المرحبون بـ "غوستاف"!
يخطئ من يظن أن الكوارث التي تضرب الناس في جميع أنحاء هذا الكوكب لا تجد كمّاً كبيراً من المهللين والمرحبين بها, إنهم أعداء الإنسانية جمعاء الذين غسلت الكراهية أدمغتهم وجرّدتهم من إنسانيتهم فتحولوا إلى رابطة مشجعين للكوارث الطبيعية في سبيل إبادة أكبر كم من البشر الأبرياء .
قبل كتابتي هذه الكلمات بساعات قليلة كنت أتصفح موقعاً حوارياً شهيراً من مواقع الشبكة العنكبوتية, وفوجئت بأحد العناوين اللافتة في ذلك الموقع, كان العنوان هو: "إعصار غوستاف سيضرب أمريكا مساء هذا اليوم إن شاء الله!!".
حاولت أن أفسر الأمر بنية حسنة بناء على أن كل شيء في هذا الكون مرتبط بمشيئة الله عز وجل, لكنني عندما قرأتُ الموضوع المعني أصبت بخيبة أمل كبيرة بسبب الكثير من التعليقات التي منها على سبيل المثال لا الحصر قول أحد المشاركين: "اللهم عليك بهم وبمن يؤيدهم!" وقول آخر: " اللهم بعزتك وقوتك وجبروتك اللهم اشف قلوبنا بجوستاف!". ليعقب عليه آخر بقوله: " اللهم عجل بجنودك المجندة التي لا يعلمها إلا أنت"!.
ولكم أن تتساءلوا عن الجريمة التي اقترفها هؤلاء الناس الأبرياء الذين سيدمر مدنهم الإعصار (غوستاف) لتنهال عليهم هذه الأدعية بكل هذا الحقد! قضيت جزءاً من طفولتي في مدينة صغيرة تسمى (هانتسفيل), وهي إحدى مدن ولاية (ألاباما) التي من المرجح أن تتعرض للتدمير بواسطة هذا الإعصار, ومازلت حتى اليوم أذكر (مستر روجر) ذلك الجار الطيب الذي كان يصطحبني ووالدي رحمه الله إلى مزرعته مرة كل شهر لشراء لحم الخراف (المذبوحة حسب الشريعة الإسلامية), كان مستر روجر صديق جميع المسلمين في تلك الولاية والولايات المجاورة, وأتذكر جيداً كيف كانوا يحبونه ويحترمونه بشكل كبير لشدة طيبته ومحبته لهم, وتمر بمخيلتي الآن صورة ذلك المسجد الصغير الذي كنا نؤدي فيه صلاة الجمعة كل أسبوع, لنلتقي بعدها بالمسلمين الجدد والضيوف القادمين من الخليج والدول العربية بحميمية يندر وجودها, أتذكر أيضاً جارتنا المسنّة (كريستينا) التي ظللنا طويلاً نضحك على سؤالها المكرر دائماً لكثرة نسيانها: من أين أنتم؟ فنجيب: من السعودية فتوحي لنا بأنها تذكرت, وتعلق بقولها: المكسيك بلد جميلة جداً!, ذلك لأنها كانت تعتقد أن السعودية إحدى مدن جنوب المكسيك!
وأتذكر كيف أنها أنقذتني من مأزق كبير وقعت فيه عندما ضغطت زر جرس إنذار الحريق في السوبر ماركت المجاور كنوع من شقاوة الأطفال وتسببت في إثارة الرعب في الحي بأكمله مما جعل أحد أفراد البوليس يمسك بي, لتأتي راكضة من بعيد حاملة عصاها وهي التي تجاوزت السبعين من عمرها آنذاك لتوبخه على فعلته, فما كان منه إلا أن سلمني لها, وقدّم اعتذاره ورحل بعد أن طمأن الجميع أن ما حدث لم يكن إلا خطأ طفولياً لا يستدعي حالة الرعب التي عاشوها.
إنني أتذكر الكثير من الوجوه الطيبة والمحبة للإنسان والحياة في تلك البلاد, أتذكر وجوه الأطفال الأبرياء الذين شاركوني طفولتي.. أتذكر الشوارع والمنازل والسيارات وساعي البريد المبتسم دائماً.
ثم أعود لقراءة تلك التعليقات العدائية التي يكتبها أناس يعيشون بيننا, مرحبين بقتل أولئك الأبرياء الذين لا علاقة لهم بالسياسات الحمقى والحروب الطائشة, فلا أستطيع أن أتخيلهم إلا مجموعة من القتلة والإرهابيين الذين يسيئون بجهل إلى ديننا العظيم دين السلام والمحبة لا دين الإرهاب والكراهية!