رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


"سما" و"ناس" ومعاناة الناس

عندما فتحت أبواب المنافسة في النقل الجوي قبل عدة سنوات، استبشر الكثير من المواطنين والمقيمين في هذا البلد الكريم بقرب اختفاء صعوبات السفر والنقل الجوي التي يعانيها معظمهم، خصوصاً في أوقات الإجازات والعطلات التي تغطي حيزاً كبيراً من العام. فإجازات الأعياد تستغرق ما لا يقل عن شهر في السنة، وإجازة الصيف تمتد في بعض الأحيان إلى أربعة أشهر، ويضاف إلى هذا وذاك إجازة نهاية الأسبوع وبعض المواسم الأخرى التي تستغرق لو حسبت مجتمعةً ما لا يقل عن ثلاثة أشهر في العام. أي أن مواسم السفر في مجملها تمتد لأكثر من نصف العام. وطوال مواسم السفر يصعب الحصول على مقاعد للسفر، ناهيك عن الحصول على خدمات جيدة والتزام خطوط الطيران بالمواعيد. ويكابد الكثير من الناس في هذا البلد للحصول على مقاعد لأنفسهم أو لأسرهم، ويضطر البعض منهم بحجز مقاعد السفر قبل عدة أسابيع وأحياناً أشهر لكي يضمنوا السفر في الوقت المناسب وإلى المكان المناسب. وفوق كل هذا وذاك يفقدون حجوزاتهم لأتفه الأسباب وأحياناً في أصعب الأوقات وبعيداً عن الأوطان. ويتسبب الضغط المستمر على الحجوزات بلجوء الناس إلى الواسطة أو المحسوبية في الحجوزات الجوية، وكأن الناس يسافرون بالمجان على متن خطوط الطيران.
وبعد فتح باب المنافسة وقدوم خطوط طيران سما وناس لتسهيل السفر على الناس، ظهرت أنواع جديدة من المعاناة مع شركات الطيران. فما زال هناك ضغوط على الرحلات وازداد سوء خدمات خطوط الطيران في الأرض والسماء. فعليك الحضور قبل الرحلة المخفضة بوقت طويل وإلا فقدت مقعدك وكل ما دفعت. وإذا تجرأت بتغيير وقت سفرك فعليك دفع ثمن جرأتك. وإذا طرأ لك ظرف وتأخرت فقدت مقعدك وكل ما دفعت أيضا. وقد كثرت في هذه الإجازة قصص مصاعب الناس مع "سما" و"ناس". وموظفو الشركتين عند الحاجة مفقودون، وإذا اشتكيت أو بكيت فلن تجد من يجيبك. فلا أحد مسؤول في "سما" و"ناس" لديه صلاحية تصحيح الأخطاء، فالخطأ والحق على الراكب لأنه سافر بخطوط اقتصادية. والأدهى والأمر تخلي الخطوط السعودية عن بعض المحطات الداخلية، فقد تنازلت عنها طواعية للخطوط الاقتصادية. فقلت خيارات أهالي تلك الديار وأجبروا على ركوب المصاعب والأخطار, فالطائرات قديمة والخدمة رديئة، وليس لأهل تلك الديار حيلة.
ولكن لماذا لم تتحسن مستويات السفر الجوي على الرغم من فتح باب المنافسة؟ ويقف وراء ذلك عدة أسباب، التي من أهمها أن المنافسة فتحت أمام شركات لم يسبق لها الوجود وليس لديها أي خبرة ولا سمعة تقديم الخدمات الجيدة. فكيف ترتفع مستويات المنافسة والداخلون الجدد في السوق مبتدئون ولم يسعوا حتى إلى شراكة مع خطوط لها خبرة. وركزت شركات الطيران الجديدة على شيء واحد، وهو إيهام الناس بانخفاض تكاليف السفر عليها. وتحمل الناس كل المتاعب ليحصلوا على أسعار مخفضة مقارنةً بأسعار الخطوط السعودية المرتفعة. وساعد على تدني مستويات خدمة المسافرين في شركات الطيران الجديدة غياب الأنظمة والمؤسسات التي تحمي المسافرين من أخطاء شركات الطيران. فمهما كانت غلطة شركة الطيران في حق الراكب لا يوجد جهة أو نظام ينصف المسافر من تعسف شركات الطيران وأخطائها وممارساتها السيئة المتعمدة.
ولعل أهم سبب لتدني خدمات الطيران (خصوصا الداخلي) أن السوق ما زالت تحظى بقدر كبير من الاحتكار. وليس على المسافرين إلا قبول ما تعطيهم شركات النقل الجوي من خدمات إذا رغبوا في الحصول على نعمة السفر الجوي. فالخطوط السعودية مازالت تسيطر على أكثر من نصف النقل الجوي و"سما" و"ناس" تسيطران على الباقي. وهذا يعني أن مؤشر تركز النقل الجوي الداخلي قد يتجاوز أربعة آلاف، مما يدل على وجود قوى احتكارية قوية في صناعة النقل الجوي الداخلي (وجود قوى احتكارية إذا تجاوز مؤشر تركز أي صناعة 1800). ونتيجةً للاحتكار تقل خيارات مسافري الجو (المستهلكين) ويستمر انخفاض مستوى الخدمات وإملاء خطوط الطيران (المنتجين المحتكرين) لشروط النقل الجوي على المسافرين.
ولتحسين مستويات خدمات النقل الجوي في المملكة ينبغي فتح السوق لمزيد من المنافسة، وسن التشريعات التي تضع معايير لصناعة النقل الجوي وتضع حدوداً دنيا لخدمة المسافرين وحمايتهم. ولرفع مستويات المنافسة يجب منح تراخيص جديدة لناقلين جدد خصوصاً للشركات التي تملك الخبرة وتقدم خدمات أفضل ترقى بمستوى صناعة النقل الجوي في المملكة. وللحصول على مستوى جيد من المنافسة وللقضاء على الاحتكار ينبغي على الأقل أن يتضاعف عدد خطوط الطيران الموجودة حالياً لينعم المسافرون بالنتائج الجيدة لنعمة المنافسة.
ويدل استمرار الضغط على السفر الجوي في المملكة على ارتفاع مستويات الطلب على خدمات النقل الجوي كماً وكيفاً. ولذلك فإن هناك مجالا واسعا ورحبا لرفع الناتج المحلي في هذا القطاع مما سيدفع بعجلة النمو الاقتصادي ليس فقط في صناعة النقل الجوي بل في صناعات أخرى متعددة مثل السياحة، كما سيسهم في توفير المزيد من فرص العمل الجيدة لمواطني هذا البلد الكريم. وسيدفع فتح الباب أمام المزيد من المنافسة وسن الأنظمة الرافعة لمستوى خدمات النقل الجوي في تطور هذه الصناعة ودفعها إلى مصاف نظيراتها في الدول المتقدمة وبعض الدول المجاورة. وقد ارتفعت نوعية خدمات النقل الجوي في عدد من الدول الخليجية لتضاهي مستويات الخدمات الجوية في الدول المتقدمة، بل إن العديد من تلك الشركات تفوقت على كثير من ناقلي الجو العالميين.

- متخصص في الدراسات الاقتصادية

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي