رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


البيروقراطية.. سلطة بلا حدود!

[email protected]

تتداخل البيروقراطية في جميع شؤون الحياة دون استثناء وتؤثر قراراتها الرسمية في المجتمع أفرادا وجماعات فهي تمنحهم الميلاد، الممات، الهوية، الدرجة العلمية، الزواج، الممتلكات، الأمن وغيرها. دون توثيق البيروقراطية يصبح الإنسان نكرة ولا يُعترف بشخصه ولا بما يملك أو يقول ويفعل! من خلال البيروقراطية تنفذ السياسات الحكومية، وعبرها تقدم الخدمات العامة، ويتحقق من خلالها الضبط الاجتماعي وينعم الجميع بالسلم والأمن والأمان وتنجز المشاريع التنموية. هذا غيض من فيض لما تقوم به البيروقراطية ودورها المهم والمتنامي في المجتمع. في المقابل هناك الكثير من المظاهر السلبية للبيروقراطية التي يعانيها الكثيرون على جميع الأصعدة. البيروقراطية قدر الناس في أنهم مجبرين للتعامل معها كسلطة عامة بقوة النظام وتحمل سلبياتها دون أن يكون لهم من الأمر شيء. هكذا تكون غريبة عنهم لا يعرفون حقيقتها ومقاصدها ولا يفهمون لماذا يتصرف البعض من البيروقراطيين على هذا النحو من الصلافة واللامبالاة، أو أن تكون الأنظمة بهذا الجمود! إنها أشبه ما تكون بالهواء الملوث الذي لا بد منه لكنه يؤذي دون أن يرى! فالكثيرون يعانون سلبياتها وعدم تلبيتها لاحتياجاتهم الحقيقية كما ونوعا وتوقيتا والتقصير في تحقيق تطلعاتهم المستقبلية. إلا إنهم لا يملكون حولا ولا قوة فيذهبون يستجدون الخدمة استجداء مذعنين لأولئك البيروقراطيين يرجون تفضلهم بمنحهم خدمة هي في الأساس حق كفله النظام لهم، بل إن الموظف نفسه يعمل تحت مسمى الخدمة المدنية أي أنه من الناحية الإدارية النظامية هو خادم للعموم يسعى لرضاهم وليس العكس! الإشكالية في أن بعض الناس اختزلوا المشكلة لمعاناتهم اليومية في شخص المسؤول فقط دون الأنظمة والسياسات المتبعة التي قد تكون هي الأخرى غير عملية وغير منطقية وغير واقعية وبالتالي لا تطبق. حتى أولئك الذين تصدوا للكتابة عن سلبياتها ويصبون جام غضبهم على البيروقراطية ويرون أنها العائق الأكبر لمشروع التنمية الوطنية يسهبون في وصف مظاهرها السلبية دون محاولة تحليل جوهر المشكلة ولماذا أصبحت البيروقراطية شرا مستطيرا على العباد والبلاد . قد يكون هذا جزءا من ثقافة جلد الذات أو إرضاء الجمهور العريض من القراء الذين يتلهفون إلى النقد اللاذع وتفريغ ما يشعرون به من ضيق وإحباط أو من ذلك الغضب الذي يعتلج في نفوسهم جراء المعاملة السيئة التي يلقونها من البيروقراطيات. وعلى أن هذا النوع من الطرح متنفس للكثيرين إلا أنه مجرد ردود أفعال آنية لا تلبث أن تتلاشى دون أن يعلم أحد ما يجب عمله لاجتثاث المشكلة من جذورها واستكشاف مكامن الخطأ وحقيقة المشكلة وبالتالي يبقى الناس كما البيروقراطية نفسها على الروتين ذاته في نقاش السلبيات دون أن يغير ذلك من الأمر شيئا! إن ما ينبغي عمله هو التفكير خارج إطار البيروقراطية وتناولها كمؤسسة اجتماعية تتفرد بصناعة القرار وإلا سنظل نراوح مكاننا في محاولة إصلاح العطب البيروقراطي على أنها مسألة إدارية تنظيمية بحتة وبالتالي تحتاج فقط إلى جرعة من التطوير والتدريب الإداري لتستقيم الأمور. هذه قد تكون نصف الحقيقة ولكن بكل تأكيد ليس كاملها.
إن البيروقراطية في أساسها تنظيم إداري حكومي قصد منه الإنتاجية بكفاءة وفاعلية وضمان نسق إداري وتقديم الخدمات بالتساوي بين الناس بكفاءة عالية. هذا النوع من التنظيم الإداري الذي صاغه عالم الاجتماع الألماني Weber كنموذج للمنظمات الكبيرة يستند إلى تسلسل السلطة الذي يحدد من يقرر ماذا ومن يأتمر بأمر من، وبناء على ذلك كان تقسيم العمل إلى إدارات وأقسام ووحدات إدارية متخصصة، كما أنه يعتمد على السلطة القانونية أي أن العلاقات والمعاملات تتم وفق إجراءات نظامية موضوعية وليس الأهواء والميول الشخصية. عملية تفويض السلطة وتقسيم العمل والإجراءات الروتينية هي آليات للتحكم والرقابة والمتابعة لضمان سير العمل بهذه المنظمات الكبيرة وفق منهج محدد ونمط موحد للسلوك. ومهما يكن للبيروقراطية من سلبيات تظل التنظيم الذي يناسب العمل الحكومي، ولا أدل على ذلك من تطبيقها في جميع دول العالم على الرغم من المؤلفات والأدبيات العديدة التي تنتقدها. قد يكون تقليص دور الحكومة في الاقتصاد أو التوجه نحو الخصخصة أحد الحلول،إلا أن ذلك لا يلغي أهمية التنظيم البيروقراطي كآلية لتنفيذ السياسات العامة.
الهوة بين النموذج المثالي للبيروقراطية وتحقيقه للكفاءة والفاعلية والمظاهر السلبية يرجع في أن البيروقراطيات كأجهزة تنفيذية في مجتمعنا تركت دون رقابة اجتماعية/ سياسية من قبل مجالس تشريعية منتخبة مستقلة ماليا وإداريا نافذة القرار تقوم بسن التشريعات والقوانين والسياسات لتنفيذها ومن ثم محاسبتها على مستوى التنفيذ والإنجاز. في ظل غياب هذه المجالس أصبحت البيروقراطيات طليقة حرة تفعل ما تشاء دون قيد أو شرط. وتحولت من جهاز يختص بالسلطة التنفيذية إلى سلطة التشريع! لقد أصبحت للبيروقراطيات السلطة المطلقة في عملية صنع القرار العام دون حسيب أو رقيب إلا من رقابة بيروقراطية مماثلة! وهذه ليست برقابة حقيقية تقود لتصحيح الأداء وترفع مستوى الإنجاز وتستجيب للمتطلبات الحقيقية للسكان. المقصود من الرقابة هو توازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لضمان عدم استحواذ جهة واحدة لهذه السلطات، فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة! إن ما يزيد من تعقيد المشكلة هي المركزية الشديدة في النظام الإداري, فلم يكف البيروقراطيات أن تستحوذ على جميع السلطات بل أنها ركزت عملية صنع القرار في أجهزتها المركزية ولم تمنح الإدارات المحلية الاستقلال المالي والإداري ليزيد الأمر سوءا في المحليات ويجعل من شبه المستحيل التعرف على احتياجات المجتمعات المحلية والاستجابة لمتطلباتها الحالية والمستقبلية.
إن تفرد البيروقراطيات بالسلطة أدى إلى إيجاد هجين تنظيمي يبتعد عن الوصف النموذجي للبيروقراطية في النظام الغربي المنشأ الرئيس له. لقد أصبح هناك خليط من القيم البيروقراطية والقيم التقليدية, فبينما نجد مظاهر البيروقراطية في المكاتب والإدارات والأقسام والتنظيم الإداري والتسلسل الهرمي للسلطة إلا أنه في الوقت ذاته نجد أن المكتب الحكومي تحول إلى "صالة استقبال للأقارب والأصدقاء!" وتطبيق الأنظمة بطريقة انتقائية شخصية تزف الخدمة للمعارف وتحرم على الآخرين. هكذا يصف Riggs أحد أهم الكتاب في التنمية الإدارية الجهاز البيروقراطي في المجتمعات الانتقالية التي تسعى في التحول من مجتمع تقليدي إلى مجتمع صناعي متقدم. الإشكالية هو في عدم فهم السلطة القانونية ومن ثم عدم تقبلها في مجتمعنا الانتقالي وإصرار أفراد المجتمع على الاحتكام للقيم التقليدية والروابط العائلية. هذا ما يجعل الشفاعة (الواسطة) في الأجهزة الحكومية أمرا ليس مقبولا فقط بل يكون واجبا اجتماعيا يفرضه النظام الاجتماعي والثقافة الإدارية المصطبغة بصبغته. ولذا نجد البعض الذين يصفون البيروقراطية بالتعقيد ليس بقصد تطوير الأنظمة وإنما رغبة في منحهم ما يريدون دون ضوابط نظامية من أي نوع كان!
في واقع الأمر الإدارة الحكومية هي انعكاس لثقافة المجتمع, والجميع مشتركون بتفاوت في تشكيل الوضع الحالي، ولكن من أجل الانتقال إلى مراحل أكثر نضج إداري وتحضر اجتماعي وتقدم اقتصادي ينبغي ألا نترك البيروقراطية تتوحد في عملية صنع القرار ونحملها ما لا تحتمل بل يلزم إنشاء هيئات تشريعية على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية منتخبة ومستقلة ماليا وإداريا تقوم بإصدار التشريعات ومراقبة تنفيذها من قبل البيروقراطيات. يجب أن نتذكر دائما أن البيروقراطية جهاز تنفيذي ويجب أن تبقى كذلك وإلا تحولت إلى شيء آخر لا يمكن السيطرة عليه.. يضر ولا ينفع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي