البرامج الثقافية هي الأكثر مشاهدة وجماهيرية على الإطلاق!
العنوان يبدو غريبا بل ربما يعده القارئ من قبيل التفاؤل غير المنطقي في الظروف الطبيعية ، فالثقافة المتعارف عليها لدينا هي الأدب فقط ، أو بمعنى آخر - متعارف عليه أيضا -هي ما تقوم به مجموعة محدودة من المتخصصين في الشعر والسرد والنقد ، وبالتالي فمحدودية هذا النشاط في سياقه النخبوي، يمثل سبباً موضوعيا بالنسبة لأي شاشة تلفزيونية لتجاهله مع استحالة إصرار الترصد فهي تسعى إلى عرض مادة جاذبة للمشاهدين بينما النشاط الأدبي محصور بعدم جماهيريته ولهذا فالقنوات لا تجد أي حرج في توفير عنائها في هذا المجال على أساس "ابعد عن الثقافة وغني لها" وباعتبار أن الجمهور مش عاوز كده!!
من حق المتلقي الأدبي – بصفته يمثل أقلية- أن يطالب كذلك بما تكفله له "حقوق الإنسان المشاهد" من متابعة اختصاصه وميوله المتمثل في الأمسيات والندوات الفكرية والنقدية المحلية بشكل يجعله أكثر ارتباطاً بواقعه الثقافي، فعدم رواج اهتمامه جماهيرياً لا يبرر أن يتم إلغاؤه كليا، لاسيما أن الفضاء الإعلامي أصبح قادرا على احتواء جميع الأطياف، بل إنه قدم قنوات خاصة بأشياء أقل قيمة من الفكر والأدب، ولكم حق التأكد من ذلك في قنوات الطبخ و"الحراج" التلفزيوني وبرامج التنجيم والألغاز السخيفة وقنوات يا بخت من وفق "مشاهدين" بالحلال!!
المثقف الحقيقي سيجد لنفسه العزاء في كل ذلك بمجرد أن يفهم الثقافة على أنه طريقة مفتوحة للحياة بمختلف أشكالها ، فكل ما يتم تقديمه يمثل ثقافة معينة سواء كانت ثقافة الإغراء أو الربح أو ثقافة التشويق أو الاستهلاك أو حتى ثقافة "اللا ثقافة"، وبالتالي فهذا يعني منطقيا أن البرامج الثقافية هي الأكثر مشاهدة بشكل نهائي ومطلق ولنتفق على ذلك.
ولأن التعريف السابق أوسع من أن نبني عليه فكرتنا، فسنعود على تعريف آخر للثقافة يتمثل في أكثر جوانبها شهرة وهما الفن والأدب، وبنظرة منصفة سنجد أن الأول قد نجح في حين لم يجد الثاني الفرصة ذاتها لأسباب كثيرة أعتقد أن أولها هو تجاهل التلفزيون بناء على ذرائع عدم الجماهيرية في حين كان الأحرى أن يأخذ بيد هذا النشاط الأدبي ويمنحه الحق في أن يصل إلى المشاهد.
شاشة التلفزيون السعودي تقدم برامج أدبية من فترة لأخرى، آخرها برنامج ستون دقيقة التي تم "تثقيفه" أخيرا ليعنى بالقضايا الأدبية والفنية بعد أن كان مفتوحا لمختلف الاهتمامات غير أن كثيرا من المعنيين بالشأن الثقافي يرون أن هذا البرنامج لن يكفي وحده رغم مجهوده الجبار، كما أن "ستون" دقيقة ثقافية فقط من أصل عشرة آلاف. وثمانون دقيقة في الأسبوع لا تمثل عملاً منصفاً في فترة يحاول فيها المشهد الثقافي المحلي أن يعيد طرح نفسه بأسلوب جديد أكثر تنوعاً وانفتاحاً.
بالتالي فالمطالبة بقناة ثقافية ليس مطلباً مستحيلاً ولا فكرة عبثية، فالإمكانات تتسع لذلك ، تماما كما هي الثقافة التي تتسع باتساع الحياة بما فيها من أدب وفن وكل شيء.
في هذا السياق طالب الناقد المعروف الدكتور سلطان القحطاني بإنشاء قناة خاصة تقوم على التنوع المبني على مزيد من إدراك مفهوم الثقافة، حيث يقول: الثقافة كما نعلم اسما جامعا لكثير من الفنون والآداب ومعيشة الفرد والجماعة في أي مجتمع يعيش على الأرض، وبلادنا تضم عدداً كبيراً من المواطنين يمتلكون من الثقافة والموروث الشعبي والأدبي الحديث والقديم الشيء الكثير ويحتاجون إلى من يدرس فنونهم ويقدمها بطريقة فنية حديثة عبر وسيلة إعلامية منظمة تحثهم على العطاء المتواصل.
ويضيف القحطاني: هناك عدد كبير من الندوات العلمية والثقافية، الرسمية وغير الرسمية، في الأندية والدوائر الثقافية، إضافة إلى الندوات الخاصة، التي تقام في منازل الموسرين من عشاق الثقافة، وتطرح في كل منها رؤى جديدة ومناقشات فاعلة تثري الفكر وتفتح أذهان المهتمين بهذا الشأن إلى مسائل فكرية وعلمية، كما أن الدولة تقيم من حين إلى آخر ندوات ومؤتمرات ومهرجانات لها قيمتها الثقافية والفكرية والعلمية، وتدور في أروقة مغلقة تنتهي بتوصيات لا يطلع عليها إلا الخاصة من أصحاب الشأن المباشر. وفي اعتقادي أن الوقت قد حان لظهور قناة تنقل هذه الفعاليات وتقدمها إلى جمهور المشاهدين للاطلاع على ثقافة بلادهم على الجهود التي تبذل في سبيل الثقافة والفنون والنشاطات المصاحبة لهذه الفعاليات، ولتعويض المشاهد عن ذلك السيل العارم من البرامج الضعيفة المسطحة، والتي لن تنتج إلا ثقافة مسطحة وعقلا مغلقا على توافه الأمور.