تصدير الصناعات السعودية .. هل يحتاج إلى استراتيجية خاصة؟

تصدير الصناعات السعودية .. هل يحتاج إلى استراتيجية خاصة؟

منذ انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية في كانون الأول (ديسمبر) 2005 م، وذلك بعد رحلة طويلة وشاقة من المفاوضات مع الدول الأعضاء. ورغم تشعب موضوعات البحث في هذا الموضوع، إلا أننا سنركز في تقريرنا هذا على دراسة مسألة محددة وذات أهمية كبرى للمملكة، والتي هي انعكاسات الانضمام على القدرات التصديرية للقطاع الصناعي السعودي. فميزة المملكة النسبية تنبع من الصناعة، وخاصة الصناعة المعتمدة على المادة الأولية المتوافرة في السوق المحلية، ولهذا يفترض أن يفتح الانضمام أبواباً كانت مغلقة أمام الصادرات، وخاصة الصادرات الصناعية للمملكة. ولكن يجب علينا التعرف على جداول وتعهدات المملكة أمام المنظمة فيما يتعلق بالصناعة وواقع القطاع الصناعي السعودي، ونصيب الصادرات الصناعية إلى إجمالي الإنتاج الصناعي قبل الانضمام ومدى مرونة الصناعة للاستجابة لهذا المتغير. كما أن علينا التعرف على ما خلصت إليه تجارب الدول الأسبق في العضوية في تلك المنظمة، فهل ترتب على العضوية زيادة القدرات التصديرية لصناعاتها أم لا؟. وإذا كانت أغلب الشركات العاملة في السوق السعودية تعمل على مدار عقود من أجل خدمة السوق المحلية Import - Substitution Industries، فما آليات التحول نحو استراتيجية الإنتاج من أجل التصدير Export-Oriented Industries؟ أيضاً من المهم أن نتعرف على تطور نصيب السلع الصناعية من المبادلات التجارية الدولية، وكذلك أبرز السلع الصناعية الأكثر تداولاً في الأسواق العالمية، وهو ما يعني جدوى التوسع الاستثماري فيها في المملكة، وواقع السوق السعودية من تلك الصناعات. كذلك يلزمنا بيان أهم الآليات الكفيلة بتمكين المملكة من الاستفادة من العضوية من منظور الارتقاء بالقدرات التصديرية للصناعة السعودية.
منظمة التجارة العالمية وانعكاساتها على الصادرات الصناعية
يسود حاليا اعتقاد أن اندماج الدول النامية ومنها المملكة في النظام التجاري الدولي سيمكنها من الاستفادة بزيادة قدراتها التصديرية، خاصة لأسواق الدول المتقدمة، فهل هذا ممكن؟ وهل لا تزال أسواق الدول المتقدمة هي المستهدف الأول؟
وحتى يمكننا التعرف على انعكاسات عضوية المملكة في تلك المنظمة على الصادرات الصناعية، يلزمنا التعرف على حصيلة تجارب الدول الأسبق في العضوية وخاصة الدول النامية (لتشابه ظروفها مع ظروف المملكة)، فهل زادت قدراتها التصديرية؟ وما الآليات التي استعانت بها الدول للاستفادة من هذا المتغير لزيادة القدرات التصديرية؟
فمن خلال الدراسات لتطور الصادرات الصناعية العالمية، وتوزيعها الإقليمي ونصيب الدول النامية منها يتضح أنه وبصفة عامة، ترتب على زيادة الاندماج العالمي والتخفيف من القيود الجمركية وغير الجمركية - خاصة فيما بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية - ارتفاع معدل نمو التجارة العالمية وخاصة في 2004 (9 في المائة). إلا أن معدل النمو شهد تراجعاً في 2005 (6 في المائة) ومطلع 2006 وذلك نتيجة لارتفاع أسعار النفط وحالة الحرب التي يشهدها الكثير من المناطق، والتوسع في الإنفاق والتصنيع العسكري على حساب الصناعات المدنية. كذلك زيادة نصيب الدول النامية من التجارة العالمية بمعدل نمو سنوي بلغ 12 في المائة مقارنة بمعدل نمو سنوي 10 في المائة للعالم ككل، ترتب على ذلك زيادة نصيب تلك الدول من الصادرات العالمية من أقل من الربع خلال السبعينيات إلى أكثر من ثلث التجارة العالمية أخيرا. أيضا كما أن أسواق الدول النامية صارت محل اهتمام بعضها ببعض، حيث زادت التجارة البينية بين الدول النامية إلى ما يقرب من 45 في المائة من إجمالي تجارتها، بعد أن كانت نحو 20 في المائة مطلع السبعينيات، كما أصبحت أسواق الدول النامية تستوعب نحو 45 في المائة من التجارة العالمية في 2005، بعد أن كان نصيبها لا يتعدى 25 في المائة قبل التسعينيات، وهذه كلها تحولات لها دلالاتها المهمة جداً بالنسبة للمملكة عند رسم استراتيجية معينة للتصدير.
الأمر المهم هنا هو أن صادرات الدول النامية شهدت تحولاً كبيراً باتجاه الصادرات الصناعية، مقارنة بتراجع صادراتها من المواد الأولية، ولهذا تشكل عضوية الدول النامية في تلك المنظمة تحولاً مهماً خاصة بالنسبة لتوسع صادراتها الصناعية من خلال النفاذ لأسواق مختلف الدول الأعضاء، استحوذت الصادرات الصناعية الآن على أكثر من 75 في المائة من صادرات الدول النامية، بعد أن كان نصيبها أقل من 25 في المائة خلال السبعينيات ومطلع الثمانينيات، وفي المقابل تراجعت الصادرات الزراعية لتلك الدول من أكثر من 45 في المائة من إجمالي صادراتها إلى 10 في المائة خلال الفترة نفسها، وكل هذا يدعم صحة توجه المملكة نحو تعضيد القطاع الصناعي السعودي إلى المزيد من التوسع.
لوحظ أن الفائز الأكبر (بين الدول النامية) من الانضمام لمنظمة التجارة العالمية الصين والهند من منظور زيادة الصادرات الصناعية وخاصة صادرات المنسوجات والصناعات متوسطة وعالية التقنية. فقد أوضحت وزارة الاقتصاد الهندية أن صادرات الهند قد تضاعفت تقريباً خلال أقل من حقبة إذ بلغت 51.7 مليار دولار في 2003 مقارنة بـ 26.3 عام 1995، كما تضاعفت تدفقات الاستثمار الأجنبي للهند، وكل هذا بعد الانضمام لمنظمة التجارة العالمية. أيضا ترتب على خفض التعريفات على السلع الصناعية بنسبة 40 في المائة زيادة في الصادرات العالمية بنحو 23 في المائة، والصادرات الصينية بنسبة 20 في المائة والهندية بنسبة 27 في المائة، وباقي دول شرق آسيا نحو 15 في المائة، ثم تفاوتت نسب الاستجابة بالنسبة لباقي المناطق، حسب استعداد الأجهزة الإنتاجية والقدرات التنافسية للمنتجات، خاصة بالنظر إلى السعر ثم الجودة، ولهذا كانت دول أوروبا الغربية الأقل استفادة (بمعدل نمو 2 في المائة تقريباً). كذلك لوحظ أن التجارة العالمية في السلع الأكثر تكثيفاً للتكنولوجيا قد نمت بشكل أسرع من سلع الصناعات المكثفة لعنصر العمل والصناعات المعتمدة على الموارد الطبيعية والأولية، وهذا أمر له هو الآخر دلالاته ونحن نتحدث عن الارتقاء بالقدرات التصديرية للصناعة السعودية، خاصة في ضوء الاستراتيجية الصناعية الجديدة ورؤية 2020 م التي تستهدف التوجه نحو الصناعات التقنية غير المعتمدة على المادة الأولية، وهذا هو ما تتطلبه الأسواق العالمية في الوقت الراهن.
إلا أن الملاحظ أن واردات الدول النامية نمت بشكل أكبر من معدل نمو صادراتها، وهو ما انعكس بالسلب على موازينها التجارية. فهذا هو الوضع الغالب بالنسبة للدول النامية الأعضاء في منظمة التجارة، باستثناء الصين والهند وأغلب دول جنوب شرقي آسيا التي تقود طفرة الصادرات العالمية، وهذه نقطة أخرى لها دلالاتها بالنسبة للمملكة، مع ملاحظة أن المملكة لن تواجه المشكلات التي واجهتها دول أخرى فيما يتعلق بالعجز التجاري، نظراً لأن السوق السعودية لم تكن مغلقة أو محمية بمستويات الحماية نفسها التي عايشتها أسواق الدول الأخرى الأعضاء، فالمملكة تتاجر بما يعادل 70 في المائة من ناتجها الإجمالي.
الارتقاء بالقدرات التصديرية
لا شك أن إنشاء منظمة التجارة العالمية وانضمام أغلب دول العالم إليها شكل متغير مهم اقتضى التعامل معه. وقد لوحظ من خلال دراسات للتجارب المقارنة أن الدول في سعيها للتعامل مع ذلك المتغير المهم سعت إلى استخدام العديد من الآليات التي كان من أهمها التوجه إلى الاستثمار الأجنبي المباشر والذي هو أداة الدول عامة والنامية خاصة، لمواجهة تحديات العضوية والانفتاح. وقد أوضحت التجارب العالمية زيادة مساهمة الشركات الأجنبية في الصادرات الصناعية للدول النامية، كما هو الحال في الصين كمثال (55 في المائة) إيرلندا (90 في المائة).. ومما يؤكد أهمية تلك الآلية، فقد نمت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من 317 مليار دولار عام 1995م (تاريخ نشأة المنظمة) إلى نحو 1.3 تريليون دولار عام 2000 م، بعد أن كان لا يتعدى 150 مليار مطلع التسعينيات!! فالشركات الغربية واليابانية قامت خلال العقد الماضي بنقل أغلب أنشطتها للأسواق الصاعدة في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، وهي دول أغلبها أعضاء في منظمة التجارة العالمية، حتى أصبح من النادر بالنسبة للمستهلك أن يجد في الأسواق منتجا شهيرا متعارفا عليه (مثل سوني) صنع في اليابان أو أمريكا، وإنما صنع في تايوان أو تايلاند أو ماليزيا... إلخ. وقد لعبت السياسات الحكومية الخاصة بالنفاذ للأسواق دوراً مهما في تفضيل القطاعات المعتمدة على التقنية والمهارة على حساب الصناعات الأولية. وهو ما أدى في النهاية إلى تربع سلع كالكمبيوتر وغيرها من وسائل الاتصال على عرش التجارة الدولية. وبناءً عليه، في سبيل التعامل مع تحديات العضوية، سهلت الدول النامية الأعضاء في المنظمة عمل الشركات الدولية على أراضيها، وفي الوقت نفسه سهلت الدول المتقدمة دخول المنتجات الوسيطة التي أنتجتها تلك الشركات إلى أسواقها، وهذا يؤكد حقيقة أن نمو تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر لم يقيد نمو التجارة الدولية، حيث نما الاثنان وفي آن واحد. وما يميز تجربة دول شرقي وجنوب شرقي آسيا ـ كتجربة ناجحة جديرة بالمحاكاة - عن غيرها من الدول النامية (ومنها المملكة) أنها تمكنت من زيادة صادراتها، وفي الوقت نفسه رفعت من مستوى القيمة المضافة في الصناعة والصادرات الصناعية من خلال المزيد من الاهتمام بالتعليم التقني والإنفاق المكثف على أنشطة البحوث والتطوير، بخلاف المملكة التي ربما تكون قد حققت نمواً في صادراتها الصناعية، ولكنها لم تتمكن من زيادة القيمة المضافة في الصناعة وزيادة الإنتاجية (قياساً بالمستويات العالمية). ولهذا كانت دول شرق وجنوب شرق آسيا هي الرابح الأول بين الدول النامية الأعضاء في المنظمة سواء بالنظر إلى نصيبها من التجارة الدولية أو التجارة البينية أو تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. وقد تمكن الكثير من دول شرقي آسيا من ردم الفجوة التكنولوجية والصناعية بينها وبين الدول المتقدمة الغنية. و من المهم هنا إبراز متغير مهم أسهم في زيادة الصادرات الصناعية لدول شرقي وجنوب شرقي آسيا ألا وهو الاستراتيجية الإنتاجية للمشاريع. فاستراتيجية الإنتاج للشركات العاملة في تلك الدول (سواء كانت شركات أجنبية أو محلية) كانت الإنتاج من أجل التصدير لسلع نهائية وليس لسلع شبه خام، كما هو الحال في المملكة. حيث نلاحظ أن الشركات الصناعية العاملة في تلك الدول قد خصصت أكثر من 50 في المائة من إنتاجها للتصدير، وفي المقابل – ووفقاً لبيانات المسح الصناعي 2002 - فإن أغلب إنتاج الشركات العاملة في السوق السعودية (نحو 75 في المائة) هو لخدمة السوق المحلية، وهذه مسألة جديرة بالاهتمام .
فرص التوسع في صادرات القطاع الصناعي السعودي
كانت فترة السنوات العشر من المفاوضات كافية لتمكين المملكة من الاستفادة من التجارب المقارنة الأسبق في العضوية، كما مكنت المملكة من إجراء الإصلاحات اللازمة لإعداد السوق السعودية لمرحلة ما بعد الانضمام. وفيما يخص القطاع الصناعي، الذي يسهم بما نسبته 10 في المائة تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي بعدد مصانع بلغ نحو أربعة آلاف مصنع بتمويل نحو 300 مليار ريال، فقد بلغت قيمة صادراته نحو 60 مليار ريال في 2005. وقد انضمت المملكة لمختلف الاتفاقات التي تهم الصناعة منها اتفاقية تقنية المعلومات وحقوق الملكية الفكرية والتدابير التجارية المتصلة بالصناعة ومكافحة الإغراق.. إلخ. أما بالنسبة لتفاهم الكيماويات المنسقة، فهو إحدى اتفاقات المنظمة، التي ربطت السقوف الجمركية لهذه السلع بحد أقصى (6.5 في المائة). وتشارك حالياً 22 دولة عضوا في هذا الاتفاق الذي هو في غاية الأهمية للمملكة، لما يؤمنه من قدره فائقة للنفاذ للأسواق العالمية بسقوف جمركية منخفضة.
أما فيما يتعلق بالدعم الصناعي العام وإقراض صندوق التنمية الصناعية السعودية احتفظت المملكة بالاستمرار فيه وذلك لأن الإقراض أو الحوافز التي تقدمها الدولة للمصانع حاليا ليست تفضيلية وليست فيها أي من أنواع الدعم وخصوصا الدعم المحظور أو القابل للتقاضي حسب أنظمة منظمة التجارة العالمية. وسيظل العمل ببعض تلك الحوافز وأهمها الإعفاء الجمركي لمستوردات المصانع من الخارج والأفضلية في المشتريات الحكومية والسعودة وغيرها، كما أن أنظمة منظمة التجارة العالمية تسمح بزيادة الحوافز لتنمية مناطق معينة أو للمحافظة على البيئة لذلك لن يكون للانضمام تأثير كبير في الحوافز التي تقدمها الدولة للمصانع. وفيما يخص الاستثناءات في جـداول السلـع، فقد تقرر منع استيراد السلع المحرمة شرعاً
(65 سلعة) وسلع أخرى منعت لأسباب صحية وشرعية (83 سلعة) وغيرها من الاستثناءات التي توفر الحماية للسوق المحلية. ولكن المهم هو أن يجري تخفيض تدريجي للسقوف الجمركية على عدد من السلع الخاضعة للاتفاقية في حدود ثلاث إلى خمس سنوات من تاريخ الانضمام. وقد وفر الانضمام مميزات كبيرة للصادرات السعودية عامة والصناعية منها خاصة، حيث فتحت أمامها الأسواق كما أنها لن تواجه في أسواق باقي الدول الأعضاء بإجراءات أحادية إلا وفقاً للضوابط التي وضعتها المنظمة.
فيما يتعلق بتطور الصادرات السعودية، فقد ارتفعت الصادرات غير النفطية بشكل كبير من 21.8 مليار ريال سنة 1999م إلى نحو 57.26 مليار ريال سنة 2004م، أي بمعدل نمو نحو 163 في المائة خلال هذه الفترة، أو بمتوسط معدل نمو سنوي يبلغ 32.5 في المائة، وإذا تأملنا التركيب القطاعي لهذه الصادرات سنجد أن الجزء الأكبر منها (نحو 33 في المائة عام 2004م) يقع في قطاع المنتجات البتروكيماوية. وبناءً على بيانات المسح الصناعي 2002، فقد لوحظ أن الصادرات الصناعية تشكل نسبة 25.95 في المائة من إجمالي مبيعات الشركات الصناعية، وهو ما يعني أن استراتيجية الشركات الصناعية العاملة في المملكة هي لخدمة السوق المحلية، وذلك على خلاف الوضع في الدول التي تقود سوق الصادرات الصناعية عالمياً. مع ملاحظة أن هناك بعض الصناعات تصدر ما نسبته 50 في المائة من مبيعاتها كالصناعات الجلدية والصناعات الكيماوية الأساسية ومنتجات تكرير النفط، وبمقارنة هذه المنتجات بما سبق أن عرضنا له، يتضح أن الصناعة السعودية بعيدة نسبياً عن احتياجات السوق العالمية، باستثناء صناعة الزجاج والنسيج والمواد الغذائية.
وفي سبيل التحقق من أهمية السلع الصناعية الداخلية في التصدير وقدرة المملكة على التوسع في إنتاجها على أثر انضمامها لمنظمة التجارة العالمية فقد تم بداية اختيار أعلى 15 سلعة تصديراً من ناحية القيمة (وفقاً لإحصاءات التجارة الخارجية) وذلك للسنوات من 1997م إلى 2005م، حيث إن ترتيب السلع المصدرة يختلف من سنة لأخرى (بمعنى أن بعض السلع الموجودة خارج أعلى 15 سلعة مصدرة في سنة ما قد تكون موجودة ضمن أعلى 15 سلعة مصدرة في سنة أخرى) فقد أصبح لدينا عدد أكبر من السلع (34 سلعة على مدار السنوات التسع). وحتى نصل إلى أعلى 15 سلعة أهمية من هذه المجموعة تم فحص مدى تواجد كل من هذه السلع في قائمة أعلى 50 سلعة مصدرة في كل سنة من السنوات التسع. وبعد ذلك توصلت الدراسات إلى وجود 15 سلعة متكررة بترتيب مختلف في السنوات التسع كافة ومن ثم اعتبرت هذه السلع هي أعلى السلع تصديراً والتي تواجدت دائماً في كل سنة من سنوات الدراسة، أما السلع الـ 19 الأخرى فقد استبعدناها لأنها وإن كانت في السلع الأعلى تصديراً إلا أن ذلك لم يقع في جميع السنوات والسلع الـ 15 الأهم هي كما يوضحها الجدول التالي مرتبة حسب متوسط ترتيبها خلال سنوات هذه الدراسة

نلاحظ أيضاً وجود تذبذب حاد في كمية الصادرات من هذه السلع من سنة لأخرى عبر فترة الدراسة فمثلاً البولي إيثيلين منخفض الجاذبية وهو أعلى السلع تصديراً خلال الفترة ارتفعت كمية صادراته بشكل كبير بين 1997م و1999م (من 838 مليون كيلو جرام إلى 1009.4 مليون كيلو جرام) إلا أنها هبطت بشكل حاد في عام 2000م إلى 699.8 مليون كيلو جرام ثم عاودت ارتفاعا حاداً عام 2001 م واستمر ذلك الاتجاه حتى عام 2003 م (حيث وصلت إلى 3101 مليون كيلو جرام) إلا أن الهبوط عاد مرة أخرى في عام 2004 م ليصل حجم الصادرات إلى 1851.4 مليون كيلو جرام. وهذا التذبذب يميز معظم السلع الأخرى، ورغم أن ذلك يعتمد على ظروف المنافسة وأحوال الطلب في السوق العالمية إلا أنه يعد مؤشراً على عدم استقرار النصيب السوقي للمملكة، ويرتبط هذا عادة بطبيعة السلعة المصدرة، فالسلع المصنعة عموماً تكون أكثر استقرارا ونمواً من السلع الأولية وشبه المصنعة والتي تخضع لعوامل كثيرة غير عوامل الطلب النهائي . كذلك نلاحظ أن تلك السلع جميعها باستثناء مكيفات الهواء وحفاظات الأطفال والكابلات والأسمنت تمثل مواد كيماوية تدخل بدورها في صناعات أخرى أي أنها ليست منتجات تامة الصنع ومن ثم فإن تصديرها في هذه الصورة (شبة مصنعة) يعني فقدان جزء مهم من القيمة المضافة الناتجة عن تصنيع هذه المواد.
وبالنظر إلى أهم الصادرات الرئيسة للدول النامية في العالم سنجد أنه باستثناء مكيفات الهواء والكابلات فإن جميع المنتجات الأخرى لا تدخل في أهم السلع العالمية تصديراً، ويعكس ذلك عدم تماشي الهيكل الصناعي مع متطلبات السوق العالمية وهو ما يقودنا مرة أخرى للبحث عن أفضل الطرق لتحويل الصادرات السعودية إلى صادرات مصنعة تحمل محتوى تكنولوجيا مرتفعا.

الارتقاء بالقدرات التصديرية للصناعة السعودية
تشكل زيادة القدرات التصديرية الهدف الرئيس للدول من وراء الانضمام لمنظمة التجارة العالمية. وقد أثبتت التجربة العالمية بعد أكثر من عشر سنوات من أعمال قواعد المنظمة زيادة القدرات التصديرية للدول الأعضاء ولكن بنسب متفاوتة. وهذا التفاوت كان نتيجة تباين القدرات الإنتاجية ومن ثم التصديرية للدول. فالدول التي استطاعت التكيف مع هذا المتغير من خلال إجراء إصلاحات جذرية اقتصادية ومؤسسية وتعليمية تمكنت من تعظيم استفادتها من العضوية من خلال زيادة صادراتها. ومن منطلق تحليلنا للتجارب المقارنة في مجال التصدير ولواقع وإمكانات الصناعة السعودية أمكننا التوصل إلى عدد من المقترحات التي منها أن انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية يعد فرصة كبيرة لتعظيم ميزاتها النسبية في الصناعة. وحتى يتحقق ذلك يلزم أن تطور الشركات العاملة في السوق السعودية من استراتيجياتها بتبني استراتيجية الإنتاج من أجل التصدير (وهذا ما أفادتنا به التجربة المقارنة) لاعتبارين الأول، انفتاح أسواق 148 دولة على أثر الانضمام للمنظمة، والثاني، الإغراق المحتمل للسوق السعودية بالمنتجات الأجنبية على أثر التحرير وهو ما سينعكس على حصتها من السوق المحلية بالتناقص. وحتى يتحقق ذلك يلزم المملكة وضع استراتيجية لتنمية الصادرات الصناعية، بوضع الآليات التي تمكن المنتجات الصناعية السعودية من الوصول الميسر لأسواق الدول الأعضاء في المنظمة. على المملكة وهي تخطط لوضع استراتيجية صناعية هادفة إلى أن يكون المستهدف الأول هو أسواق الدول النامية التي تحظى بنصيب متزايد في التجارة العالمية كما تنمو فيما بينها التجارة البينية بشكل لافت. ومما سيدعم ذلك التوجه هو أن ثلثي أعضاء المنظمة هم دول نامية لن تواجه صادرات المملكة إليها بعقبات كثيرة كتلك التي تواجهها في أسواق الدول المتقدمة، كما أنها الأسواق التي تشهد انفتاحاً أكبر بعد الخفض الكبير في القيود الجمركية وغير الجمركية التي اعتادت على فرضها في السابق. إلا أنه يقترح أن يتم التركيز بشكل أكبر على أسواق دول شرقي وجنوب شرقي آسيا التي تستحوذ على نصيب الأسد من التجارة الدولية للدول النامية، وينتظرها مستقبل أكبر وأفضل في هذا الخصوص. ضرورة تعزيز وتوسيع اتفاقات التعاون الإقليمي لإحداث التكامل بما يخدم الصناعة السعودية وتوسع القدرات التصديرية، وألا يقتصر الأمر على مجلس التعاون نظراً لتشابه الصناعات والإمكانات في دول المجلس حتى أصبح ينافس بعضها بعضاً في الأسواق العالمية. كذلك على المملكة خلال المرحلة المقبلة التركيز على عملية التطوير الجاد لعملية الإنتاج الصناعي باتجاه الصناعات التي تتطلبها الأسواق العالمية، سواء في صورتها النهائية أو كمدخل في عملية الإنتاج العالمي، وهو ما سينعكس بالإيجاب على زيادة القيمة المضافة للإنتاج والتصدير. فقد أوضحت لنا الدراسة المقارنة المهمة أن أغلب السلع الصناعية التي تحتل المقدمة في التجارة الدولية لا تحظى بالاهتمام الكافي في القطاع الصناعي السعودي.
أيضا لابد من التعريف ببرنامج الصندوق السعودي للتنمية وذلك لدعم الصادرات السعودية غير النفطية وتنويعها، بتقديم تسهيلات ائتمان وضمان سابقة للشحن ولاحقة له، وهو ما سيؤدي إلى زيادة القدرة التنافسية للصادرات السعودية، من خلال توفير شروط ائتمانية تنافسية للمشترين من الخارج. وكذلك إعطاء المصدرين السعوديين الثقة بدخول أسواق جديدة والنفاذ إليها، عن طريق الحد من مخاطر عدم السداد. أيضا أوضحت الدراسات المقارنة أن الدول النشطة في سوق الصادرات الصناعية العالمية اعتمدت بشكل أساسي منذ انضمامها للمنظمة العالمية على الاستثمار الأجنبي المباشر (وهذه مسألة عرضنا لها بتفصيل في تقرير سابق). ولذا يلزم تشجيع تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر خاصة في المدن الصناعية والاقتصادية الجديدة للاستثمار من أجل التصدير، مع تقديم جميع صور الدعم التي تمكن الشركات الدولية من الوصول إلى أسواق الاستهلاك التي تعرف جيداً احتياجاتها من خلال شبكاتها الدولية، وحتى يمكن جذب الاستثمار الصناعي بما يخدم السوق السعودية يلزم إجراء تطوير جدي وجذري في أنظمة التعليم وخاصة التعليم التقني والفني وكذلك المزيد من الإنفاق على أنشطة البحوث والتطوير. وفي هذا الخصوص يشكل التوجه الأخير بإيفاد الباحثين السعوديين لدول شرقي آسيا للاستفادة من تجاربهم خطوة موفقة ويلزم تعضيدها مع دعوة المؤسسات البحثية والتدريبية الآسيوية المتميزة لممارسة أنشطتها داخل المملكة.

الأكثر قراءة