رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المجلس البلدي لمدينة الرياض .. ورؤية جديدة لإدارة المدن (2 من 2)

[email protected]

تحدثت في الحلقة السابقة عن اللقاء الأول لمجالس بلديات منطقة الرياض وأوضحت أنه كان مناسبا لمراجعة تجربة المجالس البلدية بعد مضي ما يقارب ثلاثة أعوام من بدء أعمالها. ولا شك أن التجربة تحمل في طياتها مجموعة من الإيجابيات والسلبيات، قد يكون من أهم إيجابياتها اتضاح أن النظام يتطلب إعادة دراسة ليس في محتواه وتفاصيله وحسب، ولكن في الافتراضات التي بني عليها والدور المطلوب من المجالس في ظل المتغيرات والمعطيات الحالية. من هنا كان تركيز أوراق العمل والمداخلات على تحقيق الاستقلال المالي والإداري ومنح الأمانات والبلديات الفرصة لصناعة القرارات المحلية بما يتفق مع أولويات واحتياجات سكان المدن والقرى. الإشكالية أن مراجعة الأنظمة واستصدارها يتمان بين عدة أجهزة حكومية وليس تحت قبة مجلس الشورى، ما يجعل المصالح الجهوية تطغى عليهما وتكون المداخلات من زوايا ضيقة وليست في نطاق المصلحة الوطنية من منظورها الواسع.
المبادرة والسعي لتوسيع الصلاحيات الإدارية والمالية للأمانات والبلديات ليس حديث اليوم فقد تقدمت أمانة منطقة الرياض ممثلة بأمينها المبدع النشط سمو الدكتور عبد العزيز بن عياف، بمقترح بهذا الصدد لسمو وزير الشؤون البلدية والقروية منذ ما يقارب ثلاثة أعوام. الهدف منه منح الأمانات والبلديات ومجالسها الصلاحيات التي تمكنها من تحقيق مصالح سكان المدن والتنمية المحلية. ولذا فإن تقييم تجربة المجالس يستلزم وضع الأمور في نصابها من خلال التصور الصحيح وعدم تحميلها ما لا تحتمل أو ما لا يدخل في اختصاصاتها، وحتى الأمانات والبلديات التي تعاني القيود والأنظمة البيروقراطية والمركزية الشديدة لا يكون من الموضوعية والمنطق مطالبتها بالإبداع والإنتاجية وعمل ما لا تستطيعه وما لا تملك صلاحياته. من هنا كان من الضروري النظر إلى دور المجالس والأمانات والبلديات من خلال واقع النظام الإداري والمالي الحكومي لإدراك حجم العوائق والصعوبات التي تكتنف العملية الإدارية في محاولة تحقيق الكفاءة والفاعلية. وللخروج من هذه الأزمة الإدارية في الأجهزة البلدية اقترح في اللقاء أن يتم منح الأمانات والبلديات حرية التصرف المالي في مخصصاتها من الموازنة العامة للدولة عبر إدراجها تحت اسم "الإعانات الحكومية للبلديات".
إن الاستقلال الإداري والمالي يلزم فهمه على أنه ضرورة وليس ترفا إداريا أو تقليدا أعمى للغير. فالمدن لم تعد كما كانت عليه صغيرة، وادعة، متجانسة، بسيطة الاحتياجات سهلة الضبط الاجتماعي والسيطرة، وإنما ضخمة شديدة التعقيد، تتشابك فيها المصالح، وتمثل ثقلا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، تتطلب أساليب إدارية قادرة على استيعاب متطلباتها وإدارتها باقتدار. هذا الأمر يحتم تمكين إدارات المدن عبر منحها الصلاحيات اللازمة لأداء مهامها على أكمل وجه، بحيث تكون الخدمات العامة ليس فقط من أجل الاستهلاك المعيشي اليومي للسكان، ولكن الأهم، من أجل الإسهام في التنمية المحلية. إن الظروف الحالية والأوضاع العالمية وما يسمى بالعولمة تفرض واقعا جديدا يحتم إعادة صياغة دور المدن من إطارها الإقليمي والوطني إلى العالمية، فالمدن مطالبة بالمنافسة العالمية من خلال تميزها بخصوصية المكان بنكهة اقتصادية وثقافية واجتماعية محلية. بمعنى آخر أن يكون هناك شعور بأن المدينة ليست "أي مكان" أو"لا مكان" وإنما مكان ليس له شبيه أو ليس نسخة مكررة لمكان آخر. ومن هنا يتضح أن هناك حقيقتين أساسيتين يجب إدراكهما من أجل تحقيق نجاحات ورفع القدرة في التعامل مع المعطيات الجديدة التي جلبتها العولمة والتي لا مناص منها: الأولى، إن دور المدن في التنمية الاقتصادية قد تحول من أولوية الإسهام في التنمية الوطنية إلى أولوية التنمية المحلية في المدن، أي أن أسلوب التنمية والتخطيط المركزي من أعلى إلى أسفل، لم يعد مجديا ولا يتناسب مع الظروف الحالية والوقع السريع للمتغيرات، بل يلزم أن تكون التنمية من أسفل إلى أعلى. إن هذا من شأنه الربط بين المشروعات التنموية المحلية وأهدافها ليس فقط من أجل تقديم الخدمات العامة في المدن، ولكن تحقيق تنمية محلية تسهم في النمو الاقتصادي للمدينة وتمكنها من المنافسة عالميا. الحقيقة الثانية، هي أن ذلك يتطلب أن تكون المدن أكثر نضجا وقدرة على صنع القرارات المحلية بذاتها، ولن تستطيع المدن تحقيق أي نجاح إلا من خلال الاستقلال المالي والإداري.
وقد كنت اقترحت من خلال الورقة التي قدمتها في اللقاء بعنوان "الإدارة المحلية تحديات الحاضر وتطلعات المستقبل" جاء فيها:
· تحويل المجالس البلدية إلى هيئات محلية تشريعية
إن الوقت موات لتحويل المجالس البلدية إلى هيئات محلية مسؤولة عن المدن بكامل قطاعاتها كسلطة تشريعية وفي المقابل تكون المجالس المحلية سلطة تنفيذية تضم جميع فروع الوزارات تحت إدارتها.
· إصدار نظام للإدارة المحلية
هناك فراغ إداري على المستوى المحلي يتطلب إصدار نظام للإدارة المحلية يحدد كيفية إنشاء الهيئات المحلية وصلاحياتها المالية والإدارية ونطاقها الجغرافي وعلاقتها ببعضها بعضا وبالإدارات الإقليمية والمركزية.
· طرح موضوع الإدارة المحلية في أحد نقاشات الحوار الوطني
قد يكون من السائغ التوصية بأن يطرح موضوع الإدارة المحلية في أحد نقاشات الحوار الوطني لما له من أولوية وطنية تتعلق بمصالح الوطن العليا.
· إنشاء "الجمعية السعودية للإدارة المحلية"
التحول الكبير والنهج الرشيد للدولة في التوجه نحو اللامركزية وتنامي دور المدن في الاقتصاد يتطلب إنشاء جمعية متخصصة للإدارة المحلية يقترح تسميتها "الجمعية السعودية للإدارة المحلية" تسهم في بناء القدرات والخبرات المحلية وتهيئ الظروف لزيادة فاعلية وكفاءة إدارة المدن، وتكون نقطة التقاء وتعاون بين المهتمين والمختصين من الأكاديميين والممارسين لتقييم الوضع الراهن وتحديد المعوقات والفرص والمشاركة في وضع رؤية مستقبلية للإدارة المحلية في المملكة العربية السعودية.
· تنظيم لقاء المجالس البلدية على مستوى المملكة
إن هذا المنتدى الذي بادر إلى تنظيمه المجلس البلدي لمدينة الرياض بالتعاون مع مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية يقترح تنظيمه مستقبلا على مستوى المملكة ودعوة جميع أعضاء المجالس البلدية والأكاديميين والمهتمين لتوسيع دائرة الاستفادة من النقاش وتهيئة الفرصة للتعرف على الآراء والمقترحات ووجهات النظر في تطوير عمل المجالس البلدية والأطر التنظيمية المقننة لها.
· تشجيع صياغة استراتيجيات محلية
قد تكون المجالس البلدية أحد أهم التنظيمات المحلية التي تتيح الفرصة لجميع الفاعلين في الشأن المحلي تحت مظلتها في البحث عن صيغ توافقية ورؤية مستقبلية تكون آلية فاعلة للتنسيق ليس في المشاريع والخدمات الحالية فحسب ولكن التوجهات المستقبلية للتنمية المحلية.
· تطوير القدرات المحلية
إن التوجه نحو التخفيف من المركزية يتطلب تطوير قدرات المجتمعات المحلية بشكل عام والقيادات المحلية وأعضاء المجالس البلدية بشكل خاص. كما أن هذا التحول في إدارة المجتمعات المحلية يتطلب تبني المفهوم الشامل للإدارة المحلية من حيث إنها إدارة المجتمع المحلي والشراكة بين قطاعاته الحكومية، والأهلية، والخاصة، وتبعا إعادة التثقيف وتهيئة الرأي العام للتعاون في التنمية المحلية وتوجيه الموارد نحو أهداف استراتيجية متفق عليها.
· وضع معايير تقييم أداء المجالس البلدية
لا بد في هذه المرحلة من تقييم أداء المجالس وهذا يتطلب وضع معايير تقيس الأداء وتحدد عوامل النجاح. قد يكون من بين أهم المعايير القدرة على الاستفادة من النظام الحالي في تطوير استراتيجيات محلية ودعم العمل التطوعي والتنمية المحلية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي