رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المناسبات ووقفات التأمل والتحليل

[email protected]

خلال الأشهر الثلاثة الماضية مرت علينا عدة مناسبات، وظروف متتابعة، وحق لنا، بل من واجبنا أن نقف ونتأمل بعمق، وتحليل مع صفاء ذهن، وراحة بال تضفي على عملية التحليل عمقاً وموضوعية تؤدي بنا إلى معرفة الحقيقة وزيادة المكاسب، وتقليل الخسائر المادية والمعنوية، والأخلاقية التي من الممكن أن تنجم عن هذه المناسبات، وهذه الظروف.
هذه المناسبات مناسبات دورية، لكن مع زحمة الحياة وظروفها المعقدة تمر علينا دون أن نراجع واقعنا في هذه المناسبات، ودون أن نحاول التعرف على كنه هذه المناسبات، والتغيرات التي تحدث لنا أفرادا ومجتمعا.
بدأت إجازة المدارس الصيفية قبل ما يقارب ثلاثة أشهر، وقضينا هذه الإجازة كل بطريقته وأسلوبه، وعلى حسب نظرته وفكرته بشأن الإجازة الصيفية. لو تأملنا وتدبرنا كيف قضيناها، وكيف يجب أن نقضيها لوجدنا أنها مرت على الكثير خاصة الشباب بالسهر ليلاً، والنوم نهاراً، وهذا يحدث على افتراض أن الإجازة يجب أن تقضى بهذه الصورة.
لا شك أن الإجازات الصيفية، أو غيرها من الإجازات هي للراحة، والخروج من الوضع الروتيني الذي اعتاده الفرد سواء كان طالباً أو موظفاً أو رجل أعمال، أو أي دور يقوم به الفرد. لكن الراحة لا تعني إماتة المشاعر وقتل العقل، ما الذي يمنع من أن تستغل الإجازة في اكتساب مهارات رياضية، أو مهارات اجتماعية، وما الذي يمنع أن يعمل الفرد خلالها ليكسب مالا يساعده في مشوار الحياة، خاصة إن كان طالباً أو فرداً في بداية مشوار الحياة.
الشيء المزعج في إجازة الصيف أنه مع طولها يحدث الملل والضجر، ويبدأ الفرد يفكر في البحث عن أنشطة تبعد عنه الملل، وقد يقع في مجموعات و(شلل) توقعه في ما لا تحمد عقباه. إن أرباب البيوت من الآباء والأمهات بحاجة لمراجعة واقع الحال لأسرهم وأبنائهم لمعرفة الجوانب الإيجابية والسلبية التي طرأت عليهم، ومعرفة كيف حدثت هذه الأشياء، وهذا لن يتحقق ما لم يصارح الفرد ذاته، ويصارح أبناءه في هذا الشأن.
إن من أهم ما لاحظته وسمعت عنه هو السهر ليلاً والنوم نهاراً بصورة تتنافى مع ما حثنا عليه ديننا الحنيف، حيث الحديث الشريف (بورك لأمتي في بكورها). هل حاول أحد منا أن يتعامل مع هذا الحديث في بيته وأسرته؟ للأسف أن نضرب مثلاً من المجتمعات الأخرى، إذ إن الإجازة يخطط لها قبل وقت مبكر ويوضع لها برنامج، كما أن التسلية ليست هي الهدف الأساسي من الإجازة بقدر ما هي التغيير، والخروج من نمط حياتي إلى نمط آخر خلال فترة الإجازة، وهذا الفهم بحد ذاته ثقافة جديدة يفترض أن نحلها محل ثقافة أن الإجازة هي إضاعة للوقت بالنوم، والسهر.
أسئلة كثيرة يمكن أن تطرح إزاء الإجازة الصيفية والآثار الناجمة عنها، ومن هذه الأسئلة: هل زادت نسبة المرضى خلال الإجازة وبعدها؟ وما نوع هذه الأمراض؟ وهل زادت نسبة حوادث السير ومخالفات المرور؟ وهل زادت الجريمة أثناء الإجازة وبعدها مباشرة؟ وما نسبة الأثرين الإيجابي والسلبي على الاقتصاد الوطني؟ أسئلة عديدة، وأعتقد أن الإجابة عنها تحتاج إلى بحوث ودراسات عملية تقوم بها الجامعات ومراكز البحوث بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة على المستوى الوطني.
أما المناسبة الثانية فهي حلول شهر رمضان المبارك، الذي ودعناه قبل أيام، وجاء هذه السنة متزامناً مع الإجازة الصيفية. ومع أن هذا الشهر يفترض أن يكون شهر إنتاج وعطاء ونشاط، إلا أن الشكوى المتكررة أنه تحول إلى ما يشبه موسم الكسل والخمول والنوم وسوء الأخلاق في كثير من الأحيان من البعض، ولذا فالمجتمع مطالب بإعادة النظر في هذا الوضع، ودراسة أسباب ذلك، وتجاوزها لنجعل من هذا الشهر موسم إنجاز وحيوية وحرص على الوقت.
لقد قرأت أن التوقعات بشأن الاستهلاك خلال رمضان تصل إلى 50 مليار ريال، وهذا الرقم كبير خلال شهر، ويدل على خاصية قد لا تكون حسنة، ألا وهي الميل للاستهلاك المبالغ فيه، الذي يصل إلى حد التبذير، فهل نعيد النظر ونخضع الموضوع للدراسة الواعية التي تجعلنا نقف على الحقيقة بشأن هذا الموضوع؟!
كما أن الأمر يتطلب أن نرصد التحولات والتغيرات التي طرأت على سلوكنا وتصرفاتنا بشأن التكافل الاجتماعي والتعامل مع الآخرين في الشارع، وفي بيئة العمل، وفي الحي وفي كل مكان. هل تغيرت سلوكياتنا نحو الأفضل، وما مدى الثبات في هذه السلوكيات، أم أنها مؤقتة وموسمية؟!
أما المناسبة الثالثة فهي الذكرى الثامنة والسبعين لتوحيد البلاد، وإزاء هذا الموضوع من حق الوطن علينا أن نعرف ماذا قدمنا له، وماذا يجب أن نقدم، وكيف نخدم وطننا؟ لا أعتقد أن الشعارات والكلمات الرنانة وإطراء الذات هو ما يريد الوطن، بل إن الشفافية والصدق مع الذات هي المنطلق الحقيقي لخدمة الوطن الخدمة المناسبة، ولا سيما أننا نعيش في زمن تضطرب فيه الأوضاع العالمية سياسياً، اقتصادياً، ثقافيا، واجتماعياً.
أما المناسبة الرابعة فهي الموسم الدراسي الذي يحل علينا هذه الأيام، ويأتي هذا الموسم بعد مناسبات ثلاث أشرت إليها فيما سبق، ولا شك أن هذه الأشياء مترابطة فيما بينها، ويؤثر بعضها في بعض سلباً وإيجاباً.
ويأتي الطلاب في التعليم العام والعالي إلى مقاعد الدراسة بعد فترة خمول وسكون ذهني يصل إلى مرحلة التخدير، وهذه إحدى سلبيات عدم توظيف الإجازة الصيفية التوظيف الجيد. الموسم الدراسي يتطلب من الجميع طلاباً، وأساتذة، وإدارة عليا أو إدارة ميدانية أن يشحذوا الهمم، ويجعلوا نصب أعينهم فكرة تحويل هذا الموسم إلى موسم مختلف في أنشطته وفعالياته، وفي طرائقه وآلياته.
هل نسعى لجعل هذا الموسم الدراسي فرصة للتحول نحو الأفضل في السلوك العام، والانضباط، واحترام النظام، والوقت، والمحافظة على الممتلكات العامة، والحس الوطني الرفيع الذي يقودنا إلى مستوى المنافسة الجادة للآخرين، بدل مخادعة الذات وإيهامها.
الزمن زمن تحد وصعوبات سياسية، ثقافية، حضارية، تقنية، واقتصادية، على المستوى الوطني، والإقليمي والعالمي، وما لم نجعل المؤسسات التربوية في لب المعركة فلن نكون منافسين أقوياء في زمن لا يحترم الضعفاء، خاصة الضعفاء في كل شيء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي