مرة أخرى .. المعاملات المصرفية الإسلامية "حشف وسوء كيل"
تطرقت أكثر من مرة للمعاملات المصرفية الإسلامية، وذكرت أن البنوك التجارية وغيرها من مؤسسات التمويل استغلت حاجة الناس ورغبتهم في سلك الطرق الشرعية لسد احتياجاتهم التمويلية لأجل تعظيم أرباحها بطريقة أعتقد أنها غير شرعية، وحتى لا يكون الأمر ملتبسا على القارئ، أقول إن الشريعة الإسلامية حرمت الربا وهذا أمر معروف ولا يجادل فيه أحد، ولأن السواد الأعظم من الأفراد وكثير من الشركات تتجنبه، قامت البنوك التجارية بتكوين هيئات شرعية بغرض أسلمة التمويل أو الإقراض، لكنها ابتعدت عن مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة بتقاضيها فوائد أعلى من الفوائد التي تتقاضاها من القروض غير الإسلامية، وهي بهذا ألحقت ضررا كبيرا بعملائها الأفراد وألزمتهم بدفع مبالغ إضافية لا يدفعها عملاؤها الآخرون بحجة أن القرض إسلامي فقط.
وحيث إن هذا الموضوع غُفل عنه ولم تتم معالجته من قبل الجهات المختصة ولا من الهيئات الشرعية التي حددت ضوابط التمويل الإسلامي بأنواعه المختلفة وتركت أو تجنبت أو تناست أهم مقاصده في شريعتنا الإسلامية ألا وهو العدل بين العملاء في تقاضي الفوائد والتخفيف عنهم وعدم إظهار الطرق الإسلامية بأنها طرق استغلال فاضح لا تتصف بالعدالة، كما يحدث اليوم، فهذا هو ما حملني على إعادة طرح الموضوع مرة أخرى، وكذلك ما كتبه الزميل الدكتور حمزة السالم الأربعاء الماضي في هذه الصحيفة حول التمويل الإسلامي وتيس التحليل، رغم أنه يتناول جانبا آخر غير الذي أتناوله في هذا المقال، لكنه جدير بالنقاش والإثارة من قبل المتخصصين والباحثين أمثاله لعل الله ينفع بما يكتبه، فالأحكام الفقهية تحتاج إلى بحث ظروف إطلاقها إذا كانت اجتهادية، لأن الظروف تتغير والأحوال تتبدل في ظل حقيقة واحدة أن شريعتنا الإسلامية صالحة لكن زمان ومكان، فالركون إلى الموروث الفقهي إذا كان يعتمد على الاجتهاد يحتاج إلى إعادة نظر ونقاش يجتمع فيه أهل الخبرة والعلم من المتخصصين في الفقه والاقتصاد على حد سواء.
أعود إلى موضوع التمويل الإسلامي للأفراد لأقول إن الطرق التي تعتمدها البنوك اليوم فيها ما فيها من حيث شرعيتها، فمن يتعامل بها يشعر أن فيها التفافا على العقل السوي من حيث بعناك هذه البضاعة التي لا يعرف أين هي وهل يمتلكها البنك حقا أم لا؟ فقد تكون في البحر أو في مكان بعيد ولا يعلم عن جودتها وصلاحيتها ولم يوقف عليها ولم تعد ولم تستلم، وقد تكون من نوع واحد كالصابون مثلا أو سيارات تباع عليك وعلى مئات غيرك من بعدك وهي لم تبرح مكانها، وهذا ما يجعلني أتساءل بصدق: هل هذا ما قصدته الشريعة الإسلامية؟ ولعلي أجيب بلا كبيرة تملأ البر والبحر، فالشريعة الإسلامية لم تقل ببيع الصابون 100 مرة وهو في مكانه لأشخاص لا يحتاجون إليه لذاته، إنما يستخدمونه للحصول على قرض مالي فقط.
هذه اجتهادات تحتاج إلى من يتصدى لها بالبحث والنقاش مرة أخرى، فلا يمكن استمرار تلك الطرق كستار لقروض بفائدة محسوبة معلومة، أو كما قال الدكتور حمزة، تيوسا تحلل بها المعاملات الربوية.
ليس من مقاصد الشريعة الإسلامية الإضرار بالناس، لذا فإن ما تقوم به الجهات المقرضة اليوم مشكوك في شرعيته قياسا، فليس من العدل أن تتقاضى تلك الجهات فائدة على قرض ربوي مبلغ عشرة آلاف ريال وتتقاضى على القرض نفسه إذا كان إسلاميا 15 ألف ريال.
إن من أقبح الصور المستهجنة استغلال عاطفة الناس الدينية وحاجتهم من أجل تعظيم المكاسب الدنيوية، لأن مثل هذا يضر بصورة الشريعة الإسلامية السمحة ويثير تساؤلات في العقل الباطن لا ينبغي أن تثار، وأنا هنا أعترف أنني لست فقيها شرعيا ولا باحثا في المعاملات الإسلامية، لكنني أحمل حقائق وأثير تساؤلات، أما الحقائق فستجدونها في القوائم المالية للجهات المقرضة التي تبين أحجام المبالغ المستثمرة في التمويل الإسلامي وأحجام الأرباح المتحققة منها، وتجدونها كذلك في كل عقد وقعه عميل فرد يتضمن قيمة البضاعة المباعة له وحجم الفوائد التي ألزم بسدادها، وأما التساؤلات فهي على النحو التالي:
لماذا تقول البنوك وجهات الإقراض الأخرى إن الفائدة 4 في المائة ـ على سبيل المثال - وهي أكثر من ذلك؟ ومَن سمح لها أن تكيل بمكيالين لعملائها؟ ألا يعد ما تقوم به نوعا من التدليس المنهي عنه؟ ولماذا تركت تستغل الأفراد فقط في تعاملاتها الإسلامية؟ مَن المستفيد من جعل القرض الإسلامي أكثر تكلفة من القرض الربوي؟ وهل هذا من مقاصد الشريعة الإسلامية عندما حددت طرق التمويل الإسلامية "بالتأكيد لا"؟
إذا تركنا جانبا موضوع الشكوك الشرعية في بعض طرق التمويل الإسلامي أو الأسلوب الذي تطبق به، الذي قد يختلف عما قررته الهيئات الشرعية، فإن الجهات المقرضة اليوم وبالأسلوب الذي تتبعه تقول لطالبي القروض من الأفراد: الربا خلفكم والفوائد المضاعفة أمامكم فلكم الخيار، فهي تعلم أن خيار هذا المجتمع ليس الأول بالتأكيد، لذا فهي تحصد من ورائهم أموالا طائلة دون حسيب في الدنيا، لكن الله جل وعلى حسيبهم في الآخرة.