إعادة تدوير مخلفات البناء لحل إسكان الفقراء
أحد الحلول التي تقوم بها بعض الدول لمساعدة الفقراء هي فكرة إعادة تدوير بعض الملابس القديمة والأمتعة الشخصية المستعملة بعد تنظيفها وتطهيرها. فيقوم رجال ونساء الخير بإيصالها للجمعيات والمؤسسات الخيرية التي تقوم بعد ذلك بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين إليها. ولعلنا في هذه البلاد نتميز بكثرة الإسراف في البناء وكثرة الترميم وتغير الديكورات حتى لو لم يمر عليها زمن طويل. كما تكثر عمليات الهدم ورمي مخلفات البناء في الشوارع وتشوه المدينة وتزعج الجيران بمظهرها السيئ وتزيد من حجم وكمية النفايات في الحي مما يكلف الدولة كثيراَ لجمع تلك النفايات ونقلها إلى المكبات. وحتى المكبات أصبحت تمتلئ وتضيق بتلك المخالفات. ومن بين تلك النفايات نجد مواد وأدوات بناء كثيرة مهملة ولكن معظمها في حالة جيدة. فبعض الناس يرمي أطقم صحية للحمامات وأبوابا ونوافذ وحتى المكيفات والثلاجات والأفران ومعظمها يتم تغييرها وهي ما زالت جديدة أو لم يمر عليها وقت من الزمن أو الاستعمال. ومعظمها لا يحتاج إلا إلى إصلاح أو تنظيف بسيط ليصبح صالحا للاستعمال. ولكن البطر والإسراف وحب التغيير والمنافسة بين الناس للحصول على الأحدث أو الأغلى تجعل بعضهم يرمي تلك النفايات وهي ما زالت لها قيمتها الاستعمالية. بينما نجد هناك عائلات فقيرة لا تملك مساكن وإن ملكت أرضا أو حوشا فهي لا تملك المباني وأدوات ومواد البناء.
وعلى الرغم من أننا نجد أن هناك حاجة إلى تدوير هذه النفايات ليس فقط لأنها تعتبر عبئا على الأمانات والبلديات لما تتكلفه في عملية جمعها ونقلها للمكبات، إلا أننا يجب أن نفكر في إمكانية الاستفادة منها لحل مشكلة إسكان الفقراء والمحتاجين. بل إن إعادة تدوير بعض هذه المواد والأدوات والأجهزة قد يمكن إعادة تأهيله ليتم بيعه مرة أخرى سواء للفقراء أو متوسطي الدخل.
ولست أقلل هنا من قيمة وأهمية الفقراء أو شخصياتهم وإنما جرى العرف أن تتم إعادة تدوير الأشياء الأخرى, كما أشرت مثل الملابس والأمتعة القديمة لهم ومنذ عقود, فلماذا لا نفكر في إعادة تدوير مخلفات البناء ليستفيدوا منها؟
أقترح أن يكون هناك اهتمام بالموضوع (ولن أشير إلى دور الهيئة العامة للإسكان). وأن يتم إما تفعيل دور المؤسسات والجمعيات الخيرية لتقوم بدورها وواجبها الاجتماعي في حل جزء من مشكلات إسكان الفقراء, وفي الوقت نفسه التخفيف على الدولة في عبء تكلفة جمع النفايات ونقلها, وإما أن يتم إنشاء شركة مساهمة وطنية يكون دورها جمع تلك المخالفات لتتم إعادة تأهيلها أو تحويلها إلى مواد أخرى يمكن الاستفادة منها. وبعد ذلك يتم فرزها لنوعين, نوع يكون مستواه غير متكامل أو لم يُعد تأهيله بالمظهر المطلوب ليتم التبرع به أو بيعه بأسعار رمزية على شركات بناء مساكن الفقراء. والنوع الذي يمكن إعادته إلى وضعه الطبيعي يتم بيعه بربح معقول يزيد على ما تكلفه عملية إعادة تأهيله وليضمن ربحا معقولا للشركة لتستمر في عملها.
أطقم حمامات تزيد قيمتها على ألفي ريال تراها مرمية لأن فيها شعرا أو كسرا بسيطا أو أنها استعملت لأكثر من أربع سنوات أو لأن الموضة تغيرت أو لأن بعض أقاربهم غيروا أطقمهم الصحية. إسراف وبطر يضاعف من كميات النفايات في المدينة بينما هي مواد يمكن إعادة تأهيلها وبيعها. إن تكلفة التنظيف والتطهير أو الإصلاح أحياناَ لا تتعدى 100 إلى 200 ريال ومن ثم يمكن التبرع بها لمساكن الفقراء والمحتاجين, أو أن تبيعها الشركة بنصف قيمتها (ألف ريال) أو أقل. فالشركة ستكون مربحة وفي الوقت نفسه تحل مشكلات الفقراء والمحتاجين وتوفر العناء على الأمانات والبلديات والوطن.
دعونا نعيد النظر في مكونات مخالفات البناء وهي كثيرة منها:
1- قطع متنوعة من أنواع الرخام مرمية لأن المدام لم يعجبها أو لأن زوجات الآخرين غيرن رخامهن. وهي قطع يمكن إعادة تقطيعها إلى قطع أصغر مثلاَ 30 في 30 سم أو 10 في 10 أو حتى مكسرة لتفرش كشكل جميل ( كريزي كت) ليمكن استعمالها مرة أخرى. بالطبع نحن نتكلم عن مخلفات مشابهة في مخلفات المنازل الأخرى وعلى مستوى المدينة. فلو جمعناها لأصبحت آلاف الأمتار الصالحة للبلاط. وهذا ينطبق على مخلفات السيراميك والأحجار والسجاد. فمخلفات السجاد الجديد التي ترمى هي أحياناَ يمكن تقطيعها إلى قطع صغيرة تكون فرشات للمداخل أو سجاجيد صغيرة.
2- أطقم الحمامات كما أشرت أعلاه. وحتى لو لم يكن الطقم كاملاَ فإنه يمكن استعمال بعضه مثل الكرسي أو البيدية أو المغسلة. مع العلم أنه لو نظرنا إلى مخلفات المدينة ككل فإننا حتماَ سنجد تكملة للطقم نفسه في مخلفات الآخرين, وحتى لو تغيرت الألوان فإن الفقير لن يناقش ذلك.
3- الأجهزة المنزلية: المكيفات الفريون والصحراوية والثلاجات والأفران, ونجد أن بعضها فيه تلف بسيط ويمكن إعادة تأهيله واستعماله مرة أخرى.
4- الأبواب والنوافذ وما أكثر ما نراها مرمية ومعظمها يمكن إعادة تأهيله واستعماله مرة أخرى. فبعضها عليها شعر أو خدش بسيط أو أنه وقع عليه دهان آخر أو توسخ أو صدأ بسيط. وهذه كلها لا تهم الفقير والمحتاج إلى المسكن.
5- مواسير وأكواع وأفياش وقواطع يمكن إعادة قصها لوصلات صغيرة تباع مرة أخرى. فحجم تلك المواسير في مخلفات المدينة بآلاف الأمتار.
أنواع المخلفات كثيرة ولن أطيل في وصفها. ولكن المهم أن ننظر إلى أن ما ذكرته عن تلك المخلفات أننا لو نظرنا إلى كمياتها لوجدنا أنها مهولة وكميات كبيرة جدا، وأن جدوى إقامة شركة لديها عمالة مهنية جيدة لتقوم بفرزها وتجميع المتشابه منها على مستوى المدينة لأصبحت أطقما متشابهة وبكميات تستحق العناء وتحقق جدوى إقامة المشروع.
والاقتراح الآخر في حالة عدم تفعيل دور الجمعيات الخيرية أو تجاوبها أن تقوم الأمانات للمدن بتوفير أحواش على أطراف المدن مخصصة لرمي تلك النفايات وبحيث يكون كل حوش لنوع معين من تلك المخلفات. وبهذه الطريقة يذهب الفقراء والمحتاجون إليه. فالفقير الذي يحتاج إلى قطعة حمام مثل كرسي أو مغسلة يذهب إلى حوش الأطقم الصحية ويقوم باختيار ما يناسبه ليقوم بتنظيفه وتطهيره أو إعادة تأهيله. ومن يحتاج إلى بلاط يذهب إلى حوش البلاط. وهكذا يكون الوضع لبقية المخلفات. طريقة بدائية ولكنها حل سريع للمشكلة لحين تتم دراستها بطريقة مهنية ومفيدة ومجدية للمجتمع ولحل مشكلات إسكان الفقراء والمحتاجين. أو أن تطور الفكرة لتكون شركة مساهمة لإعادة تدوير مخلفات البناء بطريقة أفضل ليتم بيعها بأسعار رمزية للمحتاجين والطيب منه يتم بيعه على متوسطي الدخل ليكون مشروعا مربحا للوطن على الجهتين. فهو ربح مادي وفي الوقت نفسه توفير من معاناة البلديات ويوفر عليها الكثير. كما أن إعادة التدوير يوفر علينا عمليات الاستيراد من الخارج وتكاليف الشحن وعمال الشحن والتفريغ والمستودعات والشاحنات التي تزعجنا في الطرق وتلوث الجو.
سبق أن كتبت عن موضوع في المجال نفسه عن هل نحن جاهزون لإعادة تدوير النفايات بطريق منظمة وبحيث يقوم كل مواطن بوضع كل نوع من النفايات في صندوق خاص له سواء عند البيت أو في المحال العامة على الطريق. مثلاَ صندوق نفايات للزجاج والبلاستيك فقط وآخر للأوراق. ومن ثم تسهل إعادة تدوير النفايات مرة أخرى وأعيد التذكير بذلك لعلنا نكون جاهزين لذلك.