صناديق البنوك الاستثمارية وفقدان ثقة المستثمر

صناديق البنوك الاستثمارية وفقدان ثقة المستثمر

[email protected]

تثار عدة تساؤلات من قبل المستثمرين والمتداولين على حد سواء عن أداء سوق الأسهم المحلية وأداء الصناديق الاستثمارية المرتبطة بها خصوصا الصناديق المقدمة من قبل البنوك. وهذه التساؤلات تعد أحد العناصر المهمة في عملية البحث والتقصي والتحليل والاستنباط والاستنتاج لوضع الحلول الناجعة للتغلب على المشكلات التي تواجه هذه الصناديق الحالية والمستقبلية، كما أنها في مجملها مفيدة لجميع الأطراف التي لها علاقة مباشرة بها كالجهة الرقابية والتشريعية ممثلة في هيئة سوق المال.
وفقدان عنصر أو مؤشر الثقة من قبل المستثمرين والمتداولين جميعا في كفاءة وأداء الصناديق الاستثمارية البنكية يعد من أحد المؤشرات النفسية المهمة في التعامل في أسواق المال، كما أن هذا التساؤل يعد عنصرا مهما من عناصر الاستثمار. فمؤشر الثقة يتغلب على جميع المؤشرات الأخرى سواء الأساسية منها أو الفنية، كما أن أسواق المال عند فقدانها هذا المؤشر تفقد وباختصار شديد إحدى الركائز المهمة في الاقتصاد الجزئي والذي يؤثر تأثيرا مباشرا في الاقتصاد الكلي وينعكس سلبا على الدورة الاقتصادية بكاملها.
سنتناول بإيجاز في هذا الطرح دور الصناديق الاستثمارية في البنوك ومدى تأثيرها المباشر على فقدان عنصر الثقة فيها ما أدى إلى تسييل أغلب المستثمرين لمحافظهم الاستثمارية والاتجاه مباشرة إلى التداول الفردي في السوق السعودية للأسهم بعيدا عن هذه الصناديق ساعدهم في ذلك البنوك بالتشجيع والإغراءات المتكررة إعلانيا للأفراد بفتح محافظ تداول شخصية وبمبالغ زهيدة ما ساعد على انتشار التلاعب الواضح في قيمة بعض الأوراق المالية المتداولة مع انتشار العشوائية وظهور التذبذبات الحادة شبه اليومية حتى في الأسهم القيادية صعودا وهبوطا، وعلى فترات قصيرة ومتفاوتة التي تعاقب عليها أنظمة وقوانين الهيئة، وإلى الصعوبة الكبيرة في تنظيم السوق وميكانيكية عمله، بحيث تم تحويله من سوق استثماري منظم إلى سوق مضاربات يومي وخطير جدا، عشوائي المنهج والتطبيق. وهذا ما أثبته تقرير هيئة سوق المال من حيث النسبة الكبرى في تداول الأفراد رغم عدم معرفتنا لنوعية وماهية هؤلاء الأفراد، وفيما إذا ما كانوا من كبار المستثمرين ولديهم ارتباط مباشر بالبنوك والتسهيلات الممنوحة لهم أو من أصحاب غرف البالتوك ومنتدياتهم وقروباتهم ومحلليهم الذين يتسابقون في الظهور إعلاميا.
من هنا وكهامش مهم لهذا الموضوع لكنه مرتبط به أرى أن يؤخذ في الاعتبار الفرق الكبير والجوهري بين المضارب اليومي الذي يعد مطلوبا بطبيعة الحال في أسواق المال وبين التلاعب الذي يعاقب عليه القانون عقابا صارما وقاسيا في معظم أسواق المال في العالم، وهو ما قد نلاحظه من بعض صناديق البنوك الاستثمارية ولا نستثني بطبيعة الحال الأفراد أو ما يطلق عليهم القروبات، كما أسلفنا والذين لسنا بصددهم في طرح هذا الموضوع لأن إدارة المتابعة والتنفيذ في الهيئة تنظر مشكورة في قضايا لهم وفي غرفهم في البالتوك ومنتدياتهم وبصرامة شديدة. ولعل في إيقاف الهيئة أخيرا لعدد من وسطاء الأسهم المتلاعبين في البنوك دليلا واضحا على ذلك. في السياق نفسه أيضا نتساءل عن السبب الرئيسي في إطلاق حملات الأسعار العادلة لبعض الأسهم بين فترة وأخرى من قبل بعض الجهات وما الهدف والمغزى منها وهل هناك جهة قانونية داخل الهيئة تحاسبها على هذه التوصيات المفخخة؟ ثم لماذا لا يتم تقييم جميع الأسهم الجيدة على أقل تقدير بأسعارها العادلة إذا أردنا أن نحسن الظن فيها عوضا عن تقييمهم لأسهم منتقاة بذاتها؟ أيضا التوصيات بالشراء في أسهم معينة والتي تطلقها غرف البالتوك والمنتديات مع وضع أرقام حساباتهم في البنوك علانية في المنتديات لدفع قيمة التوصية والتي لنا عليها هي الأخرى ملاحظتان مهمتان. لعل أولها من الناحية الأمنية عن وضع هذه الأموال المودعة في البنوك حتى وإن كانت قليلة لكنها متتابعة ويومية تقريبا وأين تصرف ولمن. وثانيها ما المساءلة القانونية أو الشرعية حيال هذه التوصيات؟ وكيف تتحقق البنوك عن مدى قانونية هذه الأموال المودعة وأصحابها المودعين نظاميا؟ والغريب أن هذه الغرف البالتوكية تظل متواصلة طوال ساعات وأيام الأسبوع وتكثف تواجدها وقت ساعات التداول وبعدد وافر من الأدمنية بدعوى مساعدة المتداولين لوجه الله وحب الخير لهم وتوعيتهم. والسؤال المنطقي ألا يوجد مجال للإحسان والبر والخير ومساعدة الآخرين لوجه الله حسب زعمهم في مواقع أخرى تحتاج فعلا هذا الجهد والتعب إن كانوا صادقين؟
إذن عند التحدث عن مؤشر الثقة لهذه الصناديق الاستثمارية للبنوك لا بد من البحث عن السبب وليس النتيجة لفقدان هذه الثقة والتي سنكتفي بذكر سببين فقط منها. أولا أن معظم هذه الصناديق وليس الكل إنصافا للموظفين الأكفاء والمؤهلين كانت ومازالت تدار بغير حرفية أو مهنية من قبل موظفين موجودين في هيكلية هذا القطاع الوظيفي وبخبرة وشهادات تعد هامشية في فنون وعلم الاستثمار فهي ببساطة كالمكتفية منهم بحفظ جدول الضرب في موقع يفترض درجة البكالوريوس في الرياضيات. ولا تتعدى هذه الشهادات أن تكون مقدمة بسيطة جدا لفهم الاستثمار وليس تخصصا مهنيا في معرفة وتحليل منتجات الاستثمار وأدواته وطريقة عمله وعرضه للمستثمر. كما لا تؤهل الموظف لأن يكون بارعا ومبدعا وملما في مهنته وتخصصه، حيث نجد أن معظم هؤلاء الموظفين لا يستطيعون التفرقة بين مختلف أنواع الأسهم أو حتى قراءة القوائم المالية لأي شركة كانت بما يتناسب مع طبيعة نشاطها وتقييم أدائها ونسبة النمو فيها وجدوى الاستثمار فيها، وبالتالي توزيع أصول صناديقها التوزيع الأمثل. ولا أظن أنني أبالغ في القول إذ قلت إن من بين وليس الكل أيضا من يدير هذه الصناديق بملياراتها ويشرف عليها مباشرة موظفون قد فشلوا في إدارات سابقة بل وتم نقلهم إلى شركات الاستثمار وبمسمياتها الجديدة التابعة لهذه البنوك (للعلم هذه الشركات تعد تابعة محاسبيا للبنك وإن كانت مفصولة إداريا في الظاهر وهو ما يعرف بحساب الظل) أو هم قليلوا خبرة في أمور الاستثمار خصوصا ما كان متعلقا بالأسهم المحلية. وأعتقد ولا أجزم بذلك أن مقولة "متلاعبون" التي ذكرناها سابقا ربما تنطبق عليهم، لأنني أعد تصرفهم في هذه السيولة مثلها مثل مصيبة السيولة الانتهازية التي تهرب من السوق فور نزوله لأي جني أرباح صحي وطبيعي مكبدة السوق خسارة ورقية بل ربما فعلية غير مبررة يتضرر منها معظم المستثمرين ثم تعود إليه مجددا عند الصعود وهكذا. كما أنها لا تساعد على استقرار السوق وكفاءة وانتظام الأداء فيه لأنهم في المحصلة النهائية لا تهمهم مصلحة بقاء السوق سليما معافى بقدر تفكيرهم في سرعة الدخول والخروج من السوق وبربح وفير حسب زعمهم للمحافظة على ثقة المستثمرين وسمعة صناديقهم التي للأسف لم يستطيعوا كسبها منذ انهيار شباط (فبراير) وحتى وقتنا الحالي. وقد شاهدت ولا أبالغ في القول أيضا من قدم إلى العمل في الإدارة التنفيذية لهذه الصناديق، وهذا ليس انتقاصا لهذه الوظائف بقدر ما هو وصف لواقع ملموس ومعظم خبرته وللغرابة في الجيش الأفغاني أو من هو خبرته السابقة في إدارة الفنادق وعدد الغرف والأسرة الفارغة فيها ونسبة إشغالها بحجة أن البيع واحد في جميع المجالات. وهذا وإن كان صحيحا في المبدأ العام للبيع لكنه مختلف في التخصص. فشتان ما بين التخصص في بيع منتجات الاستثمار وبين تلك الخبرات بل إن هناك فرقا في التخصص حتى في بيع منتجات البنك نفسه فما هو خاص بإدارة التجزئة مثلا قد يختلف اختلافا كليا عن المنتجات الخاصة بإدارة الخزينة أو إدارة الشركات.
السبب الآخر المهم في عدم الثقة هذه، وباختصار هو عدم وجود إدارة متخصصة للمخاطر داخل هيكل إدارات الاستثمار الوظيفية تعمل باستقلالية مقننة عن إدارات المخاطر الأخرى في البنوك، وإن كنا نجزم بوجوب ارتباطها بإدارة المخاطر للبنك ككل، لكن استقلاليتها في القرار الاستثماري ومنح التسهيلات أو الموافقة عليها على أقل تقدير، والرقابة على أداء من تم منحهم التسهيلات في البيع والشراء في الأسهم يعد مهما وأساسيا لها. فلا يجوز أن تترك كامل الحرية للعميل في أن يبيع ويشتري في أسهم لشركات خاسرة وبتسهيلات من البنك مثلا دون أن تكون هناك رقابة فعلية وفورية عليه مما يؤثر سلبا على أداء صناديق البنك المرتبطة بسوق الأسهم السعودي.هذا السبب أي فقدان مثل هذه الإدارات كان أحد العوامل الرئيسة في تسييل معظم المحافظ التي منحت لها التسهيلات نتيجة التناقص وبشكل سريع ومؤثر في نسبة التغطية لها خلال الانهيارات التي حصلت ساعد بدوره على تآكل أرباح المستثمرين الآخرين في هذه الصناديق ممن لا توجد لديهم أي تسهيلات كليا وتعداه في السوء إلى تآكل وبنسبة كبيرة جدا جزء كبير من رؤوس أموالهم المستثمرة، وبالتالي فقدان المستثمرين لجزء كبير من الثقة في هذه الصناديق.
نكتفي بعرض هذين السببين مع ثقتنا بأن أسواقنا جميعها جاذبة للاستثمار وليست طاردة له لكثرة المحفزات فيها.كما نتفق وبشدة مع الهيئة ورغبتها الأكيدة في أن يكون سوق الأسهم السعودي سوقا مستقرا وواعدا في التنظيم والتشريع والرقابة من خلال إشرافها المباشر عليه مع تأييدنا لها في تفعيل مبدأ أخلاقيات سلوك السوق بمساعدة الجمعيات المهنية الجادة والراغبة في ذلك. كما نؤيد مطالبتها المستمرة أن تدار هذه الصناديق من مسؤولين وموظفين أصحاب كفاءة عالية وتخصص وظيفي ومهني موثق ولهم القدرة في التحليل والشرح والمتابعة المستمرة والتواصل الدائم مع المستثمرين وبشفافية كاملة من خلال إصدار نشرات دورية كاملة وليست برشورات دعائية مختصرة عن أداء هذه الصناديق وتوزيع أصولها وطريقة عملها. وأعتقد جازما بل وبثقة كبيرة أن لدى الهيئة حلولا جذرية وناجحة لإعادة هذه الثقة المفقودة في هذه الصناديق. كما نتمنى أن تبتعد هذه الصناديق الاستثمارية البنكية بإداراتها الشكلية الحالية بطريقة أو بأخرى عن قبضة البنوك وتسهيلاته الاستثمارية المفرطة حتى تستجمع وتعيد ما تبقى لها من ثقة مفقودة أو أن يتركوا إدارة هذه الصناديق وكل ما له علاقة بها إلى شركات الوساطة التي رخصت لها الهيئة عملا بمبدأ التخصص وبعيدا عن ارتباطها المباشر بالبنوك، وقد يمثل هذا التصور مدخلا حسب رأي في إعادة الثقة للصناديق العاملة في هذا السوق يساعد بدوره أو يقلل إلى حد كبير من تأثير الأفراد السلبي والعشوائي ويقضي بصورة أو أخرى على معظم المتلاعبين في الأوراق المالية في سوق الأسهم عموما.

الأكثر قراءة