النفط إلى 200 دولار .. والسلع الغذائية تدخل حلبة سباق الأسعار
في الأسبوع الماضي ذهبت عنوة إلى حلقة الخضار في مدينة جدة لأرى إذا كان هناك تأثير لأزمة الخضار في السوق العالمية في سوق الخضار المحلية. ورغم أنني لم ألمس التأثيرات السلبية للسوق العالمية في السوق المحلية.. إلاَ أن بعض السلع كالطماطم ارتفعت أسعارها لبعض الوقت، ولكن مع ذلك أتصور أن الأزمة قد تصل إلى الأسواق المحلية إذا استمرت الأزمة في الأسواق العالمية لمدة أطول،لأن المملكة تستورد ما نسبته 80 في المائة من احتياجاتها الزراعية من الأسواق الخارجية.
إن مراكز الأبحاث المتخصصة تقول إن سعر برميل البترول يتجه إلى 200 دولار بنهاية عام 2008، وإنه لا يتوافر أي سبب يقول إن السعر لن يبلغ الـ 200 دولار للبرميل الواحد مع بواكير العام المقبل 2009.
في مقابل ذلك، فإن أسعار السلع الغذائية الأساسية دخلت حلبة سباق الأسعار بعد أن حسمت الكثير من الدول الصناعية جزءاً كبيراً من المحاصيل الزراعية لاستخدامها في الحصول على الطاقة الحيوية..
ولذلك فإن الخطورة بالنسبة إلى السلع الغذائية هي أن إنتاج كميات كبيرة من السلع الغذائية ليس في المتناول، ويحتاج إلى أراض صالحة للزراعة ويحتاج إلى مياه غزيرة الاستدرار في الوقت الذي يشكو فيه الإنسان في منطقة الشرق الأوسط شح مياه الشرب.
ومن أجل ذلك، فإن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حذر وحذر من مجاعة وشيكة لكثير من الدول الفقيرة إذا لم تباشر الدول الغنية خططاً تهدف إلى زيادة الإنتاج من المحاصيل الزراعية، وكذلك التوقف عن استخدام كميات كبيرة من السلع الزراعية في إنتاج الطاقة البيولوجية. ونستطيع القول إن أزمة النقص في الغذاء في هذه المرة ستكون من نوع مختلف، حيث إنها ترتبط بطريقة أو بأخرى بأسعار البترول.
والملاحظ في السوق العالمية أن المضاربة بدأت تغزو كل بورصات السلع الأولية، ومنها السلع الغذائية التي شهدت ارتفاعات حادة في الأسعار في الآونة الأخيرة، وهذه الموجة من الارتفاعات السريعة في الأسعار لم يشهدها العالم من قبل، فلم يحدث أن ارتفعت أسعار بعض السلع مثل الأرز بمقدار يزيد على ثلاثة أضعاف السعر في فترة تقل عن ستة أشهر، كما أن استمرار الزيادة في أسعار البترول سيؤدي إلى ارتفاع جديد في أسعار المواد الغذائية تبدو ملامحه في عودة أسعار القمح للارتفاع.
وبعيدًا عن الروتين والإطالة، فقد اتخذ مجلس الوزراء الموقر خطوات استباقية عاجلة ومباشرة، وأصدر عدة قرارات منها تكليف وزارتي الزراعة والتجارة والصناعة بالبحث عن الدول التي تتوافر فيها فرص مجزية للاستثمار الزراعي والثروة الحيوانية والسمكية، كما كلف مجلس الوزراء وزارات المالية والزراعة والتجارة والصناعة بإعداد الدراسات اللازمة لتأسيس شركة سعودية قابضة للتطوير والتشغيل والاستثمار الزراعي والحيواني في الدول التي يسمح مناخها الاستثماري بقيام مثل هذه الشركات وممارسة نشاطها.
ورغم أن المملكة تباشر سلسلة من الإصلاحات في مجال الزراعة، وهي إصلاحات لم يسبق لها مثيل في تاريخ التطور الزراعي.. إلاَ أن الحكومة يجب أن تباشر خططاً واضحة المعالم في ظروف محلية ودولية تتهدد أمنها الغذائي، ونستطيع القول إن التجارة في السلع الزراعية الآن، وفي ظل الزيادة الهائلة في الطلب على السلع الزراعية والحيوانية.. تعتبر تجارة مربحة ومجزية، وتنافس تجارة العقار، حيث إن الطلب العالمي على هذه السلع يرتفع كثيراً عن العرض، وسيرتفع أكثر إذا ظلت أسعار البترول ترتفع وظلت الدول الصناعية تستخدم السلع الزراعية في إنتاج الوقود الحيوي.
وفي ظل الظروف العاجلة التي تعيشها السوق الزراعية، فإن أنسب الدول التي نرشحها للتوقيع معها على اتفاقية شراكة اقتصادية زراعية جمهورية السودان الشقيق التي تتوافر فيها المياه الوفيرة والأراضي الخصبة، حيث تصل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة إلى أكثر من 200 مليون فدان، بينما المستغل منها لا يتعدى 20 في المائة، كما تتوافر في السودان مياه وفيرة للري سواء من نهر النيل وروافده أو من مياه الأمطار والمياه الجوفية، يضاف إلى ذلك أن السودان يتميز بتنوع المناخ (من 30 إلى 48 درجة مئوية)، وبذلك تتوافر الظروف المناخية لنمو غطاء نباتي طبيعي يسمح بزراعة أنواع مختلفة من المحاصيل الزراعية الحقلية والبستانية، وبناء على ذلك ستتوافر في السودان المراعي الطبيعية الضرورية لقيام ثروة حيوانية واسعة.
الأهم من كل ذلك أن المناخ السياسي بين المملكة والسودان في الوقت الراهن يساعد على البحث في سلسلة اتفاقيات اقتصادية لمصلحة الدولتين الشقيقتين، حيث إن المملكة والسودان يرتبطان باتفاقيات منطقة التجارة العربية الحرة، كذلك سيرتبطان باتفاقية الاتحاد الجمركي العربي الذي سيقود في عام 2015 إلى السوق العربية المشتركة، فالوحدة النقدية والاقتصادية، بمعنى أن المناخ السياسي والاقتصادي ممهد لقيام شراكة زراعية واقتصادية تحقق الأمن الغذائي للدولتين الشقيقتين بنجاح زاخر.
وإذا كنا قد وقعنا اتفاقيات للشراكة الاقتصادية مع دول كثيرة، ومنها الصين، الهند، ماليزيا، تركيا، باكستان، كوريا، واليابان، فإنه حري بنا أن نوقع اتفاقية شراكة اقتصادية مع السودان، فالسودان كما ذكرنا حباه الله بأراض شاسعة وعلى درجة عالية من الخصوبة، ولذلك أطلقوا على السودان سلة خبز العالم العربي، ولكن العالم العربي كما نعرف تذروه رياح الأهواء السياسية يمنة ويسرة حتى حرمته من سلة الخبز طوال ما يقرب من ستين عاما، ولذلك كانت القرارات الاقتصادية ضحية القرارات السياسية طوال تلك الفترة، ويبدو أن الوقت قد حان لتغليب المصالح الاقتصادية العليا على المصالح السياسية السفلى.
نقول في ظل أزمة الغذاء التي يشهدها العالم اليوم، فإن القرار السياسي يجب أن يطوع لمصلحة القرار الاقتصادي، ولذلك يجب على الأراضي الزراعية السودانية أن تعود إلى الواجهة، وتستدعى الرساميل الخليجية والعربية للاستثمار واستخدام أحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا الزراعة.
ونكرر .. نتمنى أن تكون السعودية أولى الدول العربية التي توقع اتفاقية للشراكة الزراعية مع السودان، ومن حسن الطالع أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز قام في الأشهر القليلة الماضية بوساطة موفقة بين السودان وجارتها تشاد تمخضت عن توقيع اتفاقية حسن جوار بين الدولتين الجارتين، ما يعني أن المناخ السياسي بين السعودية والسودان سيساعد على التوصل إلى اتفاقيات اقتصادية لخير الشعبين الشقيقين.