رياح السموم تهب على الاقتصاد العالمي
لا يمكن وصف الأحداث المتتالية على مسرح الاقتصاد العالمي خلال العامين الماضيين بالأحداث العابرة أو المعتادة، فهي تحتمل أكثر من هذا التفسير البسيط ربما لأن آثارها طالت جميع دول العالم, وربما لأن وتيرتها تتزايد مع مرور الوقت دون إيجاد حلول ناجعة لها.
البعض من المحللين والمتابعين يتوقعون أن تلك التغيرات ستحدث تغيرا كبيرا في موازين القوى الاقتصادية وستؤدي إلى طحن الشعوب الفقيرة ما ينبئ بأحداث جسام في القارة الإفريقية على وجه التحديد خلال السنوات المقبلة.
الركود الذي يعانيه الاقتصاد الأمريكي لم يستجب لوصفة "الفيدرالي" المعتادة التي لم تتغير والمتمثلة في خفض الفائدة على أمل تعافي الاقتصاد الأكبر، لكن العافية لم تأت بعد هذه المرة وهو ما أثر سلبا في العملة الأمريكية التي خسرت من قيمتها جزءا كبيرا خلال العامين الماضيين، خصوصا في ظل رفع دول منطقة اليورو الفائدة عليه وتوجه كثير من المستثمرين للتخلص من العملة الأمريكية الضعيفة سواء كانوا أفرادا أو حكومات, وهو ما قد يؤدي إلى تكوين كرة ثلج لن تستطيع معها الحكومة الأمريكية إيقافها أو تحييد نتائجها السلبية عليها وعلى الاقتصاد العالمي برمته.
وفي ظل الركود المستمر في الاقتصاد الأمريكي تظهر أزمة الرهن العقاري التي كبدت ولا تزال كثيرا من المؤسسات المالية الأمريكية وغير الأمريكية خسائر فادحة وجعلت بعضها على شفير الإفلاس, وهي على كل حال خسرت جزءا كبيرا من أصولها المالية بسبب شطب الديون المعدومة وخسرت تبعا لذلك جزءا مهما من قيمتها السوقية وجعلتها تبحث عن داعمين يساعدونها على مواجهة التزاماتها المستقبلية.
استمرار ضعف الدولار جعل بعض الرساميل التي تستثمر في الاقتصاد الأمريكي بالتحديد تتجه إلى سوق السلع وعلى رأسها النفط للبحث عن قنوات استثمارية تحقق عوائد مجزية، وهو ما أسهم بالتدريج في ارتفاع أسعار النفط ووصوله أرقاما قياسية ربما لن يستطيع الاقتصاد الأمريكي والعالمي التكييف معها لمدة طويلة وخصوصا الدول الفقيرة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا التي لا تستطيع دعم وارداتها من النفط ولا يستطيع اقتصادها هضم أسعاره المرتفعة.
أسعار النفط تؤثر لا شك في الاقتصاد العالمي بشكل طردي, فكلما ارتفعت أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات بمستويات متفاوتة, وهو ما أسهم في ارتفاع حاد في أسعار الغذاء بالتحديد, الأمر الذي أثر في خيارات المستهلكين في جميع دول العالم وهو ما بدأت نتائجه تظهر في إقفال بعض الشركات جزءا كبيرا من فروعها أو انخفاض مبيعات شركات أخرى كشركات السيارات على سبيل المثال.
الدوامة التي يعيشها الاقتصاد العالمي وارتفاع نسبة عدم التأكد فيما له علاقة بالمستقبل لدى التنفيذيين الحكوميين وغيرهم جعل الرؤية أكثر عتمة وهو ما سينتج عنه حالات فزع تطول الأسواق المالية من حين لآخر، لكنه سيؤدي في ظني إلى تغيير مهم في خريطة القوى الاقتصادية والنظام النقدي العالمي.
دول مجلس التعاون الخليجي لن تكون خارج تلك المؤثرات السلبية بل هي في عين العاصفة, إن صح التعبير, وهذا يعود لسببين: الأول أنها تنتج جزءا مهما من النفط وهو ما سيجعلها عرضة أو شماعة تحمل وزر ما يحدث في الاقتصاد العالمي وهذه الضغوط ستتزايد كلما ارتفعت أسعار النفط لسبب بسيط وهو أن الحق ما يقوله الغرب لا ما يقوله الشرق، وبعبارة أخرى فإن الارتفاع الحاد في أسعار النفط سيكون بسبب نقص المعروض لا بسبب ضعف الدولار, والسبب الثاني يتعلق بإيراداتها من النفط فهي تمتلك اليوم احتياطيات مالية ضخمة ربما تثير شهية بعض الدول الكبرى لاقتناصها أو توظيفها في قنوات استثمارية غير مجدية كسندات الخزانة الأمريكية بدلا من توزيعها جغرافيا وتنويع قنواتها استثماريا، وهو ما ينبغي على دول المجلس الاهتمام به.