رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الانتخابات الأمريكية وموسم تقديم القرابين

[email protected]

اعتادت بعض الشعوب والمجتمعات المتخلفة أن تقوم بممارسات وسلوكيات شاذة إما بصورة سنوية أو حسبا لمناسبات والظروف، وفي الغالب تكون هذه الممارسات مرتبطة بطقوس يقوم فيها الفرد بتقديم القرابين الأموال والهدايا والهبات لموتى أو لأصنام وقبور لا تنفع ولا تضر، لكن من يقومون بهذه الممارسات يعتقدون خلاف ذلك حيث يرون أن ممارساتهم هذه يترتب عليها جلب النفع، وإبعاد الضرر، إذ في هذه الأموال، وهذه القرابين إرضاء، وتقرب لمن تقدم له رغم أنه لا ينفع نفسه فكيف ينفع الآخرين، فهل لحجر أو شجرة أو بناء أن قدم نفعاً أو أبعد مضرّة عن بشر؟ تداعت إلى ذهني هذه الممارسات المتخلفة، وأنا أتابع حملة الانتخابات لأمريكية داخل الحزبين الجمهوري، والديمقراطي الذي تعسرت تسمية مرشحة لفترة طويلة، ولم يمر في تاريخ الولايات المتحدة مثلها نظراً لطول الفترة التي استغرقتها تسمية المرشح الديمقراطي، نظراً للتنافس الشديد بين باراك أوباما، وهيلاري كلينتون. يتساءل القارئ عن وجه الشبه بين الممارسات المتخلفة لبعض الشعوب، والانتخابات الأمريكية، وأقول وجه الشبه ليس في آليات الانتخابات ومفهومها وروحها، وتسمية المرشحين بل في التصريحات، والوعود، والنذور التي يقطعها كل مرشح على نفسه لخدمة إسرائيل، وليس خدمة الشعب الأمريكي الذي يعاني ما يعانيه من تضخم، ومن حروب مدمرة لاقتصاده، ولصورة أمريكا في العالم.
الانتخابات الأمريكية، ومنذ فترة ليست بالقصيرة تحولت إلى فرصة، ومناسبة تشبه إلى حد كبير المناسبات، والطقوس التي تقدم فيها القرابين بهدف التقرب من هذا المعبود الذي لا يسمن، ولا يغني من جوع، إذ في كل أربع سنوات يحين موسم تقديم القرابين، والتقرب بالوعود السياسية، والاقتصادية، والعسكرية. خلال الأشهر الماضية تبارى المتنافسون، وقدم كل واحد منهم أقصى ما لديه من عروض بهدف إرضاء الجانب الإسرائيلي، وتمت رحلات إلى إسرائيل، وخطب قدمت في الكنيست، كما تم في الداخل الأمريكي زيارة النافذين من اليهود الأمريكيين، والتودد إليهم، واستدرار عطفهم، والسعي لنيل رضاهم، كما ألقيت الخطب في المنظمة اليهودية الأمريكية المعروفة بـ "الأيباك"، التي تعد المحرك الأساسي للعلاقة بين أمريكا وإسرائيل، وتشكل ضغطاً داخل دوائر القرار في الولايات المتحدة، ما يجعلها مخافة الجانب نظراً لسطوتها، وغطرسة ممارساتها، حيث الاتهام بمعاداة السامية جاهز، ويمكن توجيهه لأي فرد يحس منه اتخاذ موقف، ولو بسيط، ولين إزاء الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وسياستها المتغطرسة. ولا يقتصر الأمر على الاتهام بمعاداة السامية بل يتعدى الأمر محاربة الفرد، والسعي لإخراجه من الكونجرس إن كان عضواً، أو الحيلولة دون ترشيحه لمنصب الرئاسة، أو لعضوية الكونجرس، كما تتم محاربة الفرد، والسعي لتدمير مستقبله الوظيفي، والحياتي بشكل عام، وتلفيق التهم له، والسعي لرميه في السجن مدى الحياة.
الرئيس بوش طوال مدة رئاسته التي امتدت لفترتين بذل كل ما يستطيع لإرضاء إسرائيل، والتقرب إليها، وإلى ساستها، وهو بهذه الممارسات يقدم فروض الولاء والطاعة، ولا تغيب عن بالنا الانتخابات التي تمت في فلوريدا، حيث أعيد فرز الأصوات نظراً لما قيل من حدوث أخطاء في عملية التصويت، وحينها فاز بأصوات قليلة، وذلك بهدف وضعه في موقف ضعيف، وابتزازه طوال فترة رئاسته، ولعل تصريحه في زيارته الأخيرة لدولة الكيان الصهيوني تكشف مقدار الولاء الذي يكنه الرئيس الأمريكي وغيره من المسؤولين الآخرين، أو مَن يطمعون في الحصول على مراكز عليا. لقد أكد أثناء هذه الزيارة أن إسرائيل ليست وحدها، بل إن تعداد سكان إسرائيل سيكون ثلاثمائة وسبعة ملايين نسمة وذلك بعد إضافة ثلاثمائة مليون أمريكي إلى مَن يقطنون فلسطين المحتلة، والبالغ تعدادهم سبعة ملايين من اليهود، وذلك لإثبات أن اليهود في فلسطين ليسوا وحدهم بل يقف معهم الشعب الأمريكي بكامله. كما اعترف بيهودية دولة إسرائيل، وهو بهذا الفعل يكون أول رئيس أمريكي أقدم على هذا الفعل مقدماً في ذلك أقصى ما يمكن من قربات، وذلك قبل مغادرته البيت الأبيض.
المرشح الجمهوري ماكين زار إسرائيل، وقدم الوعود، والالتزام بأمن إسرائيل ورخائها، وذلك على حساب الشعب الأمريكي الذي تقتطع الأموال من دخله وتعزز بها ترسانة إسرائيل التسليحية بهدف قتل الفلسطينيين، وتدمير ممتلكاتهم، كما أن المتسابقة هيلاري كلينتون قدمت ما قدمته من وعود، والتزامات لإسرائيل أثناء حملتها الانتخابية، أما المرشح الديمقراطي باراك فقد تعرض لنقد شديد لأنه لم يزر إسرائيل من قبل ماكين وكأن ماكين يذكر اليهود، والشعب الأمريكي بعدم ولاء باراك لإسرائيل؟ وقام الأخير بزيارة منظمة اليهود الأمريكيين أيباك وبحضور رئيس وزراء الكيان الصهيوني أيهود أولمرت، وألقى خطبة عصماء قدم فيها الوعود، والالتزام بأمن وسلامة إسرائيل وأظهر فروض الولاء والطاعة التي لا يمكن التخلي عنها بأي حال من الأحوال، نافياً بذلك عن نفسه التهمة التي وجهها له ماكين. ويكفي أن نشير إلى تأكيده أن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لإسرائيل، كما شدد على أن إسرائيل هي خط الدفاع الأول عن أمريكا التي تبعد عشرات الآلاف من الكيلومترات من المنطقة، وهذا يعني أن أمريكا في عهد باراك إن تم انتخابه رئيساً ستستمر في الدفاع عن إسرائيل، وتقديم الدعم والعون لها ضد العرب، والفلسطينيين، ويكفي أن نعرف ما ذكره أمام أعضاء "أيباك"، حيث أكد أن ما يجمع إسرائيل وأمريكا مبادئ ومصالح مشتركة. إن تحول الانتخابات الأمريكية إلى موسم من مواسم تقديم القرابين لم يأت من فراغ بل له ما يسنده، وينطلق منه حيث المبادئ المشتركة التي يتكرر ذكرها على ألسنة المسؤولين الأمريكين، ومن حقنا أن نتساءل: ما هذه المبادئ المشتركة؟ هل هي ذات جذور تاريخية أم ثقافية أم دينية أم أنها تشمل هذه مجتمعة؟! إن تحول إسرائيل إلى قبلة للساسة الأمريكيين يفدون إليها ويلتزمون بتقديم احتياجاتها كافة من دعم سياسي، اقتصادي، وعسكري، وأشكال كافة الدعم ما هو إلا خدمة لهذه المبادئ المشتركة بين أمريكا، وإسرائيل فهل نعي هذه الحقيقة ونفيق من غفلتنا؟! كما يحق لنا أن نتساءل عن السر الذي يجعل أمريكا بكل ما لها من إمكانات مادية وبشرية تسعى خلف إسرائيل، وهل لليهود هذه القوة، والسطوة، والجبروت الذي يحيل هذه الدولة العظمى إلى عصا في يد إسرائيل تتحكم بها كيف تشاء وتسخرها لخدمتها؟ هل العقول الأمريكية ضحت بمصالحها بهدف خدمة المبادئ أم أن هناك مصالح لا نراها نحن بين الطرفين، وأطراف أخرى ربما في عالمنا العربي والإسلامي؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي