيانات المالية، وإجراء تدقيق على مستوى مجلس الإدارة وتعيين أعضاء مجلس إدارة مستقلين، وتشكيل لجان التعيينات، والتعويضات، وتعزيز إدارة المخاطر. كما أسهم فتح أسواق المال الخليجية أمام الاستثمارات الأجنبية في تعزيز معايير الحوكمة داخل الشركات المدرجة في أسواق دول مجلس التعاون نتيجة لارتفاع سقف التوقعات من هؤلاء المستثمرين. وقد تم وضع مسودة قوانين لحوكمة الشركات وتطبيقها من قبل سلطات أسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث بدأت بورصة مسقط بتطبيق هذه القوانين في عام 2002 وتبعتها أسواق الإمارات والبحرين والسعودية وقطر والكويت خلال العوام 2006 و 2007.
كذلك أسهم النشاط المتزايد للشركات الخليجية في الأسواق العالمية في تحسين معايير القطاع الخاص وفقاً لأفضل الممارسات العالمية. فقد أنجزت الشركات الخليجية عمليات استحواذ بقيمة 25.9 مليار دولار في المملكة المتحدة وأوروبا وأمريكا الشمالية خلال العام 2007. ومن المتوقع لهذا التوجه أن يستمر مع مواصلة القطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي التوسع من خلال الاستحواذ على أصول أجنبية.
وقد تسارع العديد من الدول النامية، وهذا أيضا ما شهدناه في بعض الدول العربية، إلى إصدار قوانين وتشريعات خاصة بالحوكمة، ولكن المشكلة تكمن دائما هو كيفية الانتقال إلى تطبيق هذه القوانين وسط بيئة تنظيمية وإدارية وقضائية تعتبر عديدا من عناصرها مناقضا لقوانين الحوكمة المصدرة.
وأشار التقرير إلى الدراسات التي تولاها البنك الدولي في هذا الصدد والتي أكدت أن إحدى المشكلات الأساسية في عديد من البلدان النامية تكمن ليس في غياب قوانين وأنظمة الحوكمة بل في عدم وضوحها ومسارات تطبيقها، مما يؤثر في حجم وتدفق استثمارات الشركات وتدفقها وتشغيلها والعمالة فيها، وفي عدم التمكّن من توقّع التطورات اللاحقة. وتذكر تلك الدراسات أنّ عدم الوضوح الناتج عن الأوضاع القانونية والتنظيمية يلعب دوراً بارزاً في الحد من الاستثمار، حيث نجد أوّلاً مسألة صياغة القوانين: هل القانون واضح ودقيق بما فيه الكفاية ومتناسق مع القوانين الأخرى؟ فعدم الوضوح له انعكاسات سلبية ويمكنه تعطيل أعمال الأشخاص الخاصة بسبب دعاوى وإجراءات قضائية، أو منح الموظّفين الإداريين الذين يطبّقون القانون سلطة استثنائية كبيرة. وفي عدد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أعلن ثلثا المستجوبين في إطار تلك الدراسات أنّ تفسيرات المسؤولين للقوانين والتشريعات الخاصة بالحوكمة متناقضة ولا يمكن توقّعها. وقد أسهمت أيضاً القوانين غير الواضحة والتصرّفات الفردية في زيادة مضايقة الشركات. وقد يسهم تطبيق القوانين غير الكامل وعلى نحو لا يمكن توقّعه في خلق شعور بالإجحاف ما قد يؤدّي إلى ازدياد تقبّل الممارسات غير النظامية مثل التهرّب من دفع الضريبة ومن تطبيق قوانين العمل.
وعلى عكس قوانين الحوكمة الجيدة التي تضمن فاعلية سير أمور السوق وحماية الصحّة والسلامة العامة وتأمين الإيرادات الحكومية، قد تعوق قوانين الحوكمة الرديئة سير المنافسة في السوق الرامية إلى توزيع الموارد واستعمالها بفاعلية بهدف تحقيق النمو. ويعاني عدد من الاقتصادات في المنطقة من الأنظمة والقوانين المفرطة أو الضعيفة التي تقيّد دخول الشركات إلى السوق وتحدّ من خروجها منه وتخفض المرونة التشغيلية أو التنافسية.
ويخلص التقرير إلى أن أهم التحديات التي تواجه تطبيق الحوكمة في دول المجلس هو الانتقال إلى أنظمة حوكمة قائمة على القوانين وهو ما يستدعي بدوره أولا توافر قوانين حوكمة واضحة وقابلة للتطبيق تحقّق أهدافها بدقة ووضوح من دون إعاقة فاعلية الأسواق التنافسية والفوائد الناتجة عنها على صعيد النمو من جهة وعلى أن تتوافر أنظمة إدارية وتنظيمية وقضائية تدعم هذا الانتقال من جهة أخرى.

الأكثر قراءة