ديوان المراقبة العامة في مواجهة مركز قياس الأداء
قبل أشهر كتبت عن ديوان المراقبة العامة والحاجة الماسة إلى تطوير أعماله، وناقشت ادعاء الديوان قيامه بمهمة مراقبة الأداء، لم أنكر حقه في هذا, لكني كنت أشك في قدرته على ممارسة هذا الحق في ظل لوائح قديمة وتداخل في السلطات تعوقه عن أداء مهامه الواجبة نظريا. تلك هي قضية ديوان المراقبة العامة والتي أعاقته عن التطور والتطوير طوال عمره المديد. كنت أعتقد وما زلت أنه يجب على الديوان مواجهة واقعه بشجاعة والعمل وبسرعة على مبدأ أكون أو لا أكون، ولكن وبدلا من أن يتطور وتتطور لوائحه ليمارس عملا أكثر فعالية وكفاءة نفاجأ أن تصدر أنظمة عكس ذلك الاتجاه تماما ليتم إنشاء وحدات مراجعة داخلية تابعة للجهات الحكومية وليست تابعة للديوان. نعم من المتوقع أنه بظهور هذه الوحدات سيحدث تطور رقابي حكومي شامل, لكن لن يتطور الديوان وتلك قضية شائكة جدا. كما أن التطور الذي سيتحقق في النظام الرقابي الحكومي الشامل من جراء استحداث هذه الوحدات سيكون محدودا لضعف الاستقلال وذلك طالما بقي الديوان بعيدا. كل ذلك ناقشته بتفصيل أكثر في مقالاتي السابقة, ولكن أخيرا حدث تطور أخشى أن أتسرع وأسميه إيجابيا. فقد وافق مجلس الوزراء على إنشاء مركز يسمى مركز قياس أداء الأجهزة الحكومية يرتبط مباشرة بمدير معهد الإدارة العامة ويتولى قياس أداء الأجهزة الحكومية واستخراج مؤشرات سنوية تعكس أداء وإنتاج هذه الأجهزة الحكومية.
هل هذا تطور إيجابي؟ لماذا أشك أن المركز تم إنشاؤه لأغراض غير رقابية؟ بمعنى آخر هل إنشاء المركز جاء فقط لأغراض علمية، لكي نعلم ليس إلا؟ الحقيقة أنني لا أعرف بالضبط الهدف من إنشاء المركز. لماذا لم يتبع المركز لديوان المراقبة العامة، أليس الديوان يدعي أنه يقوم بمراقبة الأداء! أليست مراقبة الأداء بحاجة إلى متابعة مؤشراتها. كيف يستطيع الديوان تنفيذ مراقبة على الأداء إذا لم يتوافر له أساس مقارنة (معيار)، الرقابة من غير المعيار تفقد معنى نتائجها تماما. إذا كان الهدف من إنشاء المركز تزويد الديوان بالمؤشرات (المعايير) فهذا هدف علمي ولا رقابي، هل المطلوب بعد ذلك من المركز أن يقوم بنفسه بتتبع أداء جميع الأجهزة الحكومية وفروعها ومن ثم تقيم الأداء من خلال المقارنة بالمؤشرات التي أعدها المركز؟ هل سيمتلك المركز القدرات التي تمكنه من تتبع كل ذلك العمل وعلى مستوى دولة كالسعودية بتنوع وتوزيع جهاتها ومؤسساتها الحكومية؟ نحن نعرف أن الالتزام بالميزانية وبنودها يعد مؤشرا للأداء، فهل سيخضع هذا الإجراء للمركز أم لديوان المراقبة العامة أم للمراقب المالي أم لوحدات المراجعة الداخلية، أم لوزارة المالية؟
نعرف أيضا أن هناك شركات تملكها الدولة بالكامل وشركات تملك الدولة حصص سيطرة وحصص ذات تأثير مهم، فكيف سيتعامل معها المركز في ظل خضوعها لتقييم الديوان أيضا. هل ستخضع هذه الشركات لعمل المركز وتقييمه وعمل الديوان وتقييمه وعمل المراجع الخارجي وتقييمه وعمل وحدات المراجعة الداخلية وتقييمها، وهل بعد كل ذلك سنطرد الفساد عن أرضنا بلا عودة؟ أم في تعارض وتداخل السلطات سيجد مرتعا خصبا له؟
ثم - وهذا هو التساؤل الأهم الذي يطرحه المقال - وبعد أن يتم إنشاء المركز ويقوم بأعماله، ومع ظهور وحدات المراجعة الداخلية وتطور أعمالها وتعدد وظائفها وموظفيها ما الحاجة بعد ذلك إلى ديوان للمراقبة العامة؟ فمع ظهور وحدات المراجعة الداخلية ستقوم بدور الرقابة بعد وأثناء الصرف وبكفاءة المفترض أن تكون عالية، وتكلفة أقل من الديوان ومع ظهور مركز قياس الأداء لتقييم الأداء الكلي للجهاز الحكومي وبالطبع رفع التقارير عن ذلك, فهل بقي للديوان من وظيفة وحاجة؟
النظام الرقابي عبء كبير جدا على أي منظمة وبالتأكيد يزداد عبئا على الحكومة التي يتبعها عدد ضخم من المنظمات والهيئات والمصالح وله تكلفة باهظة جدا نسميها تكلفة الوكالة. يجب أن تتناسب تكلفة النظام مع مخرجاته ومهماته. النظام الرقابي الحكومي في المملكة يواجه اليوم قضية الادعاءات المتكررة بوجود فساد كبير وضعف عام في أداء الأجهزة الحكومية. وعلى الرغم من النقص الحاد في الدراسات التي تؤكد ذلك، إذا هي وجدت، إلا أن الرأي العام يتعامل مع هذا لأمر كالمسلمة, وبدأت الدولة في إعادة ترتيب أوراقها لإعادة الأمور إلى نصابها وتقليل الهدر في النظام الحكومي من جراء الفساد. تطلب هذا إنشاء وحدات المراجعة الداخلية والآن تطلب مركزا لقياس الأداء, ولكننا نقوم ببناء النظام الجديد فوق نظام قديم لم يتم تطويره ليستوعب التغيرات الحديثة.
أتوقع أننا سنواجه مشكلة التصادم الحتمية بين السلطات, وهذا سيخلق تحديات كبيرة أمام الجهات الرقابية المستحدثة، فالرقابة بطبعها عمل غير محبوب وكذلك القائمون عليها. أتوقع أن تعمل الجهات الحكومية المختلفة على خلق صراع مع الجهات الرقابية نظرا للتداخل الواضح في أعمال هذه الجهات. لن تقبل الجهات موظفي وحدات المراجعة الداخلية ونقاشاتهم المستمرة لتعيد مناقشة الأمر مع موظفي ديوان المراقبة العامة ثم المراجع الخارجي إن وجد ثم أخيرا يأتي التقييم من جهة رابعة. لذلك أعتقد أن النظام الرقابي الحكومي ككل يحتاج وفي هذه المرحلة بالذات إلى غربلة واتخاذ قرارات جريئة حتى ولو بدت صعبة.