أَسَعْدُُُُُُُُُُُُُُ أم سُعِيدْ؟

أَسَعْدُُُُُُُُُُُُُُ أم سُعِيدْ؟

"في ظل الأجواء الغائمة التي تبدو للوهلة الأولى غير مشجعة لأي جهد بشري، تطوف هذه الزاوية كل أسبوع ببقاع متفرقة دون أن تتقيد بحدود جغرافية لترصد اختلالات متنوعة تدرسها وتعالجها أملا في أن يكون الخلل مفتاحا للصواب".

في مقابلة تلفزيونية في أحد البرامج الوثائقية سئل أحد جنود الاحتلال عن وقت انسحاب الجيش الأمريكي من العراق فأجاب بما نصه "لن ننسحب من العراق حتى نرى لوحة مطعم ماكدونالد في كل شارع رئيس في العاصمة بغداد". هذا البرنامج شاهدته قبل ثلاث سنوات تقريبا وقد تأثرت كثيرا بما سمعت لما لهذا الكلام من مدلولات عديدة لا تقف عند جانب معين، ولا سيما أنها جاءت من جندي بسيط ربما لم تتجاوز رتبته العسكرية رتبة عريف في الجيش الأمريكي. لقد استوعبت ما قاله ذلك الجندي بحسب توجهي ونظرتي الخاصة للأمور، وقلت في وقتها ربما يكون ذلك محفزا للكثير لفهم الآثار السلبية للعولمة الرأسمالية التي يزعم مؤيدوها أنها الوسيلة المثلى لربط الحضارات والشعوب ببعضها، متخطية البعد الجغرافي وجاعلة من العالم قرية صغيرة ذات ثقافة واحدة مكشوفة ومنتشرة، ومحطمة للحواجز الاقتصادية والمالية للشعوب.
وقد مرت الأيام ودخلت المملكة العربية السعودية منظمة التجارة العالمية وأخذت الموضوعات الاقتصادية تعكس نفسها في كثير من الانعطافات المهمة في الاقتصاد السعودي بطريقة لم نشهدها من قبل بعمقها وأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. وفي يوم الثلاثاء الماضي 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007م قرأت مقالا في جريدة "الاقتصادية" تحت عنوان "تحرك لجعل الرياض عاصمة الامتياز التجاري في الشرق الأوسط". لقد جاء في المقال ما يشير إلى أن غرفة الرياض تحشد كل إمكاناتها لجلب نخبة من الخبراء والمختصين في أول مؤتمر دولي للامتياز التجاري "الفرنشايز" في منتصف عام 2008 م. وذهب المقال ليؤكد أن غرفة الرياض أبدت استعدادها لبذل كل الجهود لدعم أي توجه تقوده وزارة التجارة والصناعة في المملكة لزيادة عدد الشركات التي تتعامل مع نظيراتها العالمية من خلال نظام الفرنشايز الذي وجد رواجا كبيرا في الكثير من دول العالم. ووفق هذا النظام تقوم شركة أو مؤسسة سواء تقدم سلعة أو خدمة أو تكنولوجيا بتأجير علامتها التجارية المميزة وكذلك نظمها الإنتاجية والتسويقية والإدارية والمحاسبية لشخص آخر أو شركة أخرى وذلك مقابل مبلغ يدفع إلى مانح الامتياز إضافة إلى نسبة من إجمالي قيمة المبيعات.
إنه من البديهيات التي أصبحت معروفة لدى الجميع أن الشركات متعددة الجنسيات التي خلقت نظام الفرنشايز كبديل للأساليب القديمة المستخدمة للسيطرة على اقتصادات الدول هي بعيدة كل البعد عن الأهداف التي أشارت إليها غرفة الرياض والمتمثلة في إيجاد فرص وظيفية، واستثمارات صناعية جديدة وناجحة للشباب السعودي. إن المتأمل في طبيعة الشركات المستخدمة لنظام الفرنشايز في المملكة يجدها شركات متمركزة وبشكل كبير في قطاعات استهلاكية لا تضيف للاقتصاد السعودي أي قيمة حقيقية، فهي شركات تعمل في قطاع المأكولات والمشروبات، وأدوات التجميل، وخدمات النقل، وخدمات النظافة والصيانة، وفي تجارة الملابس والمنتجات الجلدية. وتبلغ نسبة هذه الأنشطة 74 في المائة من إجمالي الأنشطة العاملة بنظام الفرنشايز في المملكة. نعم إن انخراط الشركات متعددة الجنسية للعمل في المملكة من خلال نظام الفرنشايز سيؤدي إلى زيادة الاستثمارات الأجنبية في بعض القطاعات التي تختارها تلك الشركات، غير أنها بالتأكيد لن تحل مشكلة البطالة لاعتمادها الكبير على العمالة الأجنبية الرخيصة، كما أنها لن تزيد من إنتاجية الفرد السعودي بل ستزيد من هيمنة الثقافة الاستهلاكية وانتشار الاستهلاك الترفي لديه. وقد يأتي من يدعي أن نظام الفرنشايز هو الوسيلة المثلى لنقل التقنية إلى المملكة العربية السعودية، وفي هذا السياق تجب الإشارة إلى أن الدول، ولاسيما الدول النامية من المفترض ألا تقوم بنقل التقنية قبل أن يكون لديها القدرة الكافية على فهم تلك التقنية والإلمام بها واستيعابها. وهذا بلا شك يتطلب من الدولة تحديد احتياجاتها من التقنية وفق ظروفها الخاصة وبما يتناسب وخططها التنموية. كما يجب أن تكون هناك معايير واضحة ومحددة تضمن النقل السليم للتقنية بحيث تفتح المجال لهذه الدول لأن تعمل على تطوير قدراتها التكنولوجية المادية والبشرية وفق شروط متفق عليها وخلال فترة زمنية قصيرة يمكن من خلالها إيجاد بدائل تقنية محلية تتناسب والظروف الاقتصادية والاجتماعية للبلد الذي يتم نقل التقنية إليه. كل هذه أمور يجب دراستها والعناية بها وإيجاد الآليات المناسبة لتفعيلها قبل اختيار التقنية ونقلها. فهل هذه الاعتبارات والمتطلبات موجودة في أذهان من يسعى إلى نشر نظام الفرنشايز في المملكة؟ كنت أتمنى أن أرى إعلانا عن مؤتمر تعقده غرفة الرياض يهتم بكيفية تطوير شركاتنا المحلية للعمل بنظام الفرنشايز خارج حدود المملكة وليس لجلب المزيد من الشركات الأجنبية التي بدأت تتغلغل في جسم الاقتصاد السعودي وتكسب المزيد من السيطرة عليه.
لقد أساءت غرفة الرياض الفهم عندما أشارت إلى أن هذه الشركات التي تعمل بنظام الفرنشايز ستساهم بشكل كبير في خلق فرص وظيفية جديدة للشباب السعودي العاطل عن العمل من الذكور والإناث. إنني أدعو غرفة الرياض للتوجه إلى كورنيش مدينة الخبر في المنطقة الشرقية لإجراء دراسة علمية بسيطة هدفها تحديد طبيعة العلاقة بين عدد الشركات العاملة هناك وفق نظام الفرنشايز وعدد العمالة السعودية التي تم توظيفها في هذه الشركات. إن النتائج التي ستصل إليها الغرفة ـ وللأسف الشديد - ستكون مخيبة للآمال فيما يتعلق بدور هذه الشركات في خلق فرص وظيفية جديدة للشباب السعودي، ناهيك عن النتائج الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السلبية بالغة الخطورة التي سيتم التوصل إليها.

الأكثر قراءة