أزمة الرهن العقاري: ما أثرها في اقتصادات الدول الصناعية وفي اقتصادات الدول المصدرة للبترول؟
أعلنت شركة ميريل لينش، أحد أكبر البنوك الاستثمارية في العالم عن خسائر في عملياتها للربع الثالث قدرت بـ 8.4 مليار دولار بسبب ما سُمّي أزمة الرهن العقاري. وقد دفعت هذه الخسائر رئيسها التنفيذي ستان أونيل إلى الاستقالة. ويعتقد المتابعون أن ميريل لنش ستضطر خلال الأشهر المقبلة إلى الإعلان عن خسائر إضافية قد تصل إلى أربعة مليارات دولار. وعلى المنوال نفسه، أعلن بنك يو بي إس السويسري عن تكبده خسائر في الربع الثالث أيضاً بحدود 3.4 مليار دولار. وقد يضطر هذا البنك هو الآخر إلى الإعلان عن خسائر إضافية في الربع الرابع من هذا العام تصل إلى ما يقارب ثمانية مليارات دولار.
وبعد إعلان ميريل لينش بعشرة أيام، أي في يوم 5/11/2007 أبلغ تشك برنس الرئيس التنفيذي لـ "سيتي جروب" أنه قرر الاستقالة من منصبه على أثر قيام بنكه باقتطاع 3.3 مليار دولار من أرباحه للربع الثالث على أثر الانخفاض في أسعار سندات الرهون العقارية. ويتوقع أن ترتفع استقطاعات هذا البنك إلى ما يزيد على عشرة مليارات دولار في الربع الرابع لمقابلة خسائر مماثلة.
وفي هذا الصدد أتطلع في هذا المقال التطرق إلى ثلاثة أسئلة رئيسية:
1. ما طبيعة هذه المشكلة؟
2. ما تأثير هذه المشكلة في اقتصاديات الدول الصناعية؟
3. هل سيكون لهذه الأزمة أي تداعيات تطول الدول المصدرة للبترول؟
ما طبيعة هذه المشكلة المالية وكيف نشأت؟
دفعت المنافسة الشديدة شركات الرهن العقاري التوسع في منح التسهيلات لملاك جدد للمساكن، حتى بلغ الأمر في السنتين الماضيتين منح تسهيلات لملاك جدد مشكوك في ملاءتهم المالية، لأن الدخول الشهرية لمعظمهم لا تغطي الدفعات الشهرية المطلوب تسديدها للوفاء بأقساط هذه القروض. وقد ساعدت البنوك عموماً والبنوك الاستثمارية خصوصاً على التوسع في هذا النشاط عن طريق تقديمها تسهيلات مالية للشركات الممولة، إضافة إلى إصدارها سندات بضمان تلك القروض وبيع هذه السندات لزبائنها من المؤسسات المالية والبنوك الأجنبية، وتقديمها تسهيلات للمستثمرين لشراء هذه السندات. كما أبقت البنوك جزءاً من هذه السندات في محافظها الاستثمارية.
ومنذ إصدار هذه السندات كان العاملون في البنوك يصفونها بأنها "أقل من جيدة"Sub-Prime أو "والله أنها..." أو أنها "تمشي حالها".
وقد تفجرت المشكلة في مطلع آب (أغسطس) من هذا العام، فهل يتوقع أن تخف حدتها من جراء ما أعلنته البنوك المتضررة من خسائر؟ تشير الأرقام إلى أن هناك، على سبيل المثال، ما لا يقل عن ألف مليار دولار من هذه السندات التي تم تصنيفها منذ عام 2005 من قبل وكالتي التصنيف الدوليتين ستاندرد آند بورز وموديز، ولم تخفض هاتان الوكالتان حتى تاريخه إلا تصنيف 100 مليار دولار من هذه السندات. وعليه فإن عدداً من الاقتصاديين يعتقدون أن المشكلة أعمق مما قد تبدو، إذ لا تزال حسابات البنوك الرئيسية تتضمن نسبة كبيرة من تلك الأصول المشكوك في سلامة تقييمها. هذا الوضع دفع آلن جرينسبان الرئيس السابق لبنك الاحتياط الفدرالي أن يحذر قبل أسبوعين "بأننا نعيش حالة رعب". ويتخوف العديد من المختصين بأن هذا الوضع قد يؤدي إلى تآكل رساميل البنوك الرئيسية بحيث لا تستطيع الوفاء بمتطلبات اتفاقية بازل ـ 2، كما أن بنك إنجلترا "البنك المركزي الإنجليزي" أدلى بتحذير مماثل، حيث ذكر في تقريره الأخير أن "النظام المالي في الدول المتقدمة سيظل مهدداً بصدمات جديدة في الأمد القصير". كما أشار التقرير إلى أن مجموع السندات المتداولة اليوم بضمان أصول أقل من جيدة" Sub-Prime تقدر بـ 700 مليار دولار، يضاف إليها ما يقدر بـ 800 مليار دولار مصدرةً بضمان أصول أحسن بقليل من سابقتها. واللافت أن معظم هذه السندات تم إصدارها خلال السنتين الماضيتين. كما أن المشكلة لا تقتصر على البنوك الأمريكية والسويسرية، بل تطول البنوك الرئيسية في الدول الصناعية، بما في ذلك فرنسا، ألمانيا، اليابان، وتايوان.
ما تأثير هذه المشكلة في اقتصادات الدول الصناعية؟
بالنسبة للولايات المتحدة هناك عاملان رئيسيان يخففان من حدة هذه الأزمة: الأول تخفيض معدل الفائدة على الدولار، ما سيشجع المزيد من الصرف الاستهلاكي والاستثماري، والثاني انخفاض سعر صرف الدولار مقارنة بالعملات الرئيسية الأخرى، ما يؤدي إلى زيادة تنافسية الشركات الأمريكية التي تصدر منتجاتها للخارج، ما سيخفف بالتالي من التأثير السلبي لهذه الأزمة على المستوى المحلي.
ومع ذلك فإن التقديرات الأخيرة لصندوق النقد الدولي قد خفضت معدل النمو السنوي للاقتصاد الأمريكي بمقدار 0.9 في المائة، أي من 2.8 في المائة إلى 1.9 في المائة. كما قدرت لجنة تابعة للكونجرس الأمريكي أنه سيتم استعادة أكثر من مليوني بيت مباع في العام المقبل، ما سيحجب نحو 100 مليار دولار من القوة الشرائية، على اعتبار أن ملاك المساكن قبل استعادتها كانوا يبنون توقعات إنفاقهم على افتراض وجود ثروة متراكمة لديهم متمثلة في العقار الذي كانوا يملكونه. والآن وبعد أن صودر العقار فإن الصرف الإضافي المبني على قيمة هذا العقار سيتوقف. وتذهب بعض التقارير إلى أن قيمة العقارات التي سيتم استعادتها قد ترتفع إلى أكثر من 200 مليار دولار إلا إذا تدخلت الحكومة الأمريكية وطلبت من البنوك التساهل أو قدمت لهم دعماً مادياً يشجعهم على ذلك.
أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي فإن صندوق النقد الدولي قد خفض المعدل المتوقع لنمو اقتصاده بواقع 0.3 في المائة من جراء هذه الأزمة. والشيء نفسه ينطبق على اليابان التي خفضت توقعات نموها الاقتصادي بمعدل 0.6 في المائة.
والسؤال الأخير: هل سيكون لهذه الأزمة أي تداعيات تطول الدول المصدرة للبترول والمملكة بصفة خاصة؟
إن الانخفاض في معدلات النمو الاقتصادي للدول الصناعية سيخفض من استهلاكها للبترول ومشتقاته، وقد يكون لذلك تأثيرات سلبية في أسعار البترول. كما أن انخفاض أسعار الأسهم والسندات عموماً في الدول الصناعية بسبب هذه الأزمة سيؤثر سلباً هو الآخر في مداخيل الدول المصدرة للبترول التي تمتلك استثمارات كبيرة في أسواق الدول الصناعية. ويتساوى في ذلك الحكومات والبنوك والشركات والأفراد. يضاف إلى ذلك أن تباطؤ النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة قد يدفع بنك الاحتياط الفدرالي إلى المزيد من التخفيض في سعر الفائدة على الدولار لدفع عجلة النمو إلى معدلات معقولة، وهذا بدوره قد يزيد من انخفاض سعر صرف الدولار، ما سيؤثر سلباً في القيمة الحقيقية لمداخيل الدول المصدرة للبترول ومنها المملكة.
ولكن قد يقلل من حدة هذا الأثر مقارنة بالأوقات الماضية استمرار معدلات النمو العالية في أماكن أخرى من العالم النامي، وبالأخص في اقتصاديات كل من الصين والهند، التي أخذت تلعب دوراً متزايداً كمحرك لنمو الاقتصاد العالمي. كما أن هذه المناطق أصبحت في الآونة الأخيرة هي المصدر الأساسي لنمو الطلب العالمي على البترول، الأمر الذي قد يقلل الأثر من أي تباطؤ اقتصادي يحصل في الدول الصناعية من جراء هذه الأزمة.
كما أن نسبة استثمارات أفراد و حكومات المنطقة في الدول الصناعية قد انخفضت في السنوات الأخيرة مقارنة باستثماراتهم في الأسواق النامية الأخرى، التي أصبحت تأخذ حيزاً أكبر في محافظهم الاستثمارية، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى انخفاض أثر الأزمة على استثمارات الدول المصدرة للبترول عن أي وقت مضى.
أخيراً قد يكون لهذه الأزمة أثر إيجابي في الدول المصدرة للنفط، حيث أدت هذه الأزمة لتوعية المستثمرين بالمخاطر المحدقة من الاستثمار ـ حتى وإن كان في الدول الصناعية، وبالتالي قد تشكل هذه الأزمة فرصة ذهبية للدول المصدرة للنفط وللسعودية على وجه الخصوص لاستقطاب الرساميل المذعورة التي تبحث اليوم عن محطة جديدة بعد أن اكتشفت أخيرا أن الاستثمار في الدول الصناعية ينطوي على مخاطر لم تكن في الحسبان.