رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


السوق المالي السعودي بين ارتفاع أعداد شركات التأمين وغياب المستشفيات .. الأسباب؟

[email protected]

لعلنا نتفق بأن القطاع الصحي من القطاعات المحببة استثماريا خصوصا عند من يرغب في تنوع حقائبه الاستثمارية. لكن عند مقارنة القطاع الصحي الخاص بالقطاعات الأخرى، فإننا نجد أن حجم القطاع الصحي الخاص ظل محدودا.
فلماذا إذاً لا توجد شركة في القطاع الصحي طرحت للتداول في سوق الأسهم السعودي؟ ولماذا يغيب القطاع الصحي كقطاع وليس كشركات عن التداول في سوق المال السعودي؟ ولماذا نجد أن عدد الشركات في قطاع التأمين ارتفع من شركة واحدة إلى 22 شركة، بينما لا نجد أي مستشفى أو شركة مزودة للخدمة العلاجية مطروحة للتداول أو للاكتتاب؟ على الرغم من أنها الأهم في أي منظومة صحية.
من الناحية الإدارية نجد أن الأرضية الاستثمارية للقطاع الصحي تختلف عن الأرضية الاستثمارية للقطاع التأميني. فإدارة الاستثمار في قطاع التأمين من اختصاص وزارة المالية، بينما تشرف وزارة الصحة على شروط الاستثمار في القطاع الصحي.
فأحد أهم أسباب عدم حماس بعض رجال الأعمال للاستثمار في القطاع الصحي يعود لغياب الرؤية المستقبلية للقطاع. فالاتجاه لخصخصة الخدمات الصحية غير معلوم التوقيت أوآليات التنفيذ. وكيف سيعمل القطاع الصحي الخاص في ظل تغيير الأنظمة والقوانين المنظمة للقطاع الصحي دون مشاركتهم في إقرارها أو على أقل تقدير العلم بها قبل وقوعها من أجل تقليل آثارها. فمثلا منع الأطباء العاملين في القطاع الصحي الحكومي من العمل في العيادات المسائية في مستشفيات القطاع الخاص. هذا القرار من القرارات الإشكالية بين مؤيد ومعارض. فأحد أسباب منع أطباء القطاع الحكومي من العمل في القطاع الخاص يعود للتأثير السلبي لتعاونهم على الخدمة الصحية في القطاع الحكومي. فللأسف أن بعض الأطباء تركوا عيادتهم من أجل زيادة دخلهم في العيادات الخاصة وكذلك تحويل مرضاهم من عيادتهم في المستشفيات الحكومية إلى عيادتهم الخاصة بدعوى تسريع متابعة حالاتهم الصحية. فقرار المنع تم بطريقة "يا أبيض يا أسود"، فإما السماح للأطباء بالعمل في القطاع الخاص أو عدم السماح في ظل فقدان الثقة في أجهزة الرقابة الصحية. وقد تم تجاهل حاجة بعض المستشفيات الخاصة التي قد لا تحتاج إلى تعيين أطباء Full Timeلإجراء بعض العمليات أو الفحوص الطبية، إلا في حالات محدودة. فهل تمنع تقديم الخدمة بسبب عدم الجدوى الاقتصادية للإجراء؟ ومن المتضرر من هذا المنع؟ المستشفى أم متلقي الخدمة العلاجية أم الطبيب؟
لست في سياق حديثي هذا مع أو ضد عمل الأطباء في القطاع الخاص، لكن هذا القرار من القرارات التي إن كان لا بد من إقراره أن يتم بعد مدة معلومة ومحددة للجميع لا أن يكون قرارا مفاجئا. وقس على هذا القرار العديد من القرارات الأخرى التي تشترك في كونها قرارات إدارية تمت بشكل مفاجئ دون مقدمات وتم منعها بنفس الصيغة والطريقة.
نقطة أخرى جديرة بالاهتمام، ففي جانب نجد أن وزارة المالية لم تشترط على المستثمر في القطاع التأميني أن يكون لدى المستثمر شهادة علمية في التأمين من أجل إقرار شركة التأمين أو أن يشارك من لديه شهادة في التأمين، بينما نجد أن أحد شروط الاستثمار في القطاع الصحي مشاركة طبيب. وكأن رفع مستوى الجودة الصحية لا يمكن أن يتحقق دون مشاركة طبيب، وكأن دور هيئة التخصصات الصحية بالتأكد من المؤهلات الحقيقية للأطباء و العاملين في القطاع الخاص غير كاف. لذا فلا بد من مشاركة طبيب للتحقق من جودة العاملين وجودة الخدمة المقدمة من قبلها. كما أن شرط مشاركة الطبيب لا يمكن فهمه في حالة وفاة - لا سمح الله - الطبيب أو نشوب خلاف مستقبلي بين طرفي الشراكة وغيره من المنغصات لهذا الشرط. فلو التزمنا باشتراط طبيب في الاستثمار في قطاع المستشفيات واشتراط المهندس في الاستثمار في القطاع الإنشائي واشتراط المهندس الزراعي في قطاع الزراعة والمعلم في قطاع التعليم، لقاد هذا التوجه لإضعاف القطاع الخاص من أجل تحقيق مصلحة فردية لا تتناسب مع تشجيع الدولة على خلق جو استثماري عادل للجميع. فالاستثمار حق الجميع خصوصا وقطاعات الاستثمار الآن يغلب عليها النظرة المؤسساتية لا الفردية.
إضافة إلى أن هذا التوجه يتعارض مع أحد أهداف الخطة التنموية الثامنة والتي تنص على زيادة إسهام القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما يتعارض هذا الشرط مع أحد الأسس الاستراتجية للخطة التنموية الثامنة والتي تنص على الاهتمام بتهيئة المناخ الملائم لزيادة إسهام القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إن إضعاف الاستثمار في القطاع الصحي الخاص باشتراطات غير عقلانية يضعف القطاع الخاص ويجعل التنافسية في القطاع الصحي دون المستوى المأمول. لذا يجب التركيز على الشروط التي تسهم في رفع الجودة وتشجع الاستثمار في تقديم الخدمات الصحية.
كما أن هذا الشرط لا ينطبق على الشركات القادمة والمستثمر في القطاع الصحي عبر هيئة الاستثمار العامة. بمعنى أن المستثمر الأجنبي لدية الفرصة للاستثمار في القطاع الصحي بصورة أكبر مما لدى المستثمر السعودي، وهي معادلة لا تتناسب مع التسهيلات الحكومية والدعم الحكومي ألا محدود للتجار السعوديين.
ختاما هناك مطالبة من بعض المهتمين بالاستثمار الصحي بزيادة الحد الأقصى للاقتراض لـ 100 مليون ريال بدلا من 50 مليون ريال وزيادة فترة تسديد القرض إلى ست سنوات بدلا من أربع سنوات وتخفيض عدد الأقساط 14 قسطا بدلا من 16 قسطا. ولعل هذه المطالبة أن تدرس في سياق تحديد نوعية الخدمات الصحية التي تحتاج إليها القطاع الصحي الخاص والتي تحتاج إلى دعم من أجل تشجيع القطاع الصحي الخاص لتقديم خدمة صحية في نطاق شمولي يعود نفعها للمواطن.
لا شك أن للاستثمار في القطاع الصحي مستقبل واعد، خصوصا مع زيادة أعداد من لديهم وثيقة تأمين تزامنا مع تطبيق التأمين الصحي. لكن الاستثمار في القطاع الصحي الخاص يحتاج إلى إعادة نظرة في شروطه الحالية من أجل دفعه ليتواكب مع القطاعات التنموية الأخرى والتي تلقى تشجيعا ودعما حكوميا أسهم في زيادة نسبة مشاركة القطاع الخاص في الناتج المحلي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي