حدثان متوقعان يزيدان الضغط على الريال: تأجيل العملة الخليجية وخفض الفائدة على الدولار

حدثان متوقعان يزيدان الضغط على الريال: تأجيل العملة الخليجية وخفض الفائدة على الدولار

اعتبر تقرير اقتصادي أعده براد بورلاند رئيس الدائرة الاقتصادية والأبحاث في "جدوى للاسثتمار" أن خفض سعر الفائدة على الريال خلال الأيام الماضية يشير إلى التزام مؤسسة النقد بسياسة ربط الريال بالدولار، إلا أن هذا الإجراء لن يكون النهاية لقصة تعديل سعر الصرف. ويمكن القول إن الثقة بالربط آخذة في التضاؤل. وقال التقرير إن هناك حدثين الشهر المقبل سيزيدان الضغط على الريال هما: توقعات بإقرار تأجيل العملة الخليجية الموحدة خلال قمة الدوحة, والحدث الثاني هو احتما للجوء مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) إلى خفض سعر الفائدة بـ 25 نقطة في الحادي عشر من كانون الأول (ديسمبر) المقبل. إلى التفاصيل:

استجابة منها لنوبة الضغوط غير المسبوقة على سياسة ربط الريال بالدولار الأمريكي فقد أكد لجوء مؤسسة النقد العربي السعودي إلى خفض أسعار الفائدة على الودائع لديها في 24 تشرين الثاني (نوفمبر)، بحيث أصبح الاحتفاظ بالريال مقابل الدولار أمراً غير مرغوب فيه، أكد تصميمها على الاستمرار في سياسة الربط رغم عدم تمكنه من دفع سعر الريال مقابل الدولار للعودة إلى المستوى الذي ظل محافظاً عليه طيلة 21 عاما. ومن الواضح أن إجراء خفض سعر الفائدة وحده لم يكن كافياً لإنهاء التكهنات حول عملية الربط، إلا أنه يعد مؤشراً مهماً للسوق بأن مؤسسة النقد لا تزال ملتزمةً بنظام سعر الصرف الحالي بعد فترة من عدم اليقين. لكن ربما تكون هناك تداعيات سلبية على التضخم بسبب أسعار الفائدة المنخفضة.
وكانت الضغوط قد ازدادت على الريال الأسبوع الماضي حيث تم تداوله في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) بسعر 3.705 ريال للدولار، مما يعد أعلى مستوى له منذ تطبيق نظام الربط في عام 1986م، بل ويزيد على سعره الرسمي البالغ 3.75 ريال للدولار. وبالرغم من أن هذا الفرق يبدو صغيراً، إلا أن الرسم البياني على اليمين يشير إلى تغيير كبير في النطاق الضيق حول السعر الرسمي الذي عادة ما يتم تداول الريال على أساسه. سيصل سعر الصرف المتوقع لسنة تالية، وهو معيار لما يتوقعه السوق بخصوص سعر صرف الريال مقابل الدولار خلال مدة سنة واحدة، إلى ما يقارب 3.585 ريال سعودي للدولار، ما يعني أن بعض المشاركين في السوق كانوا يراهنون على أن يتعزز سعره بنسبة 4.4 في المائة.
وتأتي معظم الضغوط على الريال من الأسواق الخارجية، حيث تنفذ بنوك في دبي، البحرين، ولندن صفقات صغيرة نسبياً عند مستويات تزيد على السعر الرسمي. كذلك قامت البنوك السعودية، وهي المسؤولة عن معظم المعاملات بالريال السعودي، بإجراء تعديل طفيف على أسعارها ولكن ليس بمستوى البنوك الخارجية نفسها. وبما أن الشركات السعودية قادرة على الحصول على الريال السعودي من الخارج بسهولة، فإن عدم الترابط الكبير والمستمر بين السعر الرسمي وسعر السوق يثير الشكوك حول واقعية السعر الرسمي.
ومما لا شك فيه أن قضية الضغوط على الريال تمثل معضلة لمؤسسة النقد، فتخفيض أسعار الفائدة هو أسهل طريق لتخفيف الضغوط على العملة على المدى القصير، إلا أن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تضيف ضغوطاً تضخمية أصبحت بدورها تمثل مشكلة (حيث بلغ مستوى التضخم في شهر أيلول (سبتمبر) 4.9 في المائة). لقد كان قرار مؤسسة النقد عدم تعديل سعر الصرف عندما تم خفض سعر الصرف بواسطة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في منتصف أيلول (سبتمبر) هو الحدث الذي أطلق الجولة الحالية من الارتفاع في الريال السعودي، ذلك أن السوق كانت قد فسرت تلك الخطوة على أنها بمثابة دليل على أن المملكة العربية السعودية ستقوم بفك ارتباط سياستها النقدية عن السياسة النقدية للولايات المتحدة الأمريكية وأنها تخطط للتخلي عن ربط الريال بالدولار.
وبعد فترة من التروي الذي زاد من الغموض في السوق بشأن التوجه المستقبلي للريال، قامت مؤسسة النقد في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) بخفض سعر إعادة الشراء العكسي بـ 50 نقطة أساس (0.5 في المائة)، بحيث أصبح 4.25 في المائة. وتبعاً لذلك قامت البنوك السعودية بسرعة بخفض سعر الفائدة الذي تدفعه على ودائع الريال إلى 4.0 في المائة)، أي 60 نقطة أساس دون سعر الفائدة الذي تدفعه على ودائع الدولار. وقد أدى هذا الإجراء إلى تحقيق هدف مؤسسة النقد المتمثل في جعل الإقبال على الحفاظ على الودائع بالريال أقل جاذبية من الإقبال على الودائع بالدولار.
ومن أجل التعامل مع المخاوف من التضخم، لجأت مؤسسة النقد إلى رفع معدل الاحتياطي للبنوك التجارية على الحسابات الجارية من 7 في المائة إلى 9 في المائة في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري. ويعني ذلك أنه يتعين على البنوك التجارية أن تودع لدى مؤسسة النقد مبالغ تعادل 9 في المائة من القيمة الإجمالية لودائع الحسابات الجارية لديها. وتؤدي زيادة حجم الأموال التي يجب الاحتفاظ بها كاحتياطي قانوني إلى تقليل المبالغ المتاحة للإقراض، وبذلك يتم تخفيض نمو الائتمان.
ونعتقد أن مؤسسة النقد ستحتاج الآن إلى فترة من الزمن لمراقبة رد فعل سوق النقد الأجنبية إزاء خطوة تعديل أسعار الفائدة الأخيرة قبل الإقدام على اتخاذ الخطوة التالية. ولم يظهر خلال الأيام القليلة التي أعقبت الخفض ما يدل على أن قيمة الريال قد تحركت باتجاه السعر الرسمي، بل على العكس لامست الحد الأدنى لها على الإطلاق في 26 تشرين الثاني (نوفمبر). وعلى أية حال يعد الخفض دليلاً واضحاً على أن مؤسسة النقد لا تزال ملتزمة بسعر الصرف الحالي وربط الريال بالدولار.
وليس من الواضح تماماً مدى فاعلية الشروط المتشددة الخاصة بالاحتياطي في كبح القروض البنكية ومن ثم التضخم، إلا أننا نعتقد أن النمو في الائتمان لم يصبح بعد عاملاً رئيسياً وراء ارتفاع التضخم. وعلاوة على ذلك، فإن للبنوك التجارية أموالاً أكثر، مما هي مستعدة لإقراضها إلى القطاع الخاص "انخفضت نسبة قروض القطاع الخاص من البنوك التجارية إلى إجمالي الودائع من 89 في المائة في نهاية عام 2005م إلى 81 في المائة في أيلول (سبتمبر)"، وهو ما يجعلنا نعتقد أنه لن تكون للزيادة في شروط الاحتياطي تأثيراً كبيراً على الاقتراض من البنوك. لقد شرع الائتمان المقدم إلى القطاع الخاص في التقاط أنفاسه خلال عام 2007م، لذا فلن يكون لخطوة مؤسسة النقد أي أثر إلا بعد انقضاء عدة أشهر.
وعلى الرغم من أن خفض سعر الفائدة يشير إلى التزام مؤسسة النقد بسياسة ربط الريال بالدولار، إلا أن هذا الإجراء لن يكون النهاية لقصة تعديل سعر الصرف. ويمكن القول إن الثقة بالربط آخذة في التضاؤل، ذلك أن العديد من التحليلات خارج المملكة تعتقد أن الاختلاف في مقتضيات السياسة النقدية بين الولايات المتحدة (حيث تشهد أسعار الفائدة انخفاضاً) والمملكة العربية السعودية (حيث إن أسعار الفائدة كانت سترتفع لاحتواء التضخم لولا وجود الربط) تجعل من الاستمرار في الربط أمراً لا يقبل المساندة. ففي هذه الظروف، قد يكون رد فعل الأسواق غير متناغم. فعلى سبيل المثال، جاء تكثيف الضغوط على ربط الريال بالدولار الأسبوع الماضي نتيجة لتعليقات من مصادر لم تكن لتؤثر في الريال في ظل الظروف العادية.
وهناك حدثان الشهر المقبل قد يخلقان المزيد من الضغوط على الريال هما:
* غالبا ما يقرر قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم المزمع عقدها في 4 كانون الأول (ديسمبر) تأجيل تطبيق نظام العملة الواحدة في جميع دول المجلس، كما أن تصريحاتهم التي قد يطلقونها حول ترتيبات أسعار الصرف ستتم دراستها بعناية.
* من المتوقع أن يلجأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في 11 كانون الأول (ديسمبر) إلى خفض أسعار الفائدة بـ 25 نقطة أساس أخرى. وبالرغم من التخفيضات الأخيرة في أسعار إعادة الشراء العكسي، فإنه من المتوقع أن تقتفي المملكة أثر "الاحتياطي الفيدرالي".
إذاً ما المتوقع مستقبلا؟ إذا تعززت قوة الدولار في الأسواق العالمية، فسنتوقع أن تخف الضغوط على الريال. ولكن إذا واصل الدولار انخفاضه وبدا أن مؤسسة النقد غير قادرة على التعاطي مع الفارق الجوهري والمتواصل بين سعر الريال إلى الدولار في السوق وبين الأسعار الرسمية، فيعني ذلك أن مؤسسة النقد قد تبدأ سلسلة تعديلات تدريجية في سعر الصرف نفسه كما فعلت من قبل أثناء هبوط أسعار النفط في السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وعلى أية حال، فإننا لا نتوقع حدوث أي تغيير بخصوص سياسة ربط الريال بالدولار مقابل عملة أخرى أو سلة عملات. ونعتقد أن تغييراً كبيراً في سياسة استمرت لفترة طويلة من الزمن يجوز النظر فيه ودراسته بعد تدابير متأنية ولا يمكن الإقدام عليه نتيجة لضغوط السوق.
وحتى الآن، لا نزال نتمسك برؤيتنا بأن مساوئ تغيير سياسة ربط الريال بالدولار تفوق كثيراً الفوائد المرجوة منه، وذلك للأسباب التي أوضحناها في تقريرنا لشهر آب (أغسطس) 2007م تحت عنوان "ارتباط الريال بالدولار"، وعليه نتوقع أن يبقى ربط الريال بالدولار قائماً. ونود كذلك التأكيد على أن التحديين المتمثلين في كبح جماح التضخم من جهة والحفاظ على عملة قوية من جهة أخرى مرتبطان بالانتعاش الاقتصادي في المملكة، وأن مستقبل الاقتصاد السعودي لا يزال مبشّراً.

الأكثر قراءة