مواجهة الأزمة في الخليج: تعزيز السيولة ومساندة القطاع الخاص وإيداع النقد الحكومي في البنوك المحلية
في أعقاب إعلان بنك ليمان براذرز الأمريكي إفلاسه رسميا، شهدت أسواق المال في "وول ستريت" وحول العالم تدهورا ملحوظا. فما تداعيات هذه الأزمة، وهل هذا الحدث عابر يمتد تأثيره ليوم واحد أو لمدة أسبوع، خاصة على أسواق المال في دول الخليج؟
من المؤكد أن حجم التأثير سيتباين من مكان لآخر، أي أن دولا ستتأثر بشكل أقل من دول أخرى. ففي أعقاب بنك ليمان براذرز. صدر تأكيد عن معظم البنوك المركزية في دول الخليج على أن درجة انكشاف دول الخليج لهذا البنك تعد متدنية. ولكن كما رأينا ما حصل مع "ليمان" قبل يومين، فإن الحديث بالأمس كان عن شركة التأمين العملاقة "أميركان إنترناشيونال جروب". وفي معظم البرامج الإخبارية ينصب السؤال الرئيسي في كل مكان حول ما يحدث أو من التالي؟ هنا تقرير أصدره بنك الكويت الوطني لقراءات آثار أسواق المال العالمية في الأسواق الخليجية. إلى التفاصيل:
على دول الخليج التفكير في استحداث أدوات جديدة لتزويدها بمرونة أكبر في المستقبل في التعامل مع الحالات الطارئة المحتملة. ويمكن لدول الخليج في المدى القصير على الأقل تعزيز مستويات السيولة ومساندة القطاع المالي بطريقة بسيطة جدا عن طريق استخدام حسابات الحكومات وصناديق الثروة السيادية.
وعلق بنك الكويت الوطني في موجزه الاقتصادي الصادر أخيرا على أزمة أسواق المال العالمية والخليجية، محاولا الرد على التساؤلات حول تداعيات هذه الأزمة وإعلان بنك ليمان براذرز الأمريكي إفلاسه رسميا، وبالتحديد إن كان هذا الحدث عابرا يمتد تأثيره ليوم واحد أو لمدة أسبوع، خاصة على أسواق المال في دول الخليج؟ ففي أعقاب أسبوع من التراجع، بلغت خسائر مؤشر "مورجان ستانلي" لأسواق المال الخليجية نحو 30 في المائة مقارنة بمستواه في مطلع العام، وذلك على غرار معظم أسواق المال في العالم.
ويعد بنك الاستثمار الأمريكي العريق "ليمان براذرز" من أحدث ضحايا فقاعة السوق العقارية في أمريكا، حيث قام هذا البنك بشكل رسمي بتقديم وثيقة إفلاسه هذا الأسبوع. وجاءت النهاية لهذه المؤسسة القديمة التي امتد نشاطها لنحو 158 عاما في أعقاب بيع بنك بير ستيرنز ومجموعة ميريل لينش. وعليه، يلاحظ أن ثلاثة من أصل أكبر خمسة بنوك استثمارية في "وول ستريت" لم يعد لها وجود الآن أو أنها أصبحت مملوكة من بنوك تجارية. كما يلاحظ أن الأسواق المالية في كافة أرجاء العالم تعرضت لضغوط إضافية، حيث إن معظم هذه الأسواق سجلت تراجعا ملحوظا.
ويعلق معظم رجال المال المخضرمين، بمن فيهم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق آلن جرينسبان، أنهم لم يشهدوا من قبل أي أزمة مالية بمثل هذا الحجم. ومن مميزات الأزمة الحالية أن أحداثا كبيرة تحدث بسرعة كبيرة، لدرجة يخيل لنا أن عمليات الإنقاذ الضخمة التي تلقاها بنكا فاني ماو وفريدي ماك خلال الأيام القليلة الماضية قد أصبحت أحداثا قديمة لا نكاد نتذكرها "وهذا ما نرجوه".
وفي اليوم التالي لكارثة "ليمان براذرز"، اضطر مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى نجدة ومساعدة شركة التأمين العملاقة أميركان إنترناشيونال جروب" AIG بتقديمه تسهيلات ائتمانية لهذه الشركة بما قدره 85 مليار دولار لفترة سنتين، وبسعر فائدة يتجاوز سعر ليبور بمقدار 8.5 في المائة. وقد تم التوصل إلى هذا الاتفاق ضمن بنود قانونية غامضة لم تستخدم منذ فترة الكساد العظيم في أواخر عشرينيات القرن الماضي.
أزمة الرهن العقاري
من المؤكد أن قصة الرهن العقاري أصبحت معروفة الآن، وتتلخص في أن مستثمرين ذوي ملاءة مالية مرتفعة يحتفظون بحوزتهم بمشتقات مالية معقدة ترتكز إلى أسعار المساكن في أمريكا قد اضطروا إلى تسييل مراكزهم ذات الأحجام الضخمة. ويعود السبب إلى تراجع أسعار المساكن في أمريكا و/أو ارتفاع معدلات التعثر في سداد القروض السكنية.
فتقلص حجم الضمانات أو المدفوعات التي تساند هذه المشتقات المالية أدى إلى تراجع ملحوظ في أسعار هذه الموجودات. وبما أن قيمة هذه الموجودات أصبحت أدنى، فقد اضطر هؤلاء المستثمرون إلى زيادة رؤوس أموالهم وفق شروط صعبة للغاية، وإلا فإن البديل كان يتمثل في بيع هذه الموجودات وشطبها من الدفاتر الرسمية، ما سيؤثر في أسعارها نزولا، خاصة في ضوء شح السيولة والتطلعات التي تشوبها درجة عالية من الغموض لسوق الإسكان. وقد تمثل مصدر القلق في أن الضغوط لبيع المساكن ستؤدي إلى المزيد من الانخفاض في أسعار المساكن، الذي بدوره سيدفع بأسعار الموجودات المالية المرتبطة بالرهن العقاري لتتراجع بشكل أكبر، ما سيؤدي إلى تولد دوامة تذهب بملاءة هؤلاء المستثمرين بشكل عنيف.
يشار إلى أن حجم الأموال المتأثرة بأزمة الرهن العقاري حتى الآن بلغ 500 مليار دولار من الخسائر نتيجة إسقاط هذه الموجودات من الميزانيات، ناهيك عن أن العولمة وحدها كفيلة بأن تؤثر تطورات السوق الأمريكية في أسواق عديدة حول العالم. وقد يكون هذا هو السبب وراء ما نشاهده من تطورات متماثلة في معظم إن لم يكن في كافة الأسواق المالية حول العالم. فقد أدى انفجار فقاعة قطاع الإسكان الأمريكي إلى تراجع زخم النمو في الاقتصاد الأمريكي، وحتما في الاقتصاد الصيني الذي يعد أكبر مصدر للسوق الأمريكية. وكما هو معلوم، فإن أمريكا والصين كانتا المحرك الرئيسي لنمو الاقتصاد العالمي.
وقد تفاقمت الأزمة بشكل إضافي نتيجة للارتفاع المتواصل الذي شهدته أسعار النفط في الآونة الأخيرة، بعد أن وصلت إلى مستويات قياسية خلال موسم الصيف السابق. كما أسهم ذلك في تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، وفي معاناة القطاعات غير المالية، وتحديدا صناعات السيارات والنقل الجوي في أمريكا، التي يتوقع أن تكون المرشح التالي لطلب العون والإنقاذ.
غموض وعدم وضوح في الرؤية
من الطبيعي أن يكون لدى المستثمرين وصانعي القرار حول العالم الأسئلة نفسه. وهذه الأسئلة عديدة ولكن القليل منها تتوافر له إجابة واضحة. وقد يكون في مقدمة هذه الأسئلة: متى ستنتهي هذه الأزمة؟ وما الذي سيعيد النشاط إلى الاقتصادات والأسواق المالية؟ وهل هناك "ليمان براذرز" آخر أو "بير ستيرنز" أو "أميركان إنترناشيونال جروب" على الطريق نفسه؟ وما حجم العدوى المتوقعة، اقتصاديا أو ماليا، وفي أي دولة؟
من المؤكد أن حجم التأثير سيتباين من مكان لآخر، أي أن دولا ستتأثر بشكل أقل من دول أخرى. ففي أعقاب بنك ليمان براذرز، صدر تأكيد عن معظم البنوك المركزية في دول الخليج بأن درجة انكشاف دول الخليج لهذا البنك تعد متدنية. ولكن كما رأينا ما حصل مع "ليمان" قبل يومين، فإن الحديث بالأمس كان عن شركة التأمين العملاقة أميركان إنترناشيونال جروب. وفي معظم البرامج الإخبارية ينصب السؤال الرئيسي في كل مكان حول ما يحدث أو مَن التالي؟
كيف تتأثر دول الخليج بهذه التطورات؟
ويلاحظ "الوطني" أن تأثر دول الخليج يأتي بشكل رئيسي من خلال اتجاهين: الأسواق المالية والنفط. فالتباطؤ في نمو الاقتصاد العالمي والتخوف من حدوث ركود اقتصادي دفعا بأسعار النفط للانخفاض مما يقارب 150 دولارا للبرميل في تموز (يوليو) إلى ما دون 100 دولار للبرميل (مزيج أوبك من 140 دولارا إلى 91 دولارا للبرميل). وفي حال دول الخليج، فإن هذا التراجع في أسعار النفط أدى إلى خفض التوقعات للنمو الاقتصادي وربحية الشركات والإيرادات الحكومية. وقد جاء ذلك كله بعد أن سادت التوقعات المشرقة وفي بعض الحالات الأسواق المفعمة بالحيوية والتفاؤل. كما أن تقييد البنوك المركزية في دول الخليج السياسات النقدية أخيرا بهدف التصدي لارتفاع معدلات التضخم أسهم أيضا في الأداء السلبي للأسهم. وبشكل موجز، يمكن القول إن المقومات أصبحت أضعف، إلى جانب العوامل الفنية والنفسية غير المواتية، هذا إلى جانب أن تأثير هذه العوامل تفاقم بحالة الضبابية وعدم وضوح الرؤية التي تعد لعنة الأسواق المالية.
إجراءات غير عادية لظروف غير عادية
وهنا يستذكر الوطني إحدى الطرائف التي قالها الاقتصادي المعروف جالبرث، التي مفادها أن هناك نوعين ممن يقومون بالتوقعات: أولهم من يعرف أنه لا يعرف، وثانيهم من لا يعرف أنه لا يعرف. وهذا ما ينطبق تحديدا على المستثمرين وصانعي القرار على حد سواء. فالذي يعرف أنه لا يعرف يفضل اللجوء إلى الحذر الشديد حتى لو كان ذلك خطأ، بدءا من مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، ومع أن حجم المشكلات التي تواجه البنوك المركزية الخليجية لا تذكر، وبفضل الله، مقارنة بما يواجهه مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فإن دول المنطقة تواجه حالة غموض صعبة، قد يكون من أفضل الطرق للتعامل معها هو أخذ جانب الحذر. إضافة إلى ذلك، وفي العديد من الحالات، فإن البنوك المركزية في دول الخليج تفتقد المرونة، ومحدودية الأدوات والوسائل المتاحة لها على نقيض ما يتوافر لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي. ويبدو أن الوقت حان للتفكير بطرق أكثر إبداعية وللتصرف بثقة أكبر، خاصة أن البنوك المركزية تتأهب للاتحاد النقدي ويتطلع العديد من دول الخليج، لأن تصبح مركزا ماليا إقليميا. ومن المؤكد أن عملية التحول ستتم بسلاسة أكبر إذا ما أحسنت التعامل مع الظروف الحالية.
فمجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي قد خرجوا عن مسارهم المعتاد بهدف ضخ كميات هائلة من السيولة عن طريق نوافذ إقراضية جديدة وإجراءات أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح السيولة هنا يختلف عن مفاهيم توافر الأموال و/أو القروض. فمجلس الاحتياطي كان يمارس سياسة نقدية توسعية إلى حد كبير، في حين أن البنك المركزي الأوروبي قام حديثا بتضييق سياسته النقدية عن طريق رفع أسعار الفائدة، إلا أن كليهما خفض شروط الضمانات بهدف توفير السيولة.
السيولة دم الأسواق
ويرى "الوطني" أن غياب السيولة قد يسبب مشكلات وحالة من التوتر حتى بالنسبة للشركات المتينة التي تعمل وفق أسس سليمة. فالمشكلات الحالية قد تظهر في أي وقت وبسهولة عندما تفلس شركات كبيرة في الأسواق العالمية وبعض مواردها المالية عابرة للحدود. وقد يكون أحد أسباب تأثر البنوك التجارية بشكل أقل من البنوك الاستثمارية (والسبب من وراء شراء بنك أميركا مجموعة ميريل لينش)، هو أن البنوك التجارية لها مصدر سيولة وتمويل ثابت وواضح يتمثل في قاعدة الودائع.
كما أن على دول الخليج التفكير في استحداث أدوات جديدة لتزويدها بمرونة أكبر في المستقبل في التعامل مع الحالات الطارئة المحتملة. ومع ذلك، يمكن لدول الخليج في المدى القصير على الأقل تعزيز مستويات السيولة ومساندة القطاع المالي بطريقة بسيطة جدا. فحسابات الحكومات وصناديق الثروة السيادية مفعمة بالسيولة بفضل إيرادات النفط، حيث يمكن أن يتم إيداع جانب من هذا النقد لدى المؤسسات المالية المحلية لفترة زمنية محددة الأجل، الأمر الذي سيوفر السيولة محليا، ويوفر وقاية من بعض حالات عدم التيقن الناجمة عن المشهد المالي العالمي غير المريح. ويفرق "الوطني" هنا بين هذه الخطوة لتعزيز السيولة المصرفية وبالطبع، فإننا لا نتحدث هنا عن قيام صناديق الثروة السيادية بشراء أسهم في أسواقها المحلية كما فعلت هيئة الاستثمار في الكويت، مع أن ذلك قد يساعد، ولكن يجب أن يبقى القرار حكرا على القائمين على إدارة هذه الصناديق.
فعندما تراجع أداء أسواق المال المحلية والمراكز المالية للمستثمرين والشركات، فإنه من غير الممكن استعادة الاستقرار من دون توافر السيولة الكافية لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، والعمل على تجنيب ظهور ما قد يسهم في تراجع الثقة بشكل إضافي. ومثل هذا الضخ للسيولة قد يكفي أن يكون مؤقتا ولحين انقشاع الغمامة، ومن دون أن يكون بالضرورة تغيرا في مسار السياسة النقدية. ويرى "الوطني" أنه قد يكون من الضروري أيضا إعادة تقييم الأولويات، خاصة مع هذا التغير المتسارع في المشهد المالي الدولي.