عفواً آدم سميث.. فقد ظلموك
من أكثر ما يشوه الاقتصاد إقحامه في معمعة الصراعات (الأيديولوجية). فما إن كشرت الأزمة المالية العالمية عن أنيابها حتى سال لعاب أقلام الكثير من (المؤدلجين) ليصبوا جام غضبهم على (الرأسمالية) دون التفريق بين رأسمالية أمريكا وغيرها من الرأسماليات الأخرى (كرأسمالية السعودية) مثلاً. وبتبسيط لا يخلو من السذاجة وقلة الإدراك للعمق النظري (الاقتصادي) البحت للنظرية الرأسمالية ، بدأوا يتندرون ويشتمون رموز هذه النظرية (كآدم سميث) دون اعتبار للإضافات العلمية (البحتة) التي قدمها هؤلاء والتي وفرت أرضاً خصبة ترعرعت فيها مختلف العلوم الأخرى سواءً الإدارية والمالية و الهندسية أو حتى مجالات العلوم الطبيعية.
أنا هنا لن أدافع عن رأسمالية أمريكا ، بل إن ما يحصل هو نتيجة لسوء تطبيق تلك المفاهيم الرأسمالية التي أسس لها آدم سميث. لكني هنا أحذر من الخلط بين النظرية الرأسمالية في الاقتصاد وبين تطبيقات الرأسمالية التي يعد الاقتصاد الإسلامي أحدها.
إذ إن من يزعم أن مفاهيم الاقتصاد الإسلامي تتناقض مع مبادئ النظرية الاقتصادية الرأسمالية (الأساسية) سيقع في فخ إثبات ذلك بالنظر إلى أن كليهما يقوم على مبادئ أساسية متطابقة كالملكية الفردية لعناصر الإنتاج.
كما أن من يزعم أن الاقتصاد الإسلامي (بوضعه الحالي) هو الحل فهو إنما يستخف بعقول الناس ويستغل عاطفتهم الجياشة لتعاليم دينهم الحنيف لكي يسجل نقطة لصالحه. إذ إنه ما دامت أنشطة البنوك الإسلامية قائمة على خلق النقود من النقود بإعادة تدوير القروض، فإنها ستظل رهناً لهروب المودعين Bank Run وامتناع المقرضين عند حدوث أي أزمة مالية. ومن ثم ستتعرض لما تعرضت له البنوك التقليدية من انهيار متتال بناء على الارتباط الخطي بين بعضها البعض.
الرأسمالية لها عدة أوجه في التطبيق وأكثرها تطرفاً تلك المدرسة النمساوية التي تسعى إلى أن يحدد السوق كل شيء دون تدخل من الحكومة. فلا بنوك مركزية ولا سياسات مالية ونقدية لتحديد أهداف اقتصادية تنموية معينة، بل ترك الحرية الكاملة للأسواق لتحدد الأسعار وتوزع الموارد. وفي الطرف الآخر من الطيف الرأسمالي هناك مدرسة كينز التي تنادي بأهمية التدخل الحكومي لتعديل المسار الاقتصادي على الأجل القصير. وبين هذين الطيفين تقع المدارس الرأسمالية الأخرى.
لا خلاف على الرأسمالية كنظام طبيعي لأنها تتناسب مع الفطرة الإنسانية المجبولة على حب التملك. لكن الخلاف هو في كيفية تهذيب هذه الفطرة لجعلها تحقق الأفضل للفرد والمجتمع. لذلك فإن الفكر الاقتصادي الإسلامي (الصحيح وليس التقليدي المؤلم) هو أفضل من يرسخ لمفهوم (رأسمالي) قائم على تحقيق الكفاءة في توظيف الموارد (الفردية) دون التفريط في حقوق الجماعة بحيث يضمن توازناً (واقعياً) لا نظرياً فقط بين أهداف الفرد والجماعة، ومقارب إلى حد كبير للنظام الذي قدمه آدم سميث في كتابه (ثروة الأمم) والذي أسس لقيام علم اقتصاد بالمعنى الحقيقي للعلم.
هناك مبادئ أساسية تضمنها كتاب سميث المشار إليه وهي تقسيم العمل والمصلحة الفردية وحرية التجارة. وهي المبادئ التي تقوم عليها التجارة الدولية بين الدول لكونها تؤسس لكفاءة إنتاجية ليس على المستوى الفردي فقط ولكن على المستوى الجمعي أيضاً. لكن الخلاف هو في كيفية التعامل مع الحافز الفردي وجعله يسير بشكل متوازن مع أهداف الجماعة. آدم سميث لم يقل أبداً إننا يجب أن نطلق المجال للفرد ليحقق أهدافه على حساب المجتمع، بل إنه يؤكد دائماً على أن المصلحة الفردية قد تحقق المصلحة العامة بناءً على توافر (شروط معينة) مثل المنافسة الكاملة وعدم التحيز في السوق (اقرأ مثلاً رأيه بشأن المضاربة).
إن اليد الخفية Invisible Hand التي يثور حولها الكثير من اللغط ، كثيراً ما استخدمت بشكل خاطئ لمهاجمة مبتدعها آدم سميث على الرغم من أن سميث أشار إليها ثلاث مرات فقط. وسميث أراد من اليد الخفية الكناية عن أن بعض التصرفات الإنسانية قد تؤدي إلى نتيجة غير مقصودة بحد ذاتها لكنها مفيدة على المستوى الجمعي، كالتفاعل الفطري بين الأفراد بما يؤدي إلى تكوين مجتمعي معين. لذلك فلا ينبغي أن يشار إلى أن سبب ذلك التكوين المجتمعي هو تصرفات الأفراد المقصودة ولكن إلى قوة خفية إما (طبيعية أو إلهية) حسب تعبير سميث.
إن الزعم بافتقاد النظرية الرأسمالية إلى أسس أخلاقية زعم لا أساس له من الصحة. إذ كيف تفتقد النظرية الرأسمالية للجوانب الأخلاقية وهي التي تعارض الاحتكار وتعتبره من أكثر العوامل المشوهة للاقتصاد والذي يؤدي إلى مزايا لطرف على حساب آخر في المعادلة الاقتصادية. وكيف يفسر من يزعم ذلك نظرية العوامل الخارجيةExternalities سواءً الإيجابية والسلبية منها كالتلوث البيئي، وطريقة معالجتها دليل على أنها تصب في الجانب الأخلاقي وتسعى النظرية الرأسمالية في المحافظة عليه ووضعه في إطار التوازن الاقتصادي الذي يقدمه النموذج الرأسمالي.
إن الطريقة التي يتعامل بها الكثير ممن وجدوا في الأزمة المالية الحالية ضالتهم هي انعكاس لتراكمات سياسية وأيديولوجية لا تنطلي على العارف بأسس ومبادئ النظرية الاقتصادية. ومن هذا المنطلق تجدهم يخرجون بتعميمات بشأن الرأسمالية دون تمييز بين الجيد والرديء، والغث والسمين، والصحيح والمعتل. لذلك ينبغي الحذر من الخلط بين الرأسمالية في الوضع المثالي Utopia الذي وصفه آدم سميث، وبين تطبيقاتها المختلفة والتي لكل منها إيجابياته وسلبياته. بما يعني أن المقارنة يجب أن تتم بين التطبيقات الرأسمالية المختلفة وليس بين الرأسمالية نفسها وأحد تطبيقاتها كالنظام الاقتصادي الإسلامي لأن نفي الأصل يعني نفي الفرع.