مواد خام مستوردة, وموارد بشرية وافدة تسيطر على صناعة الدواء المحلية
في ضوء سعي المملكة إلى تنويع القاعدة الصناعية وتوطين الصناعات التقنية تشكل صناعة الدواء إحدى تلك الصناعات. فصناعة الدواء من الصناعات عالية التقنية، ولكنها لم تحظ حتى الآن بالاهتمام الكافي في المملكة، ودليل ذلك استمرار المملكة في الاعتماد على الواردات من الدواء بشكل شبه كامل، بل تبني سياسات من شأنها إضعاف فرص الاستثمار المحلي, إلا أن التطورات التي شهدتها سوق الدواء العالمية في السنوات الأخيرة, وكذلك التطورات التي شهدها الاقتصاد السعودي خاصة بعد الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية, تفرض رؤية جديدة تجاه هذه الصناعة، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن المملكة تشهد أعلى معدلات النمو في عدد السكان عالمياً (نحو 4 في المائة), وبالتالي إمكانية تضاعف أعداد السكان عام 2020، ولهذا لا يمكن أن تستمر السوق السعودية في الاعتماد بشكل شبه كلي على الواردات، وإلا ستكون فاتورة الدواء مكلفة للغاية سواء للاقتصاد الوطني إجمالا أو للمستهلك الفرد، وذلك رغم إمكانات المملكة الهائلة لبناء صناعة دواء متطورة.
ومما يزيد من أهمية هذه الصناعة ما أشارت إليه إحدى الدراسات الصادرة عن مؤسسة الإكنوميست, أن نصيب الفرد السعودي من الإنفاق على الرعاية الصحية تضاعف خلال الفترة من 2001 إلى 2006, حيث كان نصيبه 387 دولارا عام 2001, في حين كان عام 2006, 624 دولارا, وتشير تلك الدراسات إلى أن أسباب ارتفاع فاتورة العلاج في السعودية, الاعتماد شبه الكلي على الواردات من جميع الجوانب سواء كانت الواردات للدواء أو للخدمات الصحية من أطباء وغير ذلك, وهذا بالطبع يؤدي إلى ارتفاع سعر الخدمة ونوعيتها, لذلك ومن هذا المنطلق, إضافة إلى التردي في الخدمات الصحية في السوق المحلية لدى القطاعين الخاص والعام على حد سواء, لذلك سنتطرق لهذا القطاع بجزء من التركيز, خصوصا في مجال صناعة الدواء.
واقع صناعة الدواء المحلية
تعد السوق المحلية من أكبر الأسواق في منطقة الخليج من حيث الاستهلاك, حيث يصل استهلاك السوق المحلية إلى ما نسبته 65 في المائة من إجمالي استهلاك دول مجلس التعاون من الدواء سنويا. هذا من حيث الاستهلاك, أما من حيث الاستيراد, فتعد المملكة من أكبر الدول العربية استيراد للدواء. حقيقة لا يزال واقع صناعة الدواء محليا دون المأمول منه بكثير على الرغم من الدعم الكبير من الدولة لهذا القطاع, حيث إن هذه الصناعة لم ترتق إلى المأمول من ذلك. ومما يؤكد ذلك سيطرة نسبة كبيرة من واردات الدواء على حجم الطلب المحلي, حيث يسيطر المستورد من الدواء على نسبة تصل إلى 85 في المائة من حجم الطلب المحلي, وعن مساهمة الإنتاج المحلي في حجم الطلب هذا لا تغطي إلا نسبة ضئيلة جدا, أيضا ومما يزيد الأمر سوءا أن كثيرا من المصانع المحلية للدواء تعتمد على أكثر من 90 في المائة في إنتاجها على مواد خام مستوردة.
أما فيما يتعلق بأكثر الدول سيطرة على سوق الدواء المحلية فتعد دول أوروبا الغربية هي أكبر الدول سيطرة على السوق المحلية, حيث يصل حجم منتجات تلك الدول في السوق المحلية إلى 70 في المائة من السوق المحلية, تليها الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى 9 في المائة, ومن ثم بعد ذلك يأتي بعض الدول العربية, مثل مصر والأردن.
أما مبيعات المصانع المحلية فتعد وزارة الصحة المشتري الرئيس من تلك المصانع, حيث تشتري ما نسبته 60 في المائة من حجم الإنتاج الكلي لتلك المصانع, خاصة في ظل وجود نظام الشراء الموحد. أيضا تعد السوق المحلية من الأسواق التي تتميز بالبحث عن الدواء الأعلى سعرا, حيث تسيطر على هذه السوق عدد معين من الشركات العالمية, ذات العلامات المشهورة عالميا, حيث تسيطر تلك العلامات على ما يقارب 70 في المائة من إجمالي الحجم الكلي للسوق.
واقع المصانع المحلية
فيما يتعلق بعدد المصانع المنتجة في السوق المحلية, فوفقا للدراسات الصادرة عن منظمة الخليج للاستشارات الصناعية, يبلغ عدد المصانع المحلية ما يقارب 27 مصنعا. وتعاني تلك المصانع تغييبا شبه كامل لنشاط البحث والتطوير من استراتيجياتها. كذلك كثير من تلك المصانع تتبنى استراتيجية تصنيعية وتسويقية موحدة, وهي الإنتاج من أجل السوق المحلية فقط, ولا يوجد أو يلوح في الأفق توجه جاد للتوجه للمنافسة في الأسواق العالمية.
أيضا تلك المصانع تعتمد في إنتاجها على مواد خام مستوردة فقط بل على عمالة وافدة أيضا, حيث تصل نسبة تلك العمالة من إجمالي العمالة في تلك المصانع إلى أكثر من 75 في المائة, والنسبة المتبقية عمالة سعودية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه ومع تدني نسبة العمالة السعودية في تلك المصانع, إلا أنهم أكثر تكلفة في عنصر العمل مقارنة بتكلفة العمالة الأخرى.
مستقبل صناعة الدواء
تحتاج سوق الدواء المحلية إلى عملية تطوير وتحديث, والانتقال من النظرة المحدودة للسوق المحلية فقط إلى السوق العالمية, بل يجب أن تكون استراتيجيات تلك المصانع تعتمد أو تنتج للسوق العالمية وليست المحلية فقط. كذلك يجب الاهتمام بعملية البحث والتطوير, خصوصا بعد الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. وذلك لن يتحقق إذا لم تكن هناك سياسات معينة لدعم تلك الصناعات, منها على سبيل المثال, مسألة حقوق الملكية الفكرية, التي تعد من المسائل المهمة جدا في صناعة الدواء, حيث يشير الكثير من الأبحاث إلى أن الجزء الأكبر من تكلفة إنتاج الدواء يكون مصدره من أنشطة البحث والتطوير, وهذا البحث والتطوير يستغرق ملايين الدولارات وعددا ليس بالقليل من السنوات, لذلك من هذا المنطلق تعد حماية تلك الملكية من الأولويات المهمة من أجل هذه الصناعة, خصوصا خلال فترة يراعى فيها تغطية تكاليف الإنتاج مع هامش ربح معقول.
وبعد دخول المملكة منظمة التجارة العالمية وبعد تطبيق المملكة اتفاقات منظمة التجارة العالمية (التربيس) فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية أبدى كثير من المستثمرين المحليين تخوفهم من تزايد المنافسة العالمية, التي قد تؤدي بهم إلى الخروج من السوق, وطالب الكثير من المصنعين في ذلك الوقت بإعطائهم فترة انتقالية تصل إلي عشر سنوات, لكي يتمكنوا من التفاعل والتعامل مع تلك المستجدات.
الاستثمار الأجنبي في قطاع الدواء السعودي
وعن مدى جاذبية السوق المحلية للاستثمار في هذا القطاع, أوضحت غالبية الدراسات في هذا المجال إلى أن السوق السعودية كانت في السابق سوقا غير مشجعة على الاستثمار في هذا القطاع نظرا لوجود الكثير من المعوقات الاستثمارية, من ضمنها الإصلاحات المتعلقة بمسألة البحث والتطوير, وحقوق الملكية الفكرية. ولكن خلال السنتين الأخيرتين, خصوصا بعض الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية, أصبح هذا القطاع يحظى بجاذبية جيدة للمستثمرين الأجانب, خصوصا على شكل مشاريع مشتركة,
وتقوم الدولة في هذا الجانب بتشجيع الاستثمار في هذا القطاع, خصوصا من قبل صندوق الاستثمارات العامة. ورغم الكثير من الإصلاحات والدعم الذي يلقاه هذا القطاع في الفترة الأخيرة, إلا أن العديد من المستثمرين الأجانب, يعانون بعض الصعوبات, المتمثلة في نظام الشراء الموحد, الذي يقدم دعما للواردات, وهذا يعد عائقا لنمو صناعة الدواء المحلية وتطورها.
من خلال هذا الاستعراض لواقع صناعة الدواء المحلية نلاحظ أن أنشطة البحوث والتطوير تعد العمود الفقري لهذه الصناعة، ولن يكون هناك تطور في هذا المجال ما لم تكن هناك مؤسسات تعليم مؤهلة لتغذية مراكز البحث تلك بالكفاءات المؤهلة.
كذلك من الضروري وضع استراتيجية طموحة لصناعة الدواء السعودية تحدد الأهداف وآليات إنجاز تلك الأهداف ومراحل التنفيذ. كما أنه من الضروري التعرف على أهم الأمراض المنتشرة في المملكة والتي تتطلب نوعيات خاصة من الدواء، وأهم الأدوية المستوردة، حتى يتم التركيز عليها في عملية التصنيع خلال المراحل الأولى.
أيضا لا بد من العمل على إنشاء مراكز لأبحاث الدواء بالتعاون بين كل من وزارات التعليم العالي والصحة والتجارة والصناعة، بحيث يتم توفير الدعم التمويلي, وبرامج البحث والتطوير. كذلك لا بد من تقديم التسهيلات الممكنة لمؤسسات البحوث والتطوير الوطنية والأجنبية العاملة في مجال البحوث الدوائية، وهذا سيسهم في خلق بيئة استثمارية قادرة على جذب الشركات العاملة في هذا القطاع للعمل في السوق المحلية. وكذلك لا بد من تشجيع مؤسسات البحوث الدوائية العالمية للقدوم للعمل في المدن الاقتصادية الجديدة، خاصة أن المملكة توفر بيئة خصبة وتزخر بآلاف النباتات الطبية القابلة للدراسة والتصنيع. أيضا نظام الشراء الموحد من معوقات نمو صناعة الدواء المحلي, الذي يؤدي بالشركات العالمية للاستمرار في الاهتمام بجانب التصدير, وإغفال جانب الاستثمار المباشر في السوق المحلية. الشركات الدولية على الاستمرار في التعامل مع السوق السعودية من خلال التصدير بدلاً من الاستثمار المباشر.
أيضا لا بد من الاستفادة من تجارب الآخرين في مجال صناعة الدواء, حيث تعد تجربة الهند في صناعة الدواء من التجارب الناجحة عالميا, حيث استطاعت الهند من التحول من الاعتماد شبه الكامل على الواردات إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي بل غزو الأسواق الأمريكية والأوروبية.