10 وصايا لمواجهة التضخم .. أولاها خفض الإنفاق الحكومي

10 وصايا لمواجهة التضخم .. أولاها خفض الإنفاق الحكومي

تعد ظاهرة التضخم من أبرز القضايا الاقتصادية التي حظيت باهتمام كافة المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على حد سواء نظراً لآثارها الســلبية على مختلف الأصعدة، هذا إضافة إلى أن معظم اقتصاديات الدول تواجه ضغوطا تضخمية بين الحين والآخر، لهذه الأسباب سلط الكثير من الضوء على هذه الظاهرة من خلال كثـير من البحوث والدراسات التي سعت إلى تحديد مصادر (أسباب) التضخم ووضع السياسات والحلول المناسبة للسيطرة عليه وتخفيض معدلاته.

أصبح التضخم مشكلة رئيسية في السعودية خلال عقد السبعينيات مهدداً لمستوى معيشة المواطنين، حيث بلغ التضخم أعلى مستوياته عام 1975 إلى نسبة 34.4 في المائة. ذلك يعود بسبب رئيسي إلى عدم مواكبة العرض الكلي للنمو الكبير بالطلب الكلي للاقتصاد السعودي والزيادة الملحوظة في الأجور والرواتب، وكذلك النمو الكبير في عرض النقود "التوسع النقدي". ومن أجل السيطرة على التضخم وتخفيض معدلاته قامت الحكومة بعدة إجراءات، منها على سبيل المثال:
1 ـ إزالة عدد من الضرائب وتخفيض أخرى، مثل إلغاء ضريبة الطرق والضريبة على مشتقات النفط، كما أن عدداً من الرسوم الجمركية على السلع المستوردة تم إلغاؤها وتخفيض البعض الآخر منها إلى مستويات متدنية.
2 ـ كما قامت الحكومة أيضا بتخفيض تعرفة الكهرباء من 20 هللة إلى 14 هللة للكيلو وات، وفي 19 آب (أغسطس) 1974 قامت بتخفيض تعرفة الكهرباء مرة أخرى إلى سبع هللات للكيلووات للاستخدام الأهلي وخمس هللات للمستخدم الصناعي.
3 ـ ومن الإجراءات الأخرى التي اتخذتها الحكومة السعودية قيامها بدعم بعض السلع الضرورية مثل الحليب ومشتقاته والأدوية.
4 ـ أخيراً قامت السعودية برفع قيمة الريال بالنسبة للدولار. من 3.766 ريال للدولار عام 1973 إلى 3.517 ريال للدولار عام 1975.
كل هذه الإجراءات مجتمعة ساهمت في انحسار الضغوط التضخمية حيث انخفض معدل التضخم من 34.4 في المائة عام 1975م إلى 3.6 في المائة عام 1980م بلغ التضخم مستويات متدنية جدا خلال الفترة من عام1984م حتى العام 1989.
كما أن من الأسباب التي أدت إلى انحسار التضخم ما يعود إلى الانخفاض الملحوظ في الإنفاق الحكومي خلال تلك الفترة، هذا الانخفاض في الإنفاق الحكومي أدى إلى حدوث ركود في النشاط الاقتصادي وانخفاض في حجم السيولة المحلية (عرض النقود 3 ن). كما أن ارتفاع سعر صرف الريال أمام معظم العملات الرئيسية أدى إلى انخفاض أسعار السلع المستوردة، ما أسهم في تدني معدلات التضخم بشكل ملحوظ.

عودة التضخم مرة أخرى

عادت الضغوط التضخمية إلى الظهور في بداية التسعينيات، حيث بلغ معدل التضخم 4.70 في المائة عام 1991، يعزى السبب الرئيسي لهذا الارتفاع في المستوى العام للأسعار إلى الزيادة الملحوظة في الإنفاق الحكومي خلال وبعد أزمة الخليج الثانية ثم انحسرت بعد ذلك الضغوط التضخمية بشكل ملحوظ فترة طويلة.
ثم عاد التضخم إلى الظهور حديثاً بعد ما يربو على أكثر من عقد ولم تشهد مستويات الأسعار تحركاً يذكر، حيث بلغ معدل التضخم 2.9 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) 2006، مرتفعاً من مستوى 1.2 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) 2005، ومستوى 0.6 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) 2004، أما عام 2007 فإن كانون الثاني (يناير) شهد ارتفاعا ملحوظاً في معدل التضخم، حيث بلغ 3.6 في المائة.
يمثل الجدول رقم (1) تفاصيل أكثر حول أداء المجموعات الرئيسية المكونة للرقم القياسي لتكاليف المعيشة "الرقم القياسي العام". يشير الجدول رقم (1) إلى أن مجموعتين ضمن الرقم القياسي للتكاليف يشكلان المصدر الرئيسي وراء التضخم عام 2006، وهما: الأطعمة والمشروبات والسلع والخدمات الأخرى، إضافة إلى أن هناك مصدرا آخر أخذ في الارتفاع هو مجموعة الترميم والإيجار والوقود والمياه. بلغ معدل التضخم في الأطعمة والمشروبات 7.7 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) عام 2006 مقارنة بـ 3 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) عام 2005.
ارتفع التضخم في مجموعة السلع والخدمات الأخرى عام 2006 بشكل واضح، حيث وصل معدل الضخم لهذه المجموعة أعلى مستوى له في أيار (مايو) مسجلاً 10.3 في المائة مقارنة بـ 2.2 في المائة في أيار (مايو) عام 2005.
أما فيما يتعلق بمجموعة الترميم والإيجار والوقود والمياه التي هي أحد أهم مكونات الرقم القياسي لتكاليف المعيشة، أشار الجدول رقم (1) إلى ارتفاع معدلات التضخم لهذه المجموعة وبالذات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة عام 2006.

ما الأسباب التي أدت إلى ظهور التضخم؟

أجمعت معظم الدراسات التطبيقية للتضخم في العديد من الدول، منها السعودية أن هناك "عوامل" داخلية وأخرى خارجية تسـهم مجتـمعة في خـلق الضغوط، ولكن قبل أن نتطرق إلى الأسباب التي أدت إلى حــدوث الضغوط التضخمية في الآونـة الأخـيرة لا بـد مـن إلقـاء الضـوء على بعض الأمور المهمة المتعلقة بالاقتـصاد السعودي التـي قـد تساعـدنا فـي تحـديد هـذه الأســباب.
السعودية ذات اقتصاد مفتوح، حيث لا توجد فيه ضغوط تذكر على حركة السلع والأموال، كما أن القاعدة الإنتاجية المحلية لهذا الاقتصاد محدودة، ومع تنامي الطلب على السلع المستوردة يجعل من السعودية عرضة للتضخم المستورد.
الاقتصاد السعودي يـعتمد في نموه إلى حـد كبـيـر على نمو القطـاع البـترولي، إضافة إلى أن الإيرادات البترولية لا تزال تشكل نسبة كبيرة في إجمالي الإيرادات الحكومية، على الرغم من النمو الملحوظ للإيرادات الحكومية الأخرى خلال العقدين الماضيين، هذا بدوره يؤدي إلى التقليل من فاعلية الـسياسة المالية في تأثيرها على النشاط الاقتصادي والتضخم. يعد الإنفاق الحكومي فـي الوقت الحاضر الأداة الرئيسية والفعالة المتوافرة لدى صانعي السياسة المالية.
تجدر الإشارة هنا إلى أن نمو الإنفاق الحكومي يعد أحد أهم مصادر نمو السيولة المحلية في السعودية. أثبتت معظم الدراسات التطبيقية عن التضخم في السعودية أن نمو السيولة المحلية المطرد يؤدي حتماً إلى ارتفاع معدلات التضخم (جدول رقم 2).
إن نمو معدلات السيولة المتسارع في الآونة الأخيرة أسهم دون شك في خلق الضغوط التضخمية الحالية في السعودية. من المفيد أن نشير هنا إلى أن للسلطة النقدية، متمثلة في مؤسسة النقد العربي السعودي، سيطرة محددة على السيولة المحلية "عرض النقود 3ن"، وبالتالي فإن سيطرتها على التضخم تكاد تكون محدودة أيضا. ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى أن السلطة النقدية ليس في حوزتها أداتان نقديتان مهمتان هما: عمليات السوق المفتوحة Open Market Operations، وسعر الخصم Discount Window.
هذا إضافة إلى أن ربط الريال بالدولار يمثل قيداً كبيرا على مقدرة مؤسسة النقد في تغيير"رفع أو خفض" سعر الفائدة على الريال، إذ يتعين على سعر الفائدة الأساسي على الريال المستخدم في السعودية "سعر إعادة الشراء" أن يقتفي بصورة لصيقة سعر الفائدة الأساسي الأمريكيthe Fed Fund Rate.
لذلك نرى أنه عندما يرتفع أو ينخفض سعر الفائدة الأمريكي فإن سعر الفائدة الأساسي على الريال يتغير وفقاً لذلك، فإذا تم رفع سعر الفائدة الأساسي على الريال بصورة كبيرة فوق سعر الفائدة الأساسي الأمريكي تنشأ حينها فرصة لتحقيق أرباح دون تحمل مخاطر من خلال الاقتراض بالعملة ذات الفائدة الأقل والاستثمار في العملة ذات الفائدة الأعلى والعكس صحيح.
عندما ينخفض سعر الفائدة الأساسي على الريال بصورة كبيرة عن سعر الفائدة الأساسي الأمريكي, فإن الكثير من السيولة المحلية للريال سيتم تحويلها إلى العملة ذات سعر الفائدة الأعلى في هذه الحالة الدولار من أجل أن تستثمر فيه "تربط كودائع بفائدة".
في كلتا الحالتين فإن حجم السيولة المحلية للريال سيتأثر بشكل ملحوظ، لذلك يمكن القول إن مؤسسة النقد في المملكة ذات قدرة محدودة في التأثير على سعر الفائدة للريال، وبالتالي على حجم السيولة المحلية.
إن كل ما ذكرناه أعلاه نأمل أن يساعدنا في تسليط الضوء على أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور الضغوط التضخمية خلال السنتين الماضيتين التي لا تزال تطل علينا، وكما ذكرنا في البداية أن هناك أسبابا "عوامل" داخلية وأخرى خارجية تسهم مجتمعة في ظهور التضخم من جديد في السعودية، وهذه الأسباب يمكن إيجازها على النحو التالي:

الأسباب الداخلية

1 ـ شهد الطلب الكلي في الاقتصاد السعودي بكل مكوناته نموا متسارعا خلال السنتين الماضيتين (انظر الجدول رقم 3)، حيث حقق الطلب الكلي عام 2005 و2006 معدلات نمو بلغت 13.5 في المائة و14.5 على التوالي.
هذا النمو المتسارع للطلب الكلي لم يواكبه نمو كاف في جانب العرض "العرض الكلي" للاقتصاد السعودي، من الطبيعي أن يؤدي هذا الوضع إلى خلق ضغوط تضخمية نشهدها الآن.
2 ـ نمت السيولة المحلية (عرض النقود, 3ن) نموا مطردا خلال السنوات الثلاث الماضية (انظر الجدول رقم 2)، هذا النمو المتسارع للسيولة المحلية أسهم في رفع معدلات التضخم خلال السنتين الماضيتين، هذا النمو الكبير في حجم السيولة المحلية يعزى بشكل رئيسي إلى مصدرين مهمين هما: الإنفاق الحكومي، والقروض المصرفية للقطاع الخاص.
كلا هذين المصدرين نما بوتيرة سريعة خلال السنوات الأربع الماضية (انظر الجدول رقم 2). كان نمو الطلب على القروض المصرفية للقطاع الخاص عام 2004 و2005 هو المصدر الرئيسي لنمو السيولة المحلية، ولكن بدأ نمو القروض المصرفية للقطاع الخاص بالتراخي خلال عام 2006 (انظر الجدول رقم 2)، رغم ذلك ارتفع نمو السيولة المحلية عام 2006، حيث بلغ 19.3 في المائة، هذا يوحي أن الإنفاق الحكومي أصبح المصدر الرئيسي لنمو السيولة المحلية.
3 ـ لا تتمتع أسواق الكثير من السلع، سواء أكانت مستوردة أو منتجة محلياً، بدرجة كافية من المنافسة تسهم في استقرار الأسعار، هناك القليل من مستوردين أو منتجين لسلع كثيرة, وبذلك يمكن أن توصف طبيعة أسواق هذه السلع بما يسمى "احتكار القلة"، كما أن نظام الوكالات يعد شكلا من أشكال الاحتكار.

الأسباب الخارجية

كما أشرنا سابقاً إلى أن السعودية ذات اقتصاد مفتوح، حيث لا توجد فيه قيود تذكر على حركة السلع والأموال، كما أن القاعدة الإنتاجية لهذا الاقتصاد محدودة، هذا إضافة إلى تنامي الطلب على السلع المستوردة. كل ذلك السعودية عرضة للتضخم المستورد، ينعكس التضخم المستورد على المستوى العام للأسعار في السعودية من خلال:
1 ـ اختارت السعودية نظام سعر الصرف الثابت، إذ ربطت الريال بالدولار الأمريكي, ما يترتب عليه أن أي ارتفاع أو انخفاض في قيمة "سعر الصرف" الدولار اتجاه العملات الرئيسية, يؤدي إلى تغير في قيمة الريال بالنسبة لهذه العملات الرئيسية في الاتجاه نفسه. شهد الريال انخفاضات ملحوظة في قيمته "سعر صرف" اتجاه معظم العملات الرئيسية (انظر جدول رقم 4).
إن انخفاض قيمة الريال مقابل معظم عملات الدول الرئيسية التي تستورد منها المملكة أسهم في رفع معدلات التضخم المحلية خلال السنوات القليلة الماضية, وقد يسهم أيضا في رفع معدلات التضخم هذا العام, من خلال ارتفاع أسعار السلع التي تستوردها. فمنذ نهاية عام 2005 حتى نهاية آذار (مارس) 2007 تراجعت قيمة الريال بنسبة11 في المائة مقابل اليورو العملة التي تستخدمها أكبر مجموعة مصدرة إلى المملكة (انظر الجدول رقم 4), للفترة نفسها بنسبة 10 في المائة و4 في المائة على التوالي. وعلى الرغم من أن الدولار، وبالتالي الريال السعودي" ظل في مسار هابط عدة أعوام مقابل العملات الرئيسية الأخرى يتنبأ كثير من المحللين باستمرار تراجع الدولار حتى تتمكن الولايات المتحدة من تضييق العجز في ميزانيتها الفيدرالية وميزان حسابها الجاري، ما يعني أن التضخم المستورد سيظل يشكل هاجساً للمملكة.
أخيراً شهدت تكاليف الشحن وأقساط التأمين ارتفاعا خلال السنتين الماضيتين، ما أسهم أيضاً في رفع تكلفة السلع التي تستوردها المملكة.

2 ـ ارتفاع التضخم في الدول التي تشكل واردات المملكة منها نسبة كبيرة من إجمالي وارداتها, مثل الاتحاد الأوروبي، الولايات المتحدة، واليابان, يؤدي إلى رفع معدلات التضخم محلياً، حيث بلغت معدلات التضخم في الاتحاد الأوروبي 2.3 في المائة عام 2005 و2.2 في المائة عام 2006. كما بلغت معدلات التضخم في الولايات المتحدة 2.1 في المائة عام 2005 و2.2 في المائة عام 2006. أما في اليابان فقد بلغت معدلات التضخم 2.2 في المائة عام 2005 و2.2 عام 2006. يمكن القول إن معدلات التضخم هذه لا تشكل مصدرا مهما في خلق ضغوط تضخمية.

ما الإجراءات التي يجب أن تتخذ لاحتواء التضخم؟

1 ـ خفض الإنفاق الحكومي الأمر الذي ينتج عنه تباطؤ النشاط الاقتصادي، ما يؤدي إلى تراجع الطلب. كما أن خفض الإنفاق الحكومي يؤدي إلى خفض معدلات السيولة، كل ذلك سيؤدي إلى تخفيض المستوى العام للأسعار.
2 ـ أن تقوم مؤسسة النقد بالحد من قدرة البنوك على منح القروض "الحد من التوسع في الائتمان"، ما يحد من تسارع نمو السيولة المحلية، الأمر الذي يساعد على احتواء الضغوط التضخمية.
3 ـ رفع سعر صرف الريال مقابل الدولار قد يسهم في الأمد القصير والمتوسط على احتواء التضخم، أو يمكن ربط الريال بسلة من عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين بنسب متفاوتة "تكون حسب حجم الواردات من هؤلاء الشركاء التجاريين"، هذا يساعد على تحقيق الاستقرار في قيمة الريال.
4 ـ تخفيض الرسوم والتعرفة الجمركية التي تفرضها الموانئ السعودية على السلع المستوردة.
5 ـ التشجيع على زيادة حدة المنافسة في الكثير من أسواق السلع وبالذات الرئيسية منها.
6 ـ التشجيع على قيام جمعيات استهلاكية على إطار واسع، تسعى هذه الجمعيات إلى كبح ارتفاع الأسعار وزيادة إطار المنافسة في أسواق السلع، هذا لا يعني أن هذه الجمعيات لا تهدف إلى تحقيق أرباح.
7 ـ دعم بعض السلع سواء أكانت وسيطة أو نهائية "وبالذات الرئيسية منها"، كما يمكن دعم بعض المواد الخام.
8 ـ إيجاد هيئة أو جمعية أو وكالة لحماية المستهلك تكون من أهم أهدافها مراقبة الأسعار ومعرفة أسباب ارتفاعها والمحاولة في إيجاد الحلول المناسبة لخفض الأسعار، كما يجب أن تعمل على مكافحة أي شكل من أشكال الاحتكار.
9 ـ يجب العمل على ترشيد السلوك الاستهلاكي لأفراد المجتمع السعودي.
10 ـ التشجيع على الادخار في المجتمع السعودي من خلال وضع سياسات ادخارية فاعلة ترفع من معدلات الادخار، الأمر الذي يؤدي إلى خفض معدلات الاستهلاك.

الأكثر قراءة