بنوك العالم تطلب النموذج الشرعي للصيرفة الإسلامية

بنوك العالم  تطلب النموذج الشرعي للصيرفة الإسلامية

دعا أول باحث إسلامي سعودي في الاقتصاد الإسلامي الشيخ الدكتور حمد بن عبد الرحمن الجنيدل الأستاذ في قسم الاقتصاد الإسلامي في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعضو في عدد من الهيئات الشرعية في البنوك والشركات، إلى ضرورة تفعيل دور الرقابة الشرعية في البنوك، وأن ذلك من شأنه أن يجنبها ضعف الأداء الرقابي، مضيفا أن هناك وسائل عدة تحول دون حدوث ذلك.
وأكد الجنيدل أن المصرفية الإسلامية التي جذبت كبار البنوك العالمية الغربية للاستثمار إليها، دليل على أن الإسلام هو الطريق الصحيح للتعاملات الحياتية كافة. وكشف الدكتور الجنيدل أنه بصدد إنشاء بنك إسلامي دولي مع مجموعة من رجال الأعمال وسيتم الإعلان عن تفاصيله في القريب العاجل. واعتبر أن تجربته في العمل في بعض الهيئات الشرعية في البنوك والشركات تجربة مهمة وجيدة ونافعة في جانبها العلمي والعملي كانت دافعة له دائما لمراجعة مدونات الفقه وأصول الفقه وقواعده، وقد كانت هذه التجربة على عدة مراحل.
وقال إن تجربته مع الهيئة الشرعية في بنك الراجحي كانت الأكثر تأثيرا وأنها أكسبته خبرات كبيرة لاستفادته من علماء أجلاء عملوا في الهيئة الشرعية أمثال الشيخ عبد الله العقيل، الشيخ صالح الحصين، والشيخ الدكتور مصطفى الزرقاء رحمه الله، وتطرق إلى عدة محطات أخرى مرت به في حياته وقضايا تهم الشأن الاقتصادي .. إلى التفاصيل:

تخصصكم في الاقتصاد الإسلامي جاء في وقت لم يكن هناك تركيز على هذا المجال، فما دافعكم لذلك ؟
نبعت فكرة التخصص في الاقتصاد الإسلامي حين كتابة رسالة الدكتوراه وذلك سنة 1397هـ، حيث التقيت أستاذي الدكتور عيسى عبده إبراهيم "رحمه الله" حيث كان أستاذا في المعهد العالي للدعوة الإسلامية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (كلية الدعوة والإعلام)، في الوقت الحاضر ثم رَئيس قسم الاقتصاد الإسلامي في كلية الشريعة في الرياض، حيث أكثرت التردد عليه في منزله وفي المعهد العالي فأشار عليّ بأن أقرأ كثيرا في مجال المعاملات المالية الإسلامية التي تسمى في جانب منها الاقتصاد الإسلامي، ثم اقترح عليّ موضوع رسالة الدكتوراه الذي سماه: (مناهج الباحثين في الاقتصاد الإسلامي)، وسجلتها في جامعة الإمام سنة 1397هـ، في قسم الفقه من كلية الشريعة في الرياض، وتم التسجيل تحت إشرافه "رحمه الله"، وأخذت منه أهم المراجع الاقتصادية والاقتصادية الإسلامية، وضممت إليها المراجع الفقهية والأصولية، حيث إن له باعا طويلا في تلك الدراسات الاقتصادية، واستمررت تحت إشرافه حتى لقي ربه سنة 1400هـ.

هذا يعني أن رسالتكم في الماجستير كانت بعيدا عن الاقتصاد الإسلامي؟
رسالتي في الماجستير كان لها خصوصيتها آنذاك وقد كان عنوانها: (نظرية التملك في الإسلام جانب مالي) وهي ذات علاقة بالجانب المالي، وفي خطواتي الأولى لها عرضتها على بعض المختصين في ذلك الوقت ووجدت استحسانا من الذين تم عرضها عليهم وواصلت بحثي في الموضوع المختار حتى حصلت عليها عام 1389هـ من المعهد العالي للقضاء في الرياض، ثم كان توجهي بعد حصولي عليها في القراءة المستمرة والكتابة والمشاركة في جانب الاقتصاد الإسلامي، والتأم الشمل مع ثلّة من الباحثين في ذات التخصص، وهم بمثابة زملاء لي منهم: الأستاذ الدكتور شوقي أحمد دنيا، والأستاذ الدكتور رفعت العوضي، والأستاذ الدكتور يوسف إبراهيم، ثم أستاذي أخيرا المشرف على إكمال رسالة الدكتوراه الأستاذ الدكتور محمد شوقي الغنجري، وذلك بعد وفاة أستاذي الدكتور عيسى عبده إبراهيم "رحمه الله"، وتخصصي الدقيق (فكر اقتصادي إسلامي)، ثم طوّرت نفسي ذاتيا مع الدراسات الاقتصادية وما حولها من مقارنات بالاقتصاد الإسلامي، واطلعت على أغلب ما كتبه الباحثون في الاقتصاد الإسلامي الذين سبقوني في ذلك، فتكونت لديّ بفضل الله خلفيّة وثروة فكرية ضممت إليها تخصصي في الفقه وما كتبه علماء أصول الفقه، ولا أزال بفضل الله أتابع ما يكتب وينشر قدر جهدي.

هل سبقك أحد في الحصول على شهادة الدكتوراة في الاقتصاد الإسلامي من السعوديين؟
لقد وفقني الله سبحانه وتعالى في التخصص في الاقتصاد الإسلامي في ذلك الوقت وكنت بفضل الله ومنته أول باحث في الاقتصاد الإسلامي نال درجة الدكتوراه في المملكة العربية السعودية، وأنا على رأس العمل في قسم الاقتصاد الإسلامي في كلية الشريعة في الرياض.. حيث نوقشت في 1/2/ 1402هـ، وحصلت على مرتبة الشرف الأولى في الفقه في جانبه المالي، وناقشها العلامة الأستاذ الدكتور أحمد فهمي أبو سنّة "رحمه الله" حيث أثرى الرسالة بجوانبه الفقهية، وأضاف لها بعدا جديدا، وكان هذا سبب تخصصي في الاقتصاد الإسلامي وانصرافي إليه، فأنا اعتبر نفسي منذ دراستي في المعهد العالي للقضاء سنة 1397هـ حتى تأريخ كتابة هذه السطور أي منذ 41 عاما وأنا رفيق دَرْب للاقتصاد الإسلامي – إن صح التعبير وأنا فخور بذلك وجذل به، واسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.

هل كان لفضيلتكم مشاركات في المؤتمرات واللقاءات التي تتعلق بجانب الاقتصاد الإسلامي في بداية توجهكم للتخصص فيه؟
حضرت قبل التسجيل للدكتوراه بعض المؤتمرات واللقاءات في جانب الاقتصاد الإسلامي ومن أبرزها المؤتمر الاقتصادي الإسلامي الأول في المملكة العربية السعودية في مكة المكرمة مستفيدا ومتابعا لجلسات المؤتمر الذي عقد في رحاب جامعة أم القرى، سنة 1395هـ، وحضره أستاذي الدكتور عيسى عبده "رحمه الله"، وجمهرة من الفقهاء والاقتصاديين حيث نوقشت بحوث في مجال المعاملات المالية الإسلامية، ومسائل التأمين، وكان من أبرز الحاضرين: الشيخ محمد أبو زهرة "رحمه الله"، والشيخ حسنين مخلوف، والدكتور الفقيه الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء – رحمه الله - حيث قدم بحثه الشهير حول عقد التأمين، واتجه إلى جوازه شرعا.

هناك من يعدكم من رواد الاقتصاد الإسلامي كأول متخصص في هذا الجانب، فما ثمار تجربتكم التي امتدت لأكثر من 41 عاما؟
بالنسبة لوصفكم لي بأنني من رواد الاقتصاد الإسلامي فلعلّ في هذا مبالغة، ولكني سبقت بالتاريخ فقط تلامذتي وطلاب علم الاقتصاد الإسلامي تاليا للرعيل الأول، وعلى رأسهم أستاذي الدكتور عيسى عبده إبراهيم، وكثير من الأساتذة الأفاضل كالدكتور محمد نجاتي صديقي، ويتضح ذلك من خلال كتابي (فهرست الاقتصاد الإسلامي خلال عشر سنوات)، بدءا من سنة 1395هـ إلى سنة 1405هـ، فقد سبرت فيه أغلب ما كتب في الجانب الاقتصادي الإسلامي وهو في الحقيقة امتداد لما سطره يراع الأستاذ الدكتور محمد نجاتي صديقي في كتابه: (فهرست الاقتصاد الإسلامي)، ويسبق كتابي بعشر سنوات أو تزيد، فقد بدأت من حيث انتهى، وقد يسّر الله التفرغ لتلك المادة العلمية الجديرة بالبحث والمتخصصة والجامعة بين الفقه والاقتصاد، وأعود فأقول إن الريادة الحقة لأستاذي الدكتور عيسى عبده إبراهيم، وأستاذي الدكتور محمد شوقي الغنجري، وأمثالهما من الفقهاء الذين اجتهدوا في إبراز جوانب الاقتصاد الإسلامي .
وحقيقة لم أضع منهجية للدراسات الاقتصادية الإسلامية، بل إن موضوع رسالة الدكتوراه كما هو عنوانها (إبراز مناهج الباحثين في الاقتصاد الإسلامي)، ومقدمة صافية لذلك في الجزء الأول من الرسالة حول أدلة التشريع وحجيتها ومقارنتها وإسقاط ذلك على المسائل الفقهية الاقتصادية، والذي عملته آخرا هو كتابي منهج البحث في الاقتصاد الإسلامي، وهو امتداد طبيعي لرسالة الدكتوراه، فهذا الكتاب الأخير من وجهة نظري بحكم تخصصي في التدريس لأكثر من مادة لها علاقة بهذا الموضوع، خاصة وقد درست في الدراسات العليا في قسم الاقتصاد الإسلامي مادة (مناهج البحث)، شملت مناهج البحث في الدراسات الاقتصادية الإسلامية وبخاصة البنوك الإسلامية.
والذي كتبته في رسالة الدكتوراه منهج لـ 47 شخصية علمية ابتداء بعصر الصحابة وانتهاء بعصرنا هذا، وقد اخترت الأستاذ الدكتور أحمد عبد العزيز النجار ودراسته المنهجية في البحث والتطبيق، حيث يعد علامة ورمزا بارزا في إنشاء البنوك الإسلامية مع أستاذي الدكتور عيسى عبده إبراهيم "رحمهما الله"، وكتابي منهج البحث في الاقتصاد الإسلامي خلاصته خبرتي العلمية والعملية وأرجو أن يتم طبعه قريبا، فقد احتجب كثيرا مع أهميته، فتبين من هذا العرض أنني مشارك للرواد مشاركة متواضعة، وطوّرت شيئا فشيئا ما أستطيع.

كان لكم تجربة مع الهيئات الشرعية في البنوك كيف تقيمها؟
تجربتي في العمل في بعض الهيئات الشرعية، اعتبرها تجربة مهمة وجيدة ونافعة في جانبيها العلمي والعملي، وهي دافعة لي دائما لمراجعة مدونات الفقه وأصول الفقه وقواعده، وما سطره علماؤنا السابقون في كتب النوازل، وما استنتجوه من ثاقب فكرهم، وعلى رأسهم كنموذج أئمة كبار فقهاء كأبي يوسف القاضي صاحب كتاب الخراج، ومع الإمام محمد بن الحسن الشيباني وشيخهما الإمام أبو حنيفة، والإمام الشافعي، وغيرهم مما لا أطيل بذكرهم.. وتلا ذلك الشمس المشرقة في عصور متأخرة الإمامان شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وتلميذه الجهبذ العلامة ابن القيم "رحمهما الله تعالى"، وأضيف إلى ذلك فقه الواقع في المعاملات المالية المعاصرة قارئا ومتأملا ما يصدر من الفتاوى الاقتصادية من جميع البنوك الإسلامية والمجامع الفقهية، وما يكتبه بعض الدارسين من الفقهاء خاصة فقهاء الاقتصاد المعاصرين، ثم أسقط على تلك الدراسات خلفيتي في أصول الفقه والفقه فحصل من ذلك بعد توفيق الله التأمل المستمر والقراءة المتأنية بعد سؤال الله جلا وعلا أن يحسن النية. وقد عملت في شركة الراجحي المصرفية لعدة سنوات عضوا للهيئة الشرعية، شرفت فيها بتتلمذي على يد سماحة شيخي رئيس الهيئة الشرعية الشيخ العلامة الفقيه حقا عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل، وأنا جِدُّ مسرور بذلك، وقد رافقنا في تلك الرحلة العلمية معالي الشيخ الناقد البصير الفهّامة الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين، أمدّ الله في عمريهما، وصحبة شيخنا الأستاذ الدكتور الفقيه مصطفى أحمد الزرقاء "رحمه الله"، هؤلاء الثلاثة كانوا شمسا مشرقة في سماء الاقتصاد الإسلامي عند شركة الراجحي ، وقد أصدرت تلك الهيئة منذ فترة ثلاث مجلدات لبعض قرارات الهيئة الشرعية، وطبعت، ويستفاد حاليا منها في مجال الفتاوى الاقتصادية الإسلامية والمعاملات المعاصرة.

وكيف تنظر لعملكم في بنك الراجحي كأول خطوة في مشوار البنوك؟
اعتبر عملي في الهيئة الشرعية لدى شركة الراجحي من أهم المحطات في حياتي العلمية والعملية، إذ إن المحطة الأولى هي التدريس في الجامعة، وقد امتن الله عليّ بأنني ناقشت رسالة علمية لدرجة الدكتوراه لأحد تلامذتي النابهين، وموضوعها: (شركة الراجحي ما لها وما عليها)، وذلك أثناء انضمامي عضوا في الهيئة الشرعية، وهي للباحث الدكتور راشد بن أحمد العليوي، وقد نوقشت في جامعة أم القرى، وأظن أن مناقشتها سنة 1416هـ، وعملت فترة طويلة في البنك العربي الوطني مستشارا ورئيسا للهيئة الشرعية بصحبة زملاء أماجد، ولظروف خاصة جدا تركت العمل في البنك العربي الوطني ثم شاركت ولا أزال عضوا لبعض الهيئات الشرعية لشركات كبرى في المملكة، منها ما هو بصحبة شيخنا العلامة الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع، وأنا سعيد جدا بتلك الصحبة العلمية لأستاذ وشيخ ناقد بفهم وتبصر واطلاع من كثب ومثابرة ومعاناة للفتوى مع عضويته لهيئة كبار العلماء، وكل تلك الجهود الهدف منها تصحيح مسار النشاط الاقتصادي وأسلمته وتوجيهه الوجهة السليمة نحو التطبيق السليم.. مع التركيز دائما في عملي وعمل الهيئات الشرعية بعامة على فقه الواقع (فقه النوازل)، ولا شك أن ما يخرج من الهيئات الشرعية أعتبره فقها استشاريا تبين فيه الاجتهاد والتوفيق من الله تعالى. وعودا على بدء أرى أن تجربتي في شركة الراجحي تجربة جيّدة ومهمة وذلك لريادة الشركة في مجال التطبيق الاقتصادي الإسلامي (قدر استطاعتها).

هناك من يرى أن اتجاه البنوك وبعض الشركات للأسلمة كان بدافع ربحي بحت؟
لا أتفق مع من يقول إن هذه الربحية المادية هي الدافع الأساسي، وإن حصل من البنوك أو الشركات هذا الاتجاه وأرجو ألا يحصل في السواد الأعظم، وهذا بحكم تجارب كثيرة فهم يتقدمون إلى العلماء والفقهاء بأنفسهم ويلزمون أنفسهم بالعمل بما يخرج عن الهيئات الشرعية تطبيقا دقيقا، وأقصد بهم البنوك والشركات الكبرى والشركات المساهمة والشركات ذات المسؤوليات المحدودة، وغيرهم ممن يريد تعديل مساره في نشاطه الاقتصادي وتحري الربح الحلال، فهم – إن شاء الله - لديهم الرغبة الصادقة في تصحيح المسار، بل إنهم ينشدون تصحيح المسار قبل البدء بإنشاء الشركة، ولديهم بفضل الله حس إسلامي وغيرة وحب لكسب المال الحلال الطيب والطاهر، وتلك نقطة نحمدها لهم، فهم في الجملة من سماتهم الصدق في التوجه، وما قد يقال عن بعضهم فلعل القائل ممن يجهلون واقع هؤلاء وإلقاء الكلام على عواهنه دون نظر في توجههم وما تأسست عليه تلك الشركة أو ذلك البنك، وأعود فأقول لنا الظاهر والله يتولى السرائر.. ولكني أتحدث عن المسلمين أما غيرهم فهو واضح جدا أن هدفهم الربحية لاقتناعهم بأن المنهج الإسلامي هو الطريق السليم للربحية، فلهذا نجد في الوقت الحاضر بنوكا لغير المسلمين نبذت الربا وسلكت المنهج الإسلامي في التمويل والاستثمار.

كيف ترى ثمرة اتجاه بعض البنوك في العالم الإسلامي إلى الأسلمة؟
ثمرة اتجاه البنوك للأسلمة في الدول الإسلامية ثمرة جيدة، بل شجرة سامقة في أنحاء العالم شرقه وغربه ناجحة بكل المقاييس أمام السمع والبصر، والأرقام تتحدث، فما بالك بـ (ترليون مليار ريال) منحت لقرض البنوك الإسلامية في أنحاء العالم، والأخبار اليومية تملأ أرجاء المعمورة من جميع القنوات الإعلامية والمؤلفات العلمية والبحوث والدراسات واللقاءات المستمرة في هذا المجال، إضافة إلى التطبيق في كل مكان من بلاد المسلمين وغيرهم، بل اتجه ذلك إلى ثلاث من الدول الإسلامية بالتطبيق الكامل للصيرفة الإسلامية وهي: السودان وباكستان وإيران؛ حيث تحولت البنوك كلها إلى بنوك إسلامية، والتجربة مثمرة وناجحة، وهذه بنوك العالم تخطب ود المسلمين وتطلب منهم النموذج الشرعي الأمثل للصيرفة الإسلامية، وآخر الأخبار بنك باركليز وهو من أشهر البنوك العالمية، وبنك كندا، والأرصدة لدى البنوك الإسلامية بالمليارات، بل تجاوزت المليارات في السيولة التي تحتاج وتنتظر للتوظيف والاستثمار، والأرقام جاوزت المئات في البنوك الإسلامية وفروعها في أنحاء العالم، وأمامك ماليزيا نموذج فريد في التطبيق، وبنوك الخليج التي طبقت الأسلمة أو أنشئت بنوك إسلامية منذ أكثر من 40 عاما، كبنك دبي الإسلامي وبيت التمويل الكويتي وبنوك أخرى ولا ننسى شركة الراجحي الرائدة في مجال التطبيق الاقتصادي الإسلامي فالثمرة واضحة كالشمس في رابعة النهار، إلا أن لي بعض الملاحظات على كثير من تلك البنوك وغيرها حال التطبيق، وهذا شيء طبيعي في كل عمل وهي مجرد ملاحظات وتعقيب لا تثريب، وعتاب خفيف لعله يصحِّح المسار أكثر، أعدكم بنشرها بإذن الله من خلال جريدتك الناجحة، ولكل تجربة محطات واستراحات ومراجعة للذات والتأكد من صحة التطبيق ومعرفة ما للتطبيق من محاسن وما عليه من مآخذ، وهذا يعطي المطبقين للأسلمة قوة ودفعات إلى الأمام وببصيرة جديدة فقد اندحر الباطل وانهزم وانحسر وانخنس، فهذه البنوك آتت أكلها بإذن ربها.. ونؤكد على سلامة القصد والتوجه إلى الله تعالى حتى يبارك الله لها، ألا يلبسوا عباءة لأهداف أخرى، والله المستعان.

إقبال الغربيين على المصرفية الإسلامية والأسلمة لبنوكهم في تزايد، هل لأن المصرفية الإسلامية تبيض ذهبا؟
إقبال الغربيين على المصرفية الإسلامية والأسلمة لبنوكهم، هذا سؤال جيد، فإقبالهم حتى لو كان الهدف الربحية فهو ظاهرة صحية ودليل على نجاح البنوك الإسلامية، ولأنه في الواقع الطريق الصحيح للاستثمار والتنمية فهدف هؤلاء تعظيم الربحية وارتفاع سقفها ، فهم يرون أن طريق الاقتصاد الإسلامي هو الطريق الصحيح الذي ينبغي أن يسار عليه، وهو اعتماد أسلوب المشاركة بعدة أساليب المضاربة والمشاركة وغيرهما من صيغ الاستثمار الشرعية والتمويلية عن طريق عقد السلم وعقد الاستبضاع والمرابحة والتورق وأسميه أحيانا "التورط" نظرا لصعوبة تطبيقه بشروطه الفقيهة، والإيجار المنتهي بالتمليك أو الوعد بالتمليك، فالبنك ينبغي أن يكون تاجر سلعة وخدمة لا تاجر نقد؛ لأن النقد ليس محلا للتجارة فهو وسيط فقط، فلا مكان للربا في اقتصاد المسلمين، وقد أشرت إلى أن بنك باركليز انضم إلى كوكبة المطبقين للتجربة الإسلامية بجزء من عمله، وهؤلاء إن لم يهتموا بالإسلام فلا شك أن الله يؤيد هذا الدين من غير المسلمين، أسأل الله أن يهدي جميع الناس للتطبيق الاقتصادي الراشد.

يرى بعض الشرعيين أن هناك من العلماء من يتساهل في الفتوى بدعوى التيسير، ما رأيكم؟
ما يقال أن بعض العلماء ينسب إليهم التساهل في الفتاوى فهذا غير صحيح، وأرى أنه انطلاقا من القاعدة الشرعية في رفع الحرج وعدم التضييق على الناس في أمورهم المادية ونظرا لقاعدة الأصل في المعاملات الإباحة والحل ما لم يرد دليل نص يحرم ذلك في مجال المعاملات المالية، وتمسّك من بعض العلماء بالتيسير مبنيا على اجتهاد منهم ونظرا إلى أن لكل فتوى ظروفها ولكل مستفت كذلك ظروفه؛ ولأن العالم والمفتي يفتي على نحو ما يسمع ويسأل؛ ولأن العالم الميسِّر - حسب سؤالكم – ربما اطلع على ما كتبه الإمام ابن حمدان صاحب الرعايتين في كتابه صفة الفتوى والمستفتي والمفتي، حيث يقول: "إن المستفتي إذا سأل العلماء فإن كان سؤاله قد وقع منه فإجابتنا له في باب الرخص رفعا للحرج - أي نبحث له عن مخرج - أما إن كان يسأل قبل أن يقع فيه ما يسأل عنه بحثنا له عن أقوى الأمور في الشريعة ليعلم قيمة الشرع وأن الشريعة هي الحاكمة... أ.هـ.
أقول لا ضير على أحد المفتين أو بعضهم إذا أفتى في مسألة ما أو مسألتين بل ولو في عدة مسائل بما عليه اليسر والسهولة، إذا كان ذلك ناتجا عن ظروف السائل له فقط، وناتجا عن اجتهاد وتأن في الفتوى، والاستخارة حال الإجابة؛ لأن هذا منهج التيسير في الشريعة ورفع الحرج؛ لكن ينبغي أن يستبطن علما وفقها ونية حسنة، والصحابة كانوا يتدافعون الفتوى ورعا منهم، وهم الفقهاء حقا - رضي الله عنهم -.. فاليسر في المعاملات من محاسن الشريعة؛ لكن الذي ينبغي ألا يشتهر أحد المفتين بالتساهل في فتواه، أنصحهم بأن يتقوا الله في ذلك حين يفتون وألا يفتوا إلا بما ينتهي إليه علمهم، وليعلم هذا المفتي أنه موقع عن رب العالمين وقد أخذنا هذه العبارة من شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية حيث سمى كتابا له باسم (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، وكتب داخله ما يسر المسلم أن يقرأه من منهج الفتوى ومن يؤهل لها.

يتردد في الوسط الاقتصادي الإسلامي أنكم بصدد إنشاء بنك إسلامي دولي مع عدد من رجال الأعمال، فما مصداقية ذلك ؟
سؤالكم عن اشتراكي في إنشاء بنك دولي إسلامي فهذا هو توجهي حاليا مع نخبة ممن لهم رغبة من رجال الأعمال، ولا يزال تحت التشاور، وتكاد اللجنة التحضيرية أن يلتئم شملها، فكل بنك إسلامي وشركة إسلامية تنشأ يُسَّر بها المسلمون ويعتز بها الاقتصاد الإسلامي وسيتم الإعلان عن ذلك رسميا في الوقت المناسب.

يلاحظ ضعف الرقابة الشرعية على البنوك خصوصا فيما يتعلق بتصميم المنتجات وتطبيق الفتاوى؟
بالنسبة لضعف الرقابة الشرعية على البنوك وبعض الشركات، أحب أن أقول إن الهيئة الشرعية في أي بنك لا تقوم بتصميم المنتجات مباشرة بل إن الأسئلة الصادرة من البنك نفسه تتضمن هل هذا العمل المسؤول عنه يسير طبقا للشريعة أم لا، إضافة إلى عقود البنوك وغيرها مع أي جهة تعرض على الهيئة الشرعية والاستفتاء من المطبقين لفتاوى الهيئة، بعد ذلك الهيئة الشرعية قد تقترح منتجات إسلامية بكاملها من خلال بحث مزود بالأدلة الشرعية والرؤية الإسلامية، فمثلا (بحث البطاقة)، ليس من مانع أن تكتب الهيئة الشرعية بحثا كاملا عنها ومن ثم تصدر البطاقة الإسلامية للجهة المستفيدة مدعمة بالدليل الشرعي والطريقة الصحيحة لطرحها للمتعاملين مع البنك، ومعلوم للجميع أن ما يصدر عن الهيئات واللجان الشرعية ملزم للبنك أو الشركة شرعا ونظاما.. حسب النظام الداخلي لأي هيئة شرعية.
أما عن ضعف الرقابة على تطبيق تلك الفتاوى فهذا ليس من عمل الهيئات الشرعية، فهم مفتون، وعلى الجهة المستفتية التطبيق للفتوى، وإن كانت الهيئات الشرعية حسب اطلاعي شخصيا من خلال عملي معهم تسأل عن مصير تلك الفتوى، وما أثر ذلك في جنبات البنك وعملائه وتصحيح المسار قدر استطاعتها، والمطلوب من كل شركة أو بنك لديه هيئة شرعية أن يعمل وينشئ إدارة كاملة للرقابة على تطبيق قرارات الهيئة الشرعية، وأظن أن شركة الراجحي أنشأت نموذجا يمكن أن يسار عليه، مع أن شركة الراجحي نظرا لضخامة عملها وأهميته ينبغي أن تكثف الرقابة وتزيد المستشارين الشرعيين الذين يحسنون فهم الفتاوى ومتابعتها حال التطبيق من الموظفين، وقد أسست في بعض البنوك إضافة إلى الراجحي رقابة شرعية، كالبنك الأهلي التجاري، مهمتها متابعة ما يصدر من الهيئة الشرعية في جميع عقودها ومعاملاتها، وهذا عمل مشكور، ومهم جدا لتفعيل فتاوى وقرارات الهيئات الشرعية.

ما الحل لتجاوز مثل هذه السلبيات ووقوع الأخطاء من البنوك ؟
أقترح لتجاوز ذلك تنظيم دورات مستمرة في الصيرفة الإسلامية والمعاملات المالية لجميع موظفي البنوك الذين يباشرون تطبيق قرارات الهيئة حتى تقل الأخطاء في التطبيق، ولئلا ينسب إلى الهيئات الشرعية ضعف الرقابة إذ ليس من صميم عملها ذلك، فالمهم هو تدريب الموظفين وتزويدهم بكل ما يحقق لهم فهم الفتاوى الصادرة، قدر الإمكان، وكل ذلك تحت مسؤولية وإشراف مسؤولي البنوك والشركات، ولو قلنا مثلا بنك ما لديه 4500 موظف بل قد يزيدون على ذلك، ولديهم هيئة شرعية مكونة من أربعة أو خمسة على الأكثر وغير متفرغة، وتصدر القرارات والفتاوى المتتابعة وتقوم أمانة الهيئة بإيصال ذلك للمسؤولين ثم تأتي مهمة التطبيق لهؤلاء الموظفين فبالتأكيد أنه سيحصل خطأ في التطبيق في الغالب، وذلك في فهم فحوى الفتوى وتفسيرها وتطبيقها، وأنا في الواقع أقول لا ينبغي أن يكتفى بعرض الفتوى لدى الجمهور في مكان بارز فقط؛ لأن المهم هو إتقان التطبيق تماما ولو تم اختيار موظفين جامعيين من طلبة العلم الشرعي وخريجو معهد الإدارة، ومن له الخبرة والخلفية من العاملين في المصارف الإسلامية كمشرفين على التطبيق فباستطاعتهم أن يرأسوا عددا من الموظفين فنطمئن، وتؤدي الحالة هذه إلى سلامة التطبيق للقرارات والفتاوى، ويمكن أن يضاف الخبراء في الصيرفة ومعهم الشرعيون وخريجو المعاهد المصرفية، فالفقه في المعاملات لا بد أن يضاف له أيضا فهم المصرفية الإسلامية، وأختم إجابتي لهذا السؤال بأن أقترح على مسؤولي الشركات والبنوك تنظيم زيارات مستمرة ومتتالية لأعضاء الهيئة الشرعية للفروع، أو لأهم الفروع، واستقبال أسئلة رؤساء الفروع، وهذا جانب مهم من عمل الهيئة الشرعية وإن تم فإنه يزيد المتعاملين مع البنك أو الشركة اطمئنانا ويعمق المعرفة الشرعية حال التطبيق.. والله أعلم..

الأكثر قراءة