رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


استقلال هيئة السوق ومهنيتها على المحك

[email protected]

أن تفتتح السوق على النسبة الدنيا بعد عطلة عيد الفطر قد لا يكون عند البعض أمرا مستغربا كثيرا – وإن كان كذلك - في ظل أن جميع الأسواق الخليجية والعالمية تعاني ويلات اللون الأحمر. لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يسأل وألا يمر مرور الكرام كما تعودنا هو من رفع السوق بشدة قبل إغلاق عطلة العيد؟ كيف استطاعت السوق أن تحقق كل تلك المكاسب لتبلغ النسبة الأعلى في معظم الشركات؟ كيف يمكن تفسير ذلك السلوك الغريب الذي انتهجته السوق رغم كل الأنباء السيئة في ذلك الحين عن الأسواق العالمية وخطة الإنقاذ الأمريكية؟ ثم لماذا تغير سلوك السوق بشدة في تلك الفترة مخالفا الأيام السود السابقة له؟
سأطرح نظريتين للإجابة عن هذا السؤال المهم. الأولى قد أسميها أسلوب "شعاع كابيتال" في إدارة الأرباح.
النظرية الثانية تسريب المعلومات أو"الاتجار بالمعلومات الداخلية". ففي مقال الأسبوع الماضي أشرت إلى تجربة إدارة سوق دبي في كشف التلاعب الذي قامت به شركة شعاع كابيتال عندما تدخلت في سوق دبي عند دقائق الإغلاق الأخيرة من آذار (مارس) الماضي لتعرض أسعار تداول تمكنها من رفع القيمة الدفترية لمحفظتها الخاصة, واعترفت "شعاع كابيتال" بهذا الحدث وأبدت اعتذارها. وناقشت هذه القضية في المقال السابق ولكن التجربة نفسها ما زالت سارية المفعول واحتمالات ظهورها مجددا في الأسواق الخليجية لا تزال كبيرة, خاصة أن جميع الصناديق الاستثمارية تفكر بالأسلوب نفسه عادة. لذلك فإن الإجابة المحتلمة لما حدث من ارتفاع كبير خلال آخر جلسة للسوق قبل عطلة العيد يمكن تفسيرها بأن عديدا من الصناديق الاستثمارية والمحافظ الخاصة قد وجدت في السوق للتأثير في الأسعار ورفعها لأغراض محاسبية صرفة, وذلك للتأثير في القيمة الدفترية للمحافظ وإظهارها بغير وضعها الطبيعي, وبالتالي يستطيع مدير المحفظة أو مديري تلك المحافظ في المجموع المحافظة على استمرار أعمالهم. فبالعودة إلى آخر يوم للتداول نجد أن كميات الأسهم المتداولة وقيمتها لم ترتفع أو حتى تتغير عن الأيام السابقة لتبرر الارتفاع المفاجئ في الأسعار. بمعنى آخر فإن الارتفاع يبدو وبشكل لافت كأنه مصطنع لأنه لم يكن انعكاسا طبيعيا لحركة العرض والطلب. فمن المعروف أن ارتفاع الأسعار يعني ارتفاعا في مستويات الطلب أكبر من العرض لكن هذا لم يحدث حقيقة في واقع تداولات السوق, كما أن الافتتاح السيئ جدا للسوق بعد العطلة لم يكن إلا تصحيحا فعليا للارتفاع غير المبرر قبلها, وبذلك يظهر أن من قام بالتداولات الوهمية قبل العطلة قد أحجم عنها بعدها لأنه لم يعد له حاجة في ذلك فاتجهت السوق بشكل طبيعي لتعكس قيمة المعلومات المتاحة لديها. وإذا أضفنا إلى ذلك أن آخر يوم للتداول الذي حدث فيه الارتفاع هو آخر يوم في الربع الثالث لذلك, ووفقا لنظرية إدارة الأرباح فإن ما حدث في سوق دبي مع "شعاع كابيتال" قد تكرر بل ويتكرر بشكل لافت في السوق السعودية, وهو الأمر الذي يجب عدم السكوت عنه ويجب اتخاذ إجراءات صارمة اتجاهه لأنه يعوق التحليل المنطقي للسوق والمستند إلى معايير العرض والطلب والتدفقات النقدية الحقيقية, كما أنه يضر بمصالح المستثمرين بشكل جوهري.
النظرية الأخرى وهي الاتجار بالمعلومات الداخلية تشير إلى أن هناك معلومات توافرت لعدد محدود من كبار المتداولين والصناديق الاستثمارية قبل إغلاق السوق وحاولوا الاستفادة من الأوضاع السائدة قبل العطلة لتنفيذ صفقاتهم. فمن المعلوم أن تصحيح السعر سواء بالارتفاع أو الانخفاض إنما يرتكز على مجموع توقعات المستثمرين عن مستقبل السهم وتدفقاته, وبما أن المعلومات المتاحة لنا جميعا تشير إلى متانة وضع الاقتصاد السعودي الكلي, وكذلك متانة وضع عدد كبير من الشركات, فإن التصحيح يجب أن يكون بالارتفاع, وكان هذا هو الاتجاه الذي يجب أن يتفق عليه المتداولون. لكن في حال أن اتجهت السوق عكسيا وبشكل حاد جدا وعلى جميع القطاعات بلا استثناء فإن الأمر ليس له تفسير إلا من خلال معلومات تم تسريبها لجهات استثمارية معينة ومؤثرة في السوق, فكل ما فعلته هذه الجهات أن قامت بتصريف كميات معينة قبل الإغلاق ثم التوقف نهائيا عن الشراء بعد افتتاح السوق. لكن هذه النظرية يصعب قبولها في ظل عدد من المتغيرات من أهمها أنه يصعب تصريف كميات كبيرة في يوم تداول واحد ثم أن كميات التداول في اليوم ذاته كانت محدودة ولا تدعم هذه النظرية.
لذلك فإنني أميل وبقوة لنظرية إدارة الأرباح وأن عددا من المحافظ الاستثمارية قد مارستها قبل إغلاق السوق وأن هذه الظاهرة منتشرة بشكل خطير في الأسواق الخليجية ويجب التصدي لها. ومع ذلك ومهما كانت النظريات المفسرة لما حدث فإنه من الواضح قدرة البعض على التلاعب بالسوق وبشكل سهل جدا يمكنهم رفع السوق وقتما يشاءون إلى حد النسبة القصوى وبأي اتجاه لذلك تبقى أسئلة مهمة عن مصداقية قوائم الملاك وهل كل ما قامت به الهيئة من إجراءات وما قامت به شركة تداول من تعديلات كان له أثر في حفظ توازن السوق أم أنها لم تؤثر سوى في الصغار فقط وكأنها رسائل موجهة لهم للخروج من السوق؟ هل فعلا استطاعت الهيئة بعد كل هذه التجربة من القرارات السريعة والخطيرة أن تمنع الاتجار بالمعلومات الداخلية, وأن تمنع محفظة من التلاعب في السوق ورفعها أو خفضها إلى النسبة؟ هل فعلا تستطيع الهيئة أن تمنع أو تفصح أو توقف محفظة بنك تلاعب في السوق بالشكل الذي لاحظناه قبل العطلة؟ هل نتوقع من الهيئة مثل هذا الإجراء؟ هل تملك الهيئة الكادر الفني القادر على اكتشاف ذلك؟ الحقيقية أن الأحداث الأخيرة في السوق تضع استقلال الهيئة ومهنيتها على المحك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي