من مشرقها إلى مغربها ظروف وأسباب مشتركة
منذ قرون وأمتنا الإسلامية تتعرض لكثير من القلاقل والمحن، والاضطرابات، التي تعكر استقرارها، وتؤثر على مجالات التنمية فيها، ما يزيد الفقر، والجهل، والتأخر في كافة المجالات. نزاعات، وصراعات داخلية أي بين مكونات المجتمع الواحد، وبينية أي بين الدول، إما على حدود، أو نفوذ، أو مصالح، وموارد اقتصادية، إضافة إلى التدخلات الخارجية، والحروب، والاعتداءات. كما شهدت بعض المجتمعات العربية، والإسلامية الكثير من الانقلابات العسكرية بحجة تغيير الأوضاع نحو الأفضل، وكل انقلاب يعد بالرفاهية، والاستقرار، وتحسن الأوضاع الاقتصادية، والمعيشية للناس، لكن للأسف تذهب هذه الوعود أدراج الرياح، ولا يجد الناس منها سوى الوعود الفارغة حتى أن الناس يترحمون على العهد السابق لأن العهد الجديد لم يجلب معه إلا الفقر والمزيد من المشقة، والمعاناة. الدول العربية والإسلامية لو تأمل المرء فيها يجد أنها غنية بمواردها الطبيعية من مياه، وحديد، وذهب، وفوسفات، ونفط، ومعادن أخرى, لكن نصيب الأمة من هذه الثروات قليل، ولا يعادل شيئاً مما يستحقه المواطن الذي يحلم بحياة كريمة له ولأبنائه. الأمة بجانب ثرواتها الطبيعية، ومصادرها الغنية فيها الكثير من العقول الفذة التي حصلت على شهادات عليا، وأبدعت في مجالات تخصصها، ولكن في مجتمعات أخرى اكتشفتها، وقدرتها، واستفادت من علمها، وخبرتها، وبحوثها، ويكفي أن نعلم أن كثيراً من الأسماء اللامعة في تخصصات عدة أصولها عربية، وإسلامية أبدعت لأنها وجدت بيئة علمية، واجتماعية تساعدها على الإبداع، وتقدرها، وتنزلها المنزلة التي تستحقها، لكن في المقابل نجد مجتمعات طاردة للكفاءات بسبب أوضاعها الأمنية، وظروفها الاجتماعية، وعدم توافر الإمكانات الضرورية للبحث. ترى لماذا أمتنا على هذا الوضع وبهذه الصورة ؟ هل أبناؤها عاقون لها، ولا يريدون خدمتها، أم أن ظروفها لا تشجع على البقاء فيها والعمل؟! نسمع عن أفراد كثر تعلموا في أفضل الجامعات، وحصلوا على أعلى الدرجات، وبرزوا في مجالات تخصصاتهم لكنهم قرروا الرحيل، والهجرة لأنهم أصيبوا بالإحباط لتردي الأوضاع في مجتمعاتهم فلا الظروف الأمنية مناسبة، ولا الإجراءات الإدارية ميسرة، ولا المردود المادي الذي يمكنهم من العيش بعزة، وكرامة متوافر لهم. تأملت في هذه الأوضاع وتساءلت عن أسبابها والسر وراء وجودها فألفيت أن هذه الأوضاع لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها بل إنها نتيجة أسباب، وعوامل أسهمت في إيجادها وإطالة أمدها. هل هذه الأوضاع محصورة في بلد أو مجتمع بعينه؟ كلا .. فما أن يستقر مجتمع من المجتمعات الإسلامية، إلا ويصاب في مقتل إما بانقلاب عسكري، أو صراع مذهبي، أو عدوان خارجي، أو عوامل طبيعية كالزلازل، والفيضانات، أو أي أمر آخر.
في العلوم الطبيعية يجري العلماء تجاربهم، وأبحاثهم في المختبرات، والمعامل، أو في الحقول على التربة، أو النبات، أو الضوء، أو العناصر الكيماوية ليخرجوا بنتائج تمثل قانوناً أو قاعدة يستدل من خلالها على نمو، وتغير الظواهر، والمتغيرات المادية، وفي المجال الإنساني تمثل الأحداث، والحروب، والصراعات، والتصرفات الصادرة من الأفراد، والجماعات قانوناً، وقاعدة يستدل بها على سلوك وتصرفات الإنسان، والظروف التي تحكم، وتوجه هذه التصرفات. تأملت في مجموعة أحداث حدثت خلال الأيام الماضية، وفي أوقات متقاربة لكنها في مواقع مختلفة، منها ما هو في مشرق الأمة، ومنها ما هو في مغربها، ومنها ما وقع في وسط الأمة الجغرافي، تأملت بهدف المقارنة ومحاولة استخلاص ما يمكن أن يمثل قاعدة أو قانوناً يساعد في تفسير أوضاع الأمة وأزماتها المتلاحقة، الحدث الأول وقع في أقصى الغرب الإسلامي في موريتانيا، حيث قام العسكر بالانقلاب على نظام الحكم المدني، والذي وصل إلى الحكم عن طريق الانتخابات بغض النظر عن نزاهة، أو عدم نزاهة هذه الانتخابات. وقع الانقلاب، وبرر الانقلابيون ذلك بحجة أن الرئيس تجاوز الدستور، وسادت المحسوبية والرشوة، وهذا ما دعا للإطاحة بالنظام، واعتقال رموزه، ويؤكد الانقلابيون أن الحرص على المواطنين، والوطن هو ما دعاهم لهذا الفعل نافين بذلك رغبتهم في الحكم، أو الاستئثار بالسلطة، ومثل هذا الكلام سبق تكراره من انقلابيين سابقين في موريتانيا، وفي غيرها من دول العالم العربي والإسلامي، أما الحدث الثاني فقد وقع في أقصى مشرق الأمة الإسلامية، في باكستان، حيث أقدم الرئيس العسكري برويز مشرف على الاستقالة من رئاسة الدولة منهياً بذلك حكماً دام تسع سنوات وصل إليه بانقلاب عسكري على حكومة مدنية منتخبة، لكن هذه الاستقالة جاءت على خلفية اضطرابات وصراعات، وتفجيرات، ومواجهات بين الجيش الباكستاني وبعض الفئات الشعبية كالقبائل، وأنصار طالبان، وجماعة المسجد الأحمر، والبلوشستان، كما أن تهديد الائتلاف الحاكم تقديم قائمة مخالفات بحق الرئيس، والمطالبة بعزله، ومن ثم محاكمته هي التي عجلت باستقالة الرئيس، أما الحدث الثالث فقد وقع في لبنان، حيث وقعت اتفاقية تفاهم بين حزب الله، وبين جزء من الحركة السلفية في لبنان، لكن هذه الاتفاقية علقت قبل إكمالها 24 ساعة. هذه الأحداث، وغيرها تمثل في مجملها مجالاً للتأمل بهدف معرفة الأسباب التي تكمن وراءها, إذا علمنا أن سلوك البشر يكمن وراءه المصلحة والمبادئ، ويتأثر هذا السلوك بالغرائز، والعاطفة وطريقة التفكير، فأي هذه العوامل من الممكن أن تكون إطاراً مناسباً نفسر به هذه الأحداث. هل ثقافتنا تشجع على هذه الأفعال؟ أي هل في ثقافتنا ما يدعو ويشجع على التمرد وعدم الاستقرار وزعزعة الأوضاع ؟ ثقافتنا الشرعية تدعو إلى الوحدة واللحمة.. قال تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وقال: ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)، إذا كان هذا هو الأساس الثقافي، فما الذي يدعو لهذه الأحداث؟ هل نحن عاطفيون، ونتصرف وفق مشاعر دون ترو وتفكير عميق؟ قد يكون هذا صحيحاً للبعض لكن لا يمكن تعميم هذا على كل الناس. إذاً أين الخلل وما السبب وراء هذه الأحداث هل المصالح الفردية أو الفئوية هي السبب؟ وهل الأوضاع الاجتماعية والظلم العام والاستبداد والفقر وتردي الأوضاع الاقتصادية، والمعيشية وراء مثل هذه الأحداث؟ وهل حب السلطة وعشقها هو السبب؟ أعتقد أن لهذه الأوضاع نصيب الأسد في المشاهد التي حدثت وتحدث في أمتنا على مدى.