رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


من المواطنة إلى الوطنية

[email protected]

في ظل الأجواء المشحونة والمناقشات المحتدمة والآراء المتضاربة حول القضايا الاقتصادية الساخنة بشكل عام ومشكلة التضخم بشكل خاص يكون من الصعب بل يصل إلى حد الرفض عند البعض الحديث عن دور المواطن في معالجة هذه القضايا وطرح سؤال في غاية الأهمية على كل مواطن: ماذا قدمت لبلادك؟ أعلم أن هذه السطور ربما تجعل الكثيرين يتوقفون عن متابعة قراءة المقال وأن تقفز إلى أذهانهم تصورات ومفاهيم اعتدنا إلصاقها بمن لا يتقصد النقد أو الإثارة ولا يتخذ سبيل التهجم وإلقاء التهم جزافا منهجا وطريقا. هناك نظرة سلبية مغرقة في التشاؤم لما يدور حولنا وما حققناه كوطن، وبالتالي تكون المهمة دائما جلد الذات والتمتع بالتفتيش عن الأخطاء وتكبيرها وتلميعها واحتراف تحويل الأخطاء الصغيرة التي لا ترى بالعين المجردة إلى فضائح تجعل العاقل حيران وما دون ذلك مشوشا محبطا. لقد أصبحت هناك نظرة سوداوية تجاه العمل الحكومي وتعليق جميع المشكلات على الحكومة وتبرئة النفس من أي ذنب ليتحول الخطاب بينهم وبين الحكومة إلى "أنتم ونحن" وكأنما الحكومة جسم غريب وليس منهم واليهم! ولذا قد يستهجن حديث من يوضح الجوانب الإيجابية في العمل الحكومي أو يقول إن الناس يتحملون جزءا مما نعانيه، ولربما نعت بالمجاملة والمحاباة إلى آخر ما هنالك من ألفاظ المراءاة والمحسوبية التي تبعث على الشك والريبة والمزايدة على وطنيته! هذا يفسر اندفاع البعض للكتابة بأسلوب استفزازي تلبية لجمهور يعشق التجريح والنقد السلبي ليصبح بطلا مغوارا يشيد به الغادي والباد تتناقل مقالاته المنتديات ويجري الحديث عن مقاله الساخن على كل لسان وفي كل مجلس دون أن يسأل أحدهم ما حقيقة الأمر، فالناس تتلقفه بتلهف حتى وإن كان مليئا بالأغلاط والأكاذيب والادعاءات الباطلة وإخراج الأمور عن سياقها. لم يعد يفرق بين الغث والسمين والنظر إلى الأمور من منظار الموضوعية والبحث عن الحقيقة والعدالة والمنطق والواقعية.
لا أحد ينكر أن هناك أخطاء تتطلب المعالجة وهذا ديدن العمل الإنساني في كل الدنيا، إلا أن المسائل بنسبيتها. والنسبية هنا تعني العلاقة بين المدخلات والمخرجات، بين المقدمات والنتائج أي من أجل أن نحقق الأهداف يجب علينا أولا بذل الأسباب. ولعل من أهم الأسباب للنجاح في المشروع التنموي الوطني هو اجتهاد الأفراد أنفسهم وانضباطهم وأمانتهم واحترامهم للوقت والجد والاجتهاد والعمل بكفاءة والبذل والعطاء. المسألة هنا ليس لتبرير الأخطاء التي تقع هنا وهناك من الجهات الرسمية ولكن الحكومة هي في جوهرها أولا وأخيرا من المواطنين وللمواطنين، وبالتالي فإن المشاكل التي نواجهها هي من صنيع المواطنين وليس بفعل فاعل مجهول، فالموظف الذي يتأخر عن الدوام هو مواطن، والشخص الذي لا يؤدي عمله بأمانة هو مواطن، والمراجع الذي يأخذ ما ليس له هو مواطن، والطالب الذي يتكاسل ولا يجد ولا يجتهد هو مواطن، ومن لا يحترم قوانين المرور ويعرض نفسه والآخرين للخطر هو مواطن، والقائمة تطول. ولذا كان من العيب أن يشير أحدهم بأصابع الاتهام ويلقي باللائمة كاملة على الحكومة وهو لا يؤدي الدور المطلوب منه ولا يقوم بمسؤولياته تجاه نفسه ومجتمعه. لا أحد يسأل نفسه في خضم الانشغال في توزيع التهم واختلاقها والبحث الدؤوب عن الأخطاء والهفوات: هل قمت بما يجب علي القيام به؟! لقد تلبس الكثيرين اللامبالاة والاتكالية وتحول الوطن لدى البعض كعكة كبيرة يتسابقون على اقتطاع أكبر قدر منها. إنه منطق أخذ الكثير بأقل القليل والتفكير في المصالح الشخصية الضيقة الآنية وكأن القوم سيرتحلون ولن يبقوا في هذا البلد إلا أيام معدودة. إن المجتمع هو مجموع أفراده ومتى ما صلح الأفراد صلح المجتمع ولا مناص عن ذلك، وغني عن ذلك كله، قول الحق تبارك وتعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
إن السبيل إلى ارتقاء السلم الحضاري وتطوير المجتمع يبدأ من عند أنفسنا، فلو أن كل واحد منا التزم القانون واحترم الوقت وجد واجتهد، لاستقامت الأمور ولصلح المجتمع وأصبحنا أقل مرضا، جهلا، فقرا، وأقل تكاليف حكومية. إننا نحتاج إلى المستشفيات في أحايين كثيرة حينما لا نتقيد بالإرشادات الصحية أو لا نتبع أساليب السلامة المرورية، إننا نحقق كفاءة في التعليم حينما يكون المعلمون والطلاب على مستوى كبير من الجد والاجتهاد، وسنقلل من الفقر عندما يحرص رجل الأعمال على الاستثمار في صناعات تحويلية مستدامة توفر فرص العمل ويحرص العامل على الإنتاجية والتفاني في العمل. إن البلدان المتقدمة وصلت إلى ما وصلت إليه لأن هناك منظومة اجتماعية تدفع نحو قيم حب العمل والإنتاجية العالية والالتزام بالقانون العام. إن الأفراد في تلك البلدان يتشربون هذه القيم في أسرهم منذ نعومة أظفارهم ويتعلمونها ممن يعيشون حولهم. وهكذا يكون هناك تناغم وانسجام بين القيم التي يحملها الأفراد داخل ذواتهم والأنظمة والإجراءات والقوانين العامة. في المقابل نجد أن الأنظمة والقوانين لدينا غريبة أجنبية عن الأفراد ولذا تفهم على المستوى التجريدي دون معنى قريب ومقصد واضح ومن ثم لا تطبق كما ينبغي وإن طبقت تكون دون قناعة، حتى أن البعض لا يتوانى في الانفلات منها أو الالتفاف حولها متى ما أتيحت له الفرصة، وهذا مشاهد في المعاملات داخل الأجهزة الرسمية والتصرفات في الأماكن العامة. فالانتظار عندما تكون الإشارة المرورية حمراء في ساعة متأخرة من الليل يعد ضربا من السذاجة والسخف! والوقوف في الصف لإنهاء معاملة ضعف ومهانة! وعدم الغش حين تغيب عين الرقيب غباء وسوء تدبير!
السؤال كيف نتحول من حال الانسحاب واللا مسؤولية والسلبية إلى حال المبادرة والإيجابية والإبداع والبحث عن أوضاع أفضل وفعل الخير والإصلاح؟ أعتقد بل أكاد أجزم أن من أهم المعالجات هو التخفيف من المركزية، إذ إنها تسلب الأفراد في المجتمعات المحلية المسؤولية وتدفعهم نحو الاتكالية والانسحاب والسلبية. لقد اعتاد الناس أن تقرر عنهم الأجهزة البيروقراطية المركزية كل صغيرة وكبيرة وبالتالي نشأوا مهمشين غير ناضجين كمواطنين يستطيعون المساهمة في التنمية المحلية. وقد لا يكون من باب المبالغة في أن المجتمعات المحلية قد لا تكون قادرة على إدارة نفسها إذا ما أتيحت لها الفرصة، لأنها ببساطة لم تخض التجربة ولا تمتلك الخبرة في صناعة القرار العام. ولذا تجد أن جُل الناس تنصرف اهتماماتهم إلى تحقيق المصالح الشخصية الضيقة دون الخوض في القضايا المجتمعية إلا من قبيل العلم بشيء أو ما يتعلق بمصالحهم الخاصة. من هنا كان من الضروري التحول نحو اللامركزية بإنشاء هيئات محلية مسؤولة عن إدارة شؤون المجتمع المحلي في جميع قطاعاته ومنحها الاستقلال المالي والإداري في نطاق جغرافي محدد وموثق قانونا. إن السبيل الوحيد لجعل المواطن أكثر مسؤولية ونضجا ومبادرة واهتماما بقضاياه المحلية هو في مشاركته صناعة القرار وإحياء شعور الانتماء المحلي الذي هو لبنة في تعزيز الوطنية وتجذير للمعنى الحقيقي للارتباط بالوطن، حتى لا يكون المواطن مواطنا بالجنسية دون إحساس حقيقي بالوطنية!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي