ممرات وأرصفة المشاة.. دور القطاعين الحكومي والخاص والأهالي
عُقدت في مدينة الرياض خلال الشهر الماضي، ندوة بعنوان "نحو مدن إنسانية صديقة للجميع" تحت رعاية صاحب السمو الملكي وزير الشؤون البلدية والقروية، وبتنظيم من منظمة المدن العربية وأمانة منطقة الرياض، حيث ركزت الندوة على أهمية تعزيز الجانب الإنساني في المدن، وعدم تحولها لمدن صناعية، لما يسببه ذلك من تلوث بيئي، وتدن في مستوى السلامة لحركة المشاة (خصوصاً للفئات العمرية التي تحتاج إلى اهتمام أكثر وذوي الاحتياجات الخاصة).
وكانت أمانة منطقة الرياض سبَّاقة في هذا التوجه، بتدشينها أول ممر مشاة في المملكة، وذلك في طريق الملك عبد الله بحي صلاح الدين 1422هـ، حيث كان يُطلق على ذلك الموقع (رصيف الحوامل) دون علم من مرتاديه بأنه سيصبح إحدى أبرز نقاط الجذب في المدينة. وكان لمتابعة سمو أمين منطقة الرياض وجهود الفريق العامل في ذلك المشروع، الفضل بعد الله في إشعال روح المنافسة والتسابق بين أمانات وبلديات المملكة، فقد بدأت المشاريع تتوالى في المدن والقرى وبتصاميم يتم تحديثها من مشروع لآخر.
إن مشاريع ممرات المشاة بشكل خاص، وتحسين وتجميل المدن بشكل عام، هدف ومطلب للجميع، لإيجابياتها أولا، ولما تعكسه من منظرٍ حضاري ثانيا، لذا يجب أن يكون للجهات الحكومية (غير البلدي منها) والقطاع الخاص دور في دعم هذا التوجه، بهدف سرعة انتشار هذه المشاريع من خلال شراكة بينهما، وبإشراف من القطاع البلدي - لضمان توحيد الإجراءات وإخضاعها للوائح والأنظمة المعمول بها - وذلك باستقطاع أجزاء من أراضي الجهات الحكومية (المدنية والعسكرية) ذات المساحات الكبيرة دون التأثير في المنشآت القائمة (إن وجدت) وتمكين القطاع الخاص من إنشاء ممرات مشاة فيها، مقابل الاستثمار بهذه الممرات من خلال تأجير مواقع لوحات إعلانية، ومواقع أخرى لأنشطة تجارية، كأكشاك بيع المياه والمرطبات والقهوة، وأخرى لأنشطة طبية، مثل أكشاك الفحوص الطبية السريعة، كقياسات مستوى الضغط والسكر، وسرعة ضربات القلب، ونسبة الكلسترول، ووزن الجسم وغيرها، والتي أصبحت هاجس الجميع مع قلة الحركة البدنية، في المقابل فإن استفادة الجهات الحكومية من هذه المشاريع تتمثل في تحسين وتجميل محيط منشآتها، وتملكها لتلك الممرات والاستثمارات؛ بعد انتهاء مدة الشراكة المتفق عليها، وسوف تمكًن المشاركة (الفعَّالة) للجهات الحكومية والقطاع الخاص، القطاع البلدي من التفرغ لمشاريع أخرى تزيد من إنسانية المدن.
وللأهالي دور أيضاً في تحسين وتجميل المدن، من خلال الأرصفة الجانبية للمنشآت السكنية والتجارية، حيث يمكن أن تقوم الأمانات بوضع معايير وضوابط تمكن الجميع من المشاركة الفعالة الاختيارية - إن لم يكن لدى القطاع البلدي الإمكانية لذلك - والتي سوف يكون لها إيجابيات عديدة على الجوانب الاجتماعية منها والاقتصادية والبيئية، وأيضاً المرورية، فكما يُلاحظ الجميع أن الروابط بين سكان المنازل (الجيران) ليست بأحسن حالاتها في الوقت الراهن، ولا أبالغ إن قلت إن أحد أسباب ذلك يتمثل في العزوف الجماعي عن السير في الشوارع، نتيجة ضعف مستوى السلامة فيها بل خطورتها، ولا يعني ذلك قصوراً تاماً بالجهات المرورية، حيث من غير المنطقي أن نطالب بالقضاء على المخالفات ونحن نوفر العوامل المساعدة أو المسببة لها، ومن أهمها المسطحات الأسفلتية الضخمة في الشوارع السكنية، دون حاجة أو ضوابط.
إن الشوارع السكنية (بمسطحاتها الضخمة) أصبحت أشبه ما تكون بمدارج الطائرات، ما أدى لانتشار بعض الظواهر السلبية كالسرعة والتفحيط، وما ينتج عنهما من تجمهر وحوادث، ومما يزيد الأمر سوءا، معالجة الخطأ بخطأ، وهنا أقصد نشر المطبات الصناعية التي تعكس منظراً غير حضاري (فضلاً لخطورتها) ... ويضاف لتلك السلبيات الخسائر الاقتصادية المتمثلة في التكاليف الباهظة لصيانة وإعادة تأهيل المسطحات الأسفلتية، والخسائر البيئية وزيادة ارتفاع درجات حرارة.
وفي المقابل يقتصر استخدام الأرصفة الجانبية على زراعة الأشجار (إن وجدت) مع عدم مناسبتها في الغالب للمشي؛ إما لعدم وجود مكان لذلك أو لاختلاف مناسيبها .
إن كل ما يحتاجه ساكنو المدن، هو أن تعلن الأمانات والبلديات (وليس فقط اتخاذ قرار داخلي) عن معايير جديدة لعروض الأرصفة الجانبية، بهدف تقليل المسطحات الأسفلتية، فعلى سبيل المثال لو تم تخصيص ثلث عرض الشارع للأرصفة الجانبية والممرات وما تحتويه من مسطحات خضراء، وتخصيص الثلث الآخر لوقوف المركبات، والثلث الأخير لحركة المركبات (إما باتجاه واحد أو اتجاهين وذلك حسبما يسمح به عرض الشارع) وبذلك يكون عرض الأرصفة الجانبية في الشوارع ذات العرض 20 مترا (مثلاً) ما يقارب من السبعة أمتار، بواقع ثلاثة أمتار ونصف المتر لكل طرف، وستة أمتار للمواقف الجانبية، وسبعة أمتار لحركة المركبات، بواقع مسار مروري لكل اتجاه.
وختاماً فقد آن الأوان أن نقف جميعاً، نحن ساكن المدن ومتخذ القرار، لنتكاتف ونصحح مسارنا التطويري حتى لا نضطر مستقبلا للبحث عن مدن تكون سكنية لا صناعية.