رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الحوار .. اعتراف بالاختلاف .. ونبذ الخلاف

[email protected]

المؤتمر العالمي لحوار الأديان الذي دعا إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله يجسد توجهه، حفظه الله، نحو السلام العالمي ونشر ثقافة المحبة وتحكيم العقل والمنطق في تناول القضايا المهمة والحساسة بدلا من لغة التصعيد والتصادم. والحقيقة أن المؤتمر هو بمثابة صرخة مدوية في وجه من ألصقوا تهمة الإرهاب بالدين الإسلامي، وإعلان عالمي موجه لجميع الناس على وجه هذه البسيطة يقوده إمام المسلمين في دعوة الناس لتصحيح مفاهيمهم عن الإسلام وتبيان قيمه الحضارية التي هي رحمة للعالمين. ويكفي الملك عبد الله أنه بهذا المؤتمر ونيابة عن مليار ونصف مليار مسلم دعا سكان الأرض للإسلام واستكشاف قيمة ومبادئه الإنسانية العظيمة، وبهذا يكون قد أسهم في تأدية الأمانة العظمى وهي تبليغ الرسالة المحمدية للقاصي والداني. إن عقد المؤتمر في مدريد له دلالاته ومبرراته، قد يكون من أهمها تأكيد الانفتاح على الآخرين والمبادرة نحو مد يد السلام والمحبة الإنسانية للجميع ليكون الطرح موضوعيا محايدا وفي الوقت ذاته يكسب التأييد والدعم من جميع الأطراف. لقد كانت كلمات الملك عبد الله وهو يلقي خطابه التاريخي أمام حشد من رجالات الدين جاؤوا من شتى أقطار المعمورة، ممزوجة بعاطفة صادقة ونوايا صالحة ومعان واضحة لتدخل القلوب وتستوعبها العقول ويكون لها تأثير إيجابي ووقع في النفوس. إن النفس الإنساني وفلسفة المحبة والتآخي التي يتصف بها الملك عبد الله، بل تكاد تكون الميزة التي يختص بها، هي أحد أهم أسباب نجاح المؤتمر. لقد نجح المؤتمر لأن القائم على تنظيمه دولة يحترمها الجميع، الأعداء قبل الأصدقاء، ولها تاريخ ناصع ومواقف مشرفة، وقرارات رشيدة ومتزنة في العلاقات الدولية. إن دولة تحترم شعبها وتطبق شرع الله وبه تعدل، لهي الأجدر بأن تكون القدوة الحسنة وأن تقود العمل الإنساني، لأن رسالة الإسلام في أساسها عالمية للناس كافة. هنيئا لجميع المسلمين هذا الإنجاز الرائع الذي يجدد صورتهم لدى الآخرين ويبين معاني الإسلام الحضارية العظيمة لتكون دعوة مفتوحة للدخول في دين الله أفواجا.
هكذا إذاً يتحقق الهدف من المؤتمر في تصحيح المفاهيم والبحث عن أرضية مشتركة متفق عليها للتعايش بين جميع الديانات والطوائف والملل. هذا بالضرورة يقتضي احترام جميع الأطراف بعضهم بعضا على أساس يقرره المبدأ القرآني "لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ" ، "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" ، فلا سب ولا لعن ولا قذف ولا شتم ليستبدل ذلك كله بـ "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ". إلا أن من الغريب العجيب أن نرى ونسمع داخل البيت الإسلامي الكبير من أوصد باب الحكمة والحوار وشق صف المسلمين حين تبنى بعضهم عقيدة تقوم على ثقافة الكراهية والسب واللعن لرموز إسلامية لها احترامها وتقديرها، بل يعتبرها الطرف الآخر قدوته وأحب إليه من نفسه وماله وولده، فضلا عما قدموه للإسلام والمسلمين يشهد به حتى أعداء الإسلام، وهذا بلا شك يجعل الوصول إلى أرضية مشتركة شبة مستحيل! بل إن ذلك سبة على الإسلام والمسلمين يعطل مشروعهم الدعوي العالمي. إن ذلك بلا شك يقف حائلا دون التقارب والحوار بين الفريقين. إن الحوار الفاعل يتطلب احترام كل طرف الآخر وعدم التعدي والتطاول لأن ذلك من شأنه تقويض الحوار وإفشاله قبل أن يبدأ. لا نستطيع الحديث عن الحوار في ظل ثقافة الكراهية والحقد وحالة التشنج وأحكام مسبقة وسوء الظن لأنه سيكون حديثا ملوثا فاسدا يبعد ولا يقرب وينفر ولا يؤلف ويطرد ولا يجذب. لا يكفي أبدا إطلاق التصريحات الرنانة والكلام الجميل المنمق دون أن يكون منبعه نية خالصة في الاقتراب من الآخر وتصحيح المفاهيم ومراعاة حقوق الآخر في القول والعمل. البعض يستغل الحوار من أجل التلميع الإعلامي وكسب الوقت وتضليل العموم حتى ولو كذبا وبهتانا يقول تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ". صدق الكلمة والنوايا السليمة والكف عن الأذى أساسيات الحوار الصحيح لأنه عملية تعلم وتبادل للمفاهيم وإذا كان أحد الطرفين يدلس ويغالط ويسب ويشتم فلن يصل الحوار إلى النتيجة المطلوبة وهي التغيير للأفضل للطرفين، فما بني على باطل فهو باطل. قول الحق والاعتراف بالخطأ هما بداية الحل والتقارب. الحوار يقتضي محاسبة النفس ومراجعتها وانتقاد الفكر وافتراضاته قبل الدخول في حوار مع الطرف الآخر، بل يكون من الأجدر لكل طرف البحث جاهدا عن قصور رأيه واستكشاف الصحة في رأي غيره. هذا ما تلخصه فلسفة الإمام الشافعي، يرحمه الله، في الحوار "رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب".
الحوار ليس هدفا وغاية بحد ذاته وإنما وسيلة تمكننا من تجاوز الخلافات الضيقة إلى آفاق أوسع وجسر نعبر عليه للالتقاء والعمل المشترك وردم الهوة بين التباين والتباعد في الآراء والتوجهات والرؤى. إذا لم يقد الحوار إلى نبذ الخلاف والاعتراف بالاختلاف والاحترام المتبادل فلن يحقق الحوار مراده. الحوار هو اتصال وتعارف وتفاهم لأن المرء عدو ما يجهل فإذا زال الجهل كان ذلك أجدر للتواصل والاقتراب للمشترك. هناك من يرى الحوار ضعفا وتخاذلا وهذه نظرة بلا شك خاطئة وقاصرة تنبع أساسا من ضيق الرؤية وعدم الاعتراف بأننا لا نستطيع العيش بمنأى عما يدور حولنا وأن من مصلحة الأفراد والمجتمعات التعاون والتكامل وتحقيق مصالح لا يتم تحقيقها إلا بجهود مشتركة يسهم فيها كل طرف بما يمتلكه من قدرات وإمكانات ليست لدى الطرف الآخر. وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: "يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى‏ وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ"، فالاختلاف سنة كونية يدفع الله فيها الناس بعضهم ببعض من أجل إعمار الأرض، تكون تقوى الله هي الميزان والمعيار الأساس في هذا التنافس. ولذا فإن المشكل الرئيس في أي حوار هو المنطلق الفلسفي والإطار الأخلاقي والعقلاني الذي يدور في فلكه ويحكمه، فمن دون قيم التسامح والمحبة والبحث عن المشترك سيكون الحوار شيئا من العبث وإضاعة الوقت والجهد.
على المستوى الوطني في السعودية يعد الحوار فتحا جديدا وثقافة تعزز مفهوم المواطنة وتؤصل لارتباط الإنسان السعودي بأرضه وتوثق لتلك العلاقة الأزلية المميزة بين الحاكم والمحكوم. لم يغب الحوار في التاريخ السعودي منذ وحد الملك عبد العزيز هذا الوطن الكبير العظيم لكنه كان يأخذ أشكالا مختلفة تتماشى مع كل مرحلة تاريخية وينسجم مع معطياتها ومستجداتها. فسياسة الباب المفتوح كانت وما زالت ما يمتاز به النظام السياسي على أسس الأخوة والمحبة والاحترام المتبادل ترعاه المبادئ الإسلامية الرفيعة وتغذيه القيم العربية الأصيلة. لكن يجب الاعتراف بأن الملك عبد الله بن عبد العزيز وبحسه السياسي المرهف وعقليته المستنيرة الواعية ورؤيته الثاقبة وقراءته الواقع قراءة تحليلية صحيحة وإدراكه المتغيرات المستقبلية وثق للحوار وجعله عملا مؤسسيا وأولوية وطنية ينطلق منه لتحقيق المصالح العليا للوطن ويرفع مستوى وعي وإدراك الجميع مسؤولياتهم الوطنية ليقفوا صفا واحدا متراصين متماسكين خلف قيادتهم الرشيدة تسطع عليهم شمس حرية التعبير ومبدأ الحوار لتطرد خفافيش الظلام وسكان الكهوف المظلمة الذين يبغون في الأرض فسادا والذين يقدمون ولاءاتهم وانتماءاتهم الخارجية على حساب الوطن ويتنكرون له وهم يستظلون بظله وينعمون بأمنه ويكفل لهم الحياة الكريمة.
ستظل السعودية - بإذن الله - رغم أنوف الحاقدين منارة للحق وواحة أمن وأمان بتطبيقها شرع الله وستزيدها ثقافة الحوار قوة ومنعة لأنها الوسيلة الأجدر لإدارة الاختلاف وتحقيق السلم الاجتماعي والرفاهية الاقتصادية والسلام العالمي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي