الوجه الآخر للشفافية: الكفاءة
تمر المملكة بفترة غير عادية اقتصاديا تتسم بارتفاع العوائد النفطية، وبالتالي الموارد المالية في ظل غياب أداء اقتصادي يواكب هذا التحسن المالي، بل حتى بطالة هيكلية في ظل نمو سكاني مرتفع وامتداد تعليم جامعي قد يرفع سقف التوقعات دون أرضية صلبة. هذا التناقض يبعث على تساؤلات في قلب الإدارة الاقتصادية. التساؤلات حول هذه الموضوعات الشائكة هي مدخل للشفافية. المقصود بالشفافية هنا هو: استبعاد الإحراج في السؤال والنقد الذاتي للوصول إلى هدف القيادة في تقديم الأفضل للناس. في الدول الأكثر نجاحا اقتصاديا تم اختزال الشفافية عمليا إلى المطالبة بالإفصاح بينما في البلدان النامية ما زال هناك حاجة إلى مخاض في النوعية والدرجة.
الشفافية كمفهوم نوعي أوسع والإفصاح عموما والمالي خاصة مفهوم في الدرجة. ولكن الفرق بين الشفافية والإفصاح قد يصبح مسألة درجة فقط في حالة إنجاز تقدم نوعي في التنمية الاقتصادية. في ظل عدم تقدم اقتصادي تصبح الشفافية مطلباً استراتيجياً.
في بلد نام كالمملكة تكون الحاجة واضحة إلى كلا الاثنين، ولكن من ناحية عملية صرفة لا يمكن إنجاز درجة عالية من الإفصاح (المستدام) إلا في ظل بيئة شفافة. تنشأ البيئة الشفافة فقط تحت إدارة واثقة من كفاءتها في الدفاع عن فلسفة برامجها التنموية الاقتصادية ووضوح استراتيجيتها وعملية برامجها وحسن قدرتها على التنفيذ، وأخيرا سهولة وصول الرقيب العام بغرض المساءلة. فهذه هي دائرة الشفافية الخيرة في وسط دائرة الشفافية الكبرى هناك دائرة أصغر هي: الإفصاح؛ الإفصاح أداة إدارية مالية دقيقة للوصول إلى حالة الشفافية المرتقبة، الإفصاح نظرة تحليلية لاستخدام المال والحكم على كفاءة ونزاهة إدارته، مع أهمية الإفصاح إلا أنه يبقى أداة رئيسة للشفافية فقط وليس بديلاً.
نصل فقط للشفافية من خلال رفع درجة الكفاءة في إدارة المجتمع عموما ولعل النواحي الاقتصادية والمالية هي الأسهل في القياس، ولذلك فإن التركيز التنموي يجب أن يأخذ هذا المنحنى. يُذكر أحد أساتذة الإدارة أنه لا يمكن أن تتخلص من (نظام) حتى تستطيع أن تفكر نظريا وعمليا في نظام بديل. ثم استهلاك عملية صنع القرار الاقتصادي في المملكة منذ زمن وحان الوقت لنظام بديل لعملية صُنع القرار الاقتصادي (سبق أن تم نقاش هذا الموضوع في مقالة سابقة)، لذلك هناك حاجة إلى إعادة هيكلة عملية صُنع القرار الاقتصادي.
المكاشفة حول عملية القرار الاقتصادي وكفاءة القائمين عليه هما الركيزتان الأساسيتان للشفافية، الرغبة في الشفافية ليست مطلباً أخلاقياً فقط أو رفاهية فكرية بل وسيلة عملية من خلال توظيف أفضل العناصر كفاءة في المجتمع من خلال البحث المخلص عن أفضل الناس لهذا الدور. ولا أحد يستطيع كسر الدائرة غير الخيرة إلا الإنسان الكفء المدعوم. في حديث للسيد لي كوان يو (رئيس وزراء سنغافورة السابق) في الرياض قبل عدة أسابيع تحدث عن خصال القيادات لعملية التنمية وذكر منها أنه يستطيع الوقوف على قدميه (بمعنى واقعيته) والقدرة على التحليل، وأخيرا توافر الرؤية لديه. الهدف المرحلي لنا أن يتم تأليف نخبة تتحلى بهذه الصفات لإحداث نقلة نوعية وقدوة حسنة لتستطيع أن تجر الركب إلى آفاق جديدة.
لعلي أختصر الشفافية مرحليا في البحث عن الكفاءات ومراقبتها وغير ذلك هو تغن بالمثاليات أو بحث عبثي من خلال استغلال مدخل الشفافية لنقاشات سياسية واجتماعية بعيدة عن الاستحقاقات العملية اللازمة في هذه المرحلة. يقوم الأمير تركي بن عبد الله بجهود أولية في هذا الاتجاه استشعارا منه بأهمية الشفافية، ولعلها النواة الأولى لعمل طويل وطني خير تراكمي. الشفافية هي الوجه الآخر للكفاءة في الأداء، دون الوصول إلى حالة من الشفافية لن نستطيع إنجاز اختراق واضح في مسعى التنمية.