الشفافية والمساءلة.. ترف سياسي أم خيار استراتيجي؟!
هناك كثير من الجوائز والمناسبات التي تعج بها الساحة الوطنية، وهذا بلا شك يعكس حالة من التحضر الاجتماعي والحس السياسي ومساحة كبيرة في التنافس بين فئات المجتمع للإسهام في صياغة أولوياته وتسليط الضوء على القضايا لتكون ضمن الأجندة الحكومية. ويبرز من بين تلك الجوائز والجهود والأنشطة الاجتماعية جائزة السعفة للقدوة الحسنة، والسبب وراء تميزها أنها تقترب من موضوعات حساسة، وتناقش ما لم يكن يناقش وتجعله قابلا للنقاش! البعض يعتقد أن طرح مثل هذه الموضوعات من باب الترف السياسي، وأن هناك موضوعات أكثر إلحاحا وأهمية مثل المستوى المعيشي وتوفير الخدمات العامة والتقليل من البطالة، وهذا جهل كبير ينم عن سطحية في الفهم وعدم إدراك للعلاقة بين المعطيات والنتائج، إذ إن أسلوب صناعة القرار والقيم التي يستند إليها يحدد مستوى التنمية وطبيعتها. فالثقافة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وما تحويه من قيم تحدد ما يصح و ما لا يصح، وما هو مقبول وغير مقبول من السلوكيات والتصرفات بالمجتمع. إن الحديث عن الشفافية والمساءلة أمر في غاية الأهمية، حتى وإن لم يسع كثيرون إدراكه في غمرة الاهتمام بالمصالح الذاتية الضيقة. القضايا العامة يصعب إدراكها، لأنها تتطلب نظرة جماعية ورؤية مشتركة وتعاون وتكاتف بين أفراد المجتمع لتحقق المصلحة العامة، ولذا لم يكن مستغربا عزوف الكثيرين عن الاهتمام بها وكأنها لا تعنيهم مثل موضوعات التلوث البيئي والنقل العام والفقر الحضري والمجالس البلدية والصحة العامة وغيرها من الموضوعات ذات التأثير الخفي غير المباشر. وهذا بطبيعة الحال يعود لتدني مستوى الثقافة السياسية وغياب آليات المداخلة بالشأن العام والتي أفرزت حالة من الاتكالية واللامبالاة تحول فيها كثيرون إلى طفيليين يحاولون الحصول على أكثر الكثير بأقل القليل. وهو بلا شك مرض اجتماعي خطير يقوِّض عملية التنمية الوطنية من أساسها وينخر في الهيكل الاقتصادي ويفسد الاجتماع. إن قوة أي مجتمع هو في أنظمته العامة التي توجه الجهود نحو أهداف مشتركة واضحة المعالم وأساليب تربط بين الفعل والنتيجة في إطار قانوني، موضوعي، محايد. وهنا تتجلى أهمية الشفافية والمساءلة في تبيان هذا الترابط وتعزيز الثقة بالأنظمة الاجتماعية التي تمنح التوازن بين المصالح الخاصة والحرية الشخصية من جهة والمصلحة العامة والانضباط الاجتماعي من جهة أخرى، بل تخلق التناغم والانسجام بينهما، بحيث تكون المنفعة العامة هي مجموع المنافع الفردية. إن دور النظم العامة هو حماية حقوق الأفراد بالعدل والمساواة ومنعهم من التعدي على بعضهم البعض أو مصالحهم الاجتماعية المشتركة! وهذا مرة أخرى لا يمكن تحقيقه دون تطبيق قيم الشفافية والمساءلة.
الشفافية والمساءلة هما وسيلة وغاية التنمية. ولا غرو في أن تكونا أحد أهم أسباب تقدم الأمم ونهضتها. فكلما زاد مستوى الشفافية والمساءلة كان ذلك أدعى لارتقاء المجتمع وتطوره والعكس صحيح، وقد يكون غيابهما المعضلة الرئيسة التي تعانيها الدول النامية في محاولة التقدم واللحاق بركب المجتمعات المتقدمة. فإذا كانت التنمية تعني استكشاف الإمكانات والقدرات وتوظيفها على نحو يضمن تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، ويرتقي بالمجتمع السلم الحضاري ويعتلي قائمة التنافس الاقتصادي، فإن الشفافية والمساءلة آلية التعلم والمعرفة التراكمية وضبط التنمية وتوجيهها. التنمية ليست مجموعة من المشاريع والخدمات العامة وحسب، فهذه وسائل وليست غايات بحد ذاتها، الهدف الحقيقي للتنمية هو تطوير الفكر والثقافة نحو الابتكار والإبداع والإنتاج واحترام القانون والوقت، وهذا لا يتأتى إلا من خلال تطبيقهما . فالشفافية يقصد بها التعرف على ما حدث وما يحدث وما ينوى عمله بكل وضوح بتوفير المعلومات بحيادية ونزاهة وجعل الجميع على بينة من الأمر . فالمعلومات جزء من عملية التعلم وإعادة تثقيف المجتمع وتطويره، والتي هي في جوهرها إحداث التغيير في الفكر والميول والسلوك للأفضل. المعلومات تستحث الأفراد والجماعات والمؤسسات على صناعة القرارات بكفاءة وفاعلية وتحفزهم في البحث عن الأفضل وتحقيق الإنجاز. المعلومات ليست على الدوام إيجابية ومشجعة ومميزة ويجب ألا تكون كذلك ويتبع ألا نتحرج منها ونواريها ونخفيها أو نهذبها ونحسنها طالما أنه ليست هناك مخالفات نظامية. إن التعرف على حجم المشكلة التنموية وتجسير الثغرة بين الوضع الراهن والوضع المرغوب يتطلب معلومات دقيقة وكاملة. نحن لسنا مجتمعا ملائكيا خال من العيوب والأخطاء، لكن ذلك لا يعني عدم التفريق بين الأخطاء التي ترتكب عن قصد وإصرار ومخالفة صريحة للأنظمة، وتلك التي تقع بعد الاجتهاد وخارج عن الإرادة. وقد يلتبس على كثيرين الفرق بين الأخطاء المرتكبة لعدم توافر المعلومة فتتداخل الأمور عليهم ليلقوا بالأحكام جزافا، وتلقى الشائعات والتفسيرات الوهمية. من هنا كانت المساءلة أمرا مكملا للشفافية للوصول إلى حقيقة الأمر. فإذا كانت الشفافية معنية بسؤال ماذا يحدث؟ فإن المساءلة تعنى بتحليل الحدث ولماذا الأمور تسير على ذلك النحو. إن تفسير القرارات والنتائج للعموم عبر المناقشات العامة يتمم دائرة التعلم بين جميع الأطراف بدلا من الاتصال باتجاه واحد. هذا يؤدي إلى اقتناع الجميع واتضاح التوقعات ومن ثم إنجاح العمل المشترك.
الشفافية والمساءلة ليستا قيمة أخلاقية تحافظ على قوة وتماسك وبقاء واستمرارية الحفاظ على المجتمع وحسب، ولكنهما آلية للتطوير والتقدم إلى آفاق أرحب في الاقتصاد والسياسة. هناك حذر كبير وغير مبرر من تطبيق ثقافة الشفافية والمساءلة، لكن على العكس تماما فإن جعل الأمور واضحة وإتاحة الفرصة للنقاش وطرح الأسئلة يزيد من توثيق العلاقة بين المواطنين والأجهزة الرسمية. والحقيقة أن توجه الدولة الحميد نحو مزيد من المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار عبر مجالس الشورى والمناطق والبلديات والمحليات يصب في هذا الاتجاه، وهو بلا شك محل تقدير يضعنا على طريق الإصلاح والتطوير، ويبعث للتطلع لمزيد من الشفافية والمساءلة. المساءلة توأم الشفافية، فلا يكفي توفير المعلومات، بل يلزم مساءلة البيروقراطيين الذين يتمتعون بهامش حرية يجعلهم بالكاد يستحقون مسمى مسؤولين! من هنا كان من المفترض أن يميز بين المؤسسات في جائزة السعفة على أساس درجة حساسية المعلومات في المؤسسة، وأرى من الإجحاف ومن غير العدل أن تمنح الجائزة لهيئة الاتصالات وهي مؤسسة طبيعة عملها يعتمد على تقديم المعلومات وتعمل في قطاع التقنية ما يقلل من التعقيد البيروقراطي، إضافة إلى أنها مؤسسة عامة مستقلة ماليا وإداريا ولا تتبع التنظيمات الحكومية في التوظيف والرواتب، ما يجعلها أكثر كفاءة وفاعلية ومهنية. المقارنة بين المؤسسات العامة والوزارات مقارنة غير عادلة لأن المعطيات مختلفة. أتمنى من القائمين على الجائزة أخذ ذلك بعين الاعتبار في السنوات المقبلة - إن شاء الله، بحيث تكون هناك فروع للجائزة حسب القطاعات ونوع التنظيم. ولكن تبقى الجائزة مبادرة تستحق الإشادة والتأييد والدعم من الجميع.