رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


تقنين الشقاق من اللحظة الأولى!

Al-qasm-y@hotmail٠com

لم يكن زواج المسيار وليد اليوم, بل كان مثله أو شبهه في زمن مضى, وكان يسمى في ذلك الوقت بزواج النهاريات, حيث كان الزوج يشترط على امرأته ألا يبيت معها في الليل, وإنما يمر عليها في النهار, ولهذا سمي بزواج النهاريات, وبوَّب سعيد بن منصور في سننه على هذا النكاح بـ "باب تزويج النهاريات", وهكذا فعل ابن أبي شيبة في مصنفه, ومنذ ذلك الوقت اختلف أهل العلم في حكم هذا الزواج, وقد ذهب إلى إبطال شرط المبيت في الليل: الحكم, وحماد ـ رحمهما الله تعالى ـ كما رواه عنهما سعيد بن منصور في سننه, في باب تزويج النهاريات, وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري أنه كان يسأل عن الرجل يتزوج المرأة فيشترط عليها ألا يأتيها كذا وكذا, ولا ينفق عليها إلا شيئا معلوما, قال: (إنما الصلح الذي أمر الله به بعد الدخول وكان يكرهه).
وكما وقع الخلاف في عصر السلف, فقد وقع أيضاً في هذا العصر, ولذا يجب أن تتسع صدورنا للرأي الآخر, علماً أن زواج المسيار هذا أخذ بعداً آخر في عصرنا الحاضر بشرط إسقاط النفقة, وقد صدر قرار من المجمع الفقهي الإسلامي بجواز النكاح, وصحة الشروط, وما زال أهل العلم مختلفين, بين مبيح ومحرم لهذا النوع من النكاح, ومن رأى حرمته لم يقل ببطلانه, وإنما رأى أنه عقد صحيح, ولكن الشروط باطلة, أعني شرط إسقاط النفقة والمبيت والقسم, وفي رأيي أن هذا القول هو الأسعد بالدليل, والأقرب إلى مقاصد الشارع, فالعقد صحيح, ولكن الشروط المسقطة للنفقة والمبيت والقسم هي شروط محرمة, وباطلة, ولهذا يلزم الزوج شرعاً بالنفقة والمبيت والقسم؛ لأن هذه الشروط مخالفة لما جاءت النصوص الشرعية بتقريره, وقد ثبت في الصحيحين عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: (كل شرط ليس في كتاب الله - أي مخالف لما في كتاب الله - فهو باطل), وقد جاءت النصوص الشرعية بوجوب النفقة على الزوج, وبوجوب القسم والمبيت, وبالتالي فإن حق النفقة والمبيت والقسم لا يسقط بالرضا - خلافا لما ذهب إليه بعض أهل العلم - قياساً على حق الولاء المشار إليه في حديث بريرة الشهير, وكما أن مهر الزوجة لا يسقط بالرضا (التمس ولو خاتماً من حديد) وهو من حقوقها الخالصة, فكذا لا تسقط هذه الحقوق بالرضا, مثلا بمثل, وأيضا فإن الشارع أوجب النفقة, والمبيت, والقسم؛ لمقاصد عظيمة, منها: تحقيق المودة, والمحبة, والسكن بين الزوجين (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة)، ومن المقاصد الشرعية: المحافظة على كل ما من شأنه استقرار الأسرة المسلمة, بما فيها من زوجين, وأطفال, أما فرض شروط مناهضة لهذه المقاصد الشرعية, ومخالفة لها, فهو مؤذن بوجود أسر هشة لا تلتقي على المحبة والمودة والرحمة, وإنما تلتقي على المصالح الذاتية, وتحقيق الرغبات الشخصية, التي تكرس الأنانية المفرطة, ضاربة بمصالح الأسرة والأولاد عرض الحائط, وقد أصبحنا نسمع ونقرأ في وسائل الإعلام المختلفة الآثار السلبية لهذا الزواج!! ومن الخطأ الاستدلال بقصة سودة ـ رضي الله عنها ـ وذلك لأن مقصد الشارع في مثل قصتها وفي مثل حالها يتحقق بصلح المرأة مع زوجها على إسقاط القسم, وذلك حين ترى منه صدودا أو إعراضاً يمهِّد لطلاقها (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) فأجاز الشارع الحكيم - هنا - الصلح على إسقاط القسم؛ وذلك محافظة على عش الحياة الزوجية, وحذراً من تفرق الأسرة شذر مذر, فالزوج - في مثل قصة سودة - مقدم على الطلاق, متربص به, والشارع يتشوف في مثل هذه الحالة إلى إبقاء اللحمة بين الزوجين, ولهذا جاز استثناء التصالح بينهما على إسقاط القسم, إذاً فنحن هنا في حالة صلح, ومصلحة إبقاء اللحمة الزوجية أرجح من مفسدة إسقاط القسم, والمصلحة إذا كانت راجحة فإنها تقدم على المفسدة المرجوحة, كما هو معلوم في كتب الفقه والمقاصد, كما قرر الفقهاء أيضاً أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء, وقصة سودة من هذا القبيل, أما أن يقنّن الشقاق بين الزوجين منذ اللحظة الأولى! فهذا مما يناقض مقصد الشارع, والله تعالى أحكم, وأعلم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي