النفط العراقي: قطف ثمار الحرب
توصلت الحكومة العراقية وعدة شركات نفط غربية (شركة إكسون موبيل، بريتش بتروليوم، توتال، شل، وشفرون)، وعدة شركات أخرى إلى اتفاق دون مزايدة، ما أثار العديد من الشكوك، خاصة أنه أتى على خلفية اتهامات وشكوك حول أهداف غزو العراق. هذه العقود التي تحدثت الأخبار عنها نسبيا صغيرة وبغرض خدمات الصيانة وتحديث المعلومات حول الاحتياطيات وتدريب المهندسين العراقيين. اللافت للنظر في هذه الاتفاقيات هو أربع نقاط ذات مغزى: الأولى، أنها كلها غربية وذات علاقة مع شركة العراق للنفط قبل تأميم الشركة العراقية عام 1961، وثانيتها أنها دون منافسة، وتشير كذلك إلى حق هذه الشركات في الأولوية مستقبلا في عقود الاستكشافات والإنتاج، وثالثتها أنها استبعدت كل شركات الدول الشرقية مثل الصين والهند، ما أعطاها بعدا سياسيا آخر، رابعتها أنها أتت دون إقرار قانون النفط العراقي الذي يهدف إلى تقسيم عوائد الثروة النفطية بين مكونات العراق العرقية والفئوية، حيث إن عقودا مثل هذه تؤسس لنظام جديد دون مظلة سياسية، نظرا لأهمية النفط في اقتصاد العراق وسياسته.
يصعب الجزم بأن الحرب سبب رئيس ولكن لم يمكن إغفال صورة الطاقة، وحقيقة أنها جزء من تنافس الدول الكبرى، خاصة أنه لدى العراق نحو 100 مليار برميل من الاحتياطي، ولدى العراق نحو 1.8 في المائة من احتياطي الغاز في العالم. قيمة هذا الاحتياطي قياسا على أسعار اليوم تصل إلى نحو 14 تريليون دولار، وهذه تعادل تقريبا حجم الدخل القومي الأمريكي. لن نخوض في إرهاصات التآمر، وقد يكون إذا كان هناك تآمر أنه أتى بأثر عكسي من خلال ارتفاع أسعار النفط، حيث الإجماع على أن جزءا من ارتفاع أسعار النفط بسبب عامل الأمن السياسي الذي ازداد بسبب الغزو، ولكن من الناحية الأخرى كما يقال: فتش عن المصلحة مهما اختبأت وراء السياسة، خاصة في ظل تناقص ما لدى الشركات الكبرى من فرص تنقيب. يقابل ذلك حتمية أن العراق لن يختلف عن دول المنطقة الأخرى في الاستعانة بالشركات الكبيرة التي لديها التقنية ورأس المال والقدرات التنظيمية، خاصة في السنوات القليلة المقبلة حتى يعاد تأهيل قطاع النفط قانونيا وفنيا. المحصلة الأخيرة أن هذه الإرهاصات سوف تبقى مكانا خصبا لكل من يريد أن يدلي بدلوه.
كذلك يشير واقع إنتاج العراق اليوم (2.2 مليون برميل)، أنه وبعد أكثر من خمس سنوات من الاحتلال مازال إنتاج العراق عند مستوى 2003، ولدى الحكومة العراقية نحو 22 مليار دولار، ولاتزال جميع الخدمات والمرافق عند أو أقل من مستوى 2003. لذلك فإن الشكوى العامة بين الكثير من الدول المنتجة تبقى في الغالب واحدة، فهناك بطالة وسوء توزيع في الدخل وعجز في البنية التحتية، ولذلك فإن العراق وبعد كل هذه المعاناة قد يختلف في الدرجة والظرف الموضوعي فقط حينما يكون الأداء الحقيقي هو المقياس.
أحد المقترحات التي كانت مطروحة قبل وأثناء بداية الاحتلال الأمريكي كانت تشير إلى الحاجة إلى توزيع جزء معتبر من عوائد النفط على العراقيين بالتساوي أسوة بولاية آلاسكا الأمريكية، ولكن سرعان ما ضاع هذا الطرح بين طموح الطبقة الجائعة الجديدة في العراق وبين كفاءة إدارة الاحتلال الأمريكي. هذا عن التاريخ والواقع. يا ترى ماذا عن المستقبل؟ بعد أكثر من ثمانين عاما من الصناعة النفطية وعدم الدقة حول الاحتياطيات ومستقبل النفط من ناحية اقتصادية، حيث يتفق الكثير من الخبراء على أن الذروة في عصر النفط قد تكون خلت الآن، ولذلك فإن المنحنى في نزول ولذلك هناك حاجة ماسة إلى استغلال الثروة في بناء عراق حديث. صرف الطاقة العاطفية والسياسية حول التآمر لن يفيد أحدا، خاصة أن تجربة العراق منذ التأميم كانت أقل من المأمول. ولذلك حان الوقت لطي صفحة الماضي والرهان على نموذج تنمية آخر، ولكن حقيقة أن هذا النموذج لم يبدأ بدرجة مقبولة من الشفافية ليس بنذير طيب.