تقرير ديوان المراقبة العامة .. البراءة من الفساد أم ضعف الديوان؟
قد يكون تقرير ديوان المراقبة العامة عن السنة المالية 2007 من أهم أحداث الأسبوع الماضي إن لم يكن الأهم على ساحتنا الاقتصادية. لم أطلع على كامل التقرير بعد، ولا أعرف عنه إلا بقدر ما تم التصريح به في وسائل الإعلام المختلفة, لذلك يجب أن يقرأ هذا المقال في ضوء هذا التحفظ. ورد في خطاب رئيس الديوان الذي ألقاه أمام خادم الحرمين الشريفين عند تقديم التقرير أن الديوان اكتشف مخالفات بقيمة 351 مليون ريال وتم تحصيل 31 مليون ريال حتى الآن. كما أشار إلى 1200 مليار ريال تم تحصيلها كمبلغ مسترد عن مخالفات في السنوات الخمس الماضية. أتمنى أن أكون قد فهمت معنى هذه المبالغ جيدا وأنها بالقيم التي ذكرت لأنها وبهذه الطريقة تعد دليلا قويا على براءة جميع مؤسساتنا الحكومية من تهمة الفساد.
أعلنت وزارة المالية أن مصروفات عام 2007 بلغت 413 مليار ريال (بزيادة قدرها 63 مليار ريال) وأن الإيرادات بلغت 621 مليارا (بزيادة قدرها 221 مليارا), ورغم هذه الأرقام الضخمة سواء كانت في التقديرات أو في الفعلية ومع التجاوزات إلا أن الأخطاء وسوء استخدام الموارد بلغت 315 مليونا وهو مبلغ معقول. من المسلم به في علم المراجعة أنه لا يوجد نظام رقابي كامل بحيث لا توجد أخطاء أو تجاوزات, لذلك فإننا نقيس قوة أي نظام للرقابة وسلامة التقارير الصادرة عنه بمدى قدرته على منع وقوع الأخطاء الجوهرية فقط. وكلمة الأخطاء الجوهرية تقاس بالأهمية النسبية للخطأ أو الاختلاس الذي تم اكتشافه. و الأهمية النسبية للمعلومات تعرف بأنها تلك المعلومات التي لو اطلع عليها متخذ القرار لتأثر بها رأيه وأن الأخطاء والتحريفات والاختلاسات تعد مهمة نسبيا إذا تسببت مثل هذا التصرفات في التأثير في القرار وأن القرار سيتغير إذا تم اكتشافها. فمثلا في النظام الحكومي لدينا تقدم كل وزارة تقريرها الختامي الذي تدعي من خلاله التزامها جميع الأنظمة والإجراءات وترفع تقريرها إلى وزارة المالية التي تعد الميزانية العامة للدولة بأرقامها الفعلية ثم ترفعها إلى مجلس الوزراء الذي يتخذ عدة قرارات بناء على هذه النتائج. فهل نتوقع أن يتغير قرار مجلس الوزراء وجميع المستفيدين من معرفة وجود أخطاء واختلاسات بقيمة 315 مليون ريال؟ إن نسبة هذا المبلغ إلى إجمالي المصروفات لم تتجاوز (0.08 في المائة) و (0.05 في المائة) من إجمالي الإيرادات, وهذا رقم بسيط جدا أمام حجم الإنفاق الضخم وكذلك حجم التحصيل، وبالتالي فإن تقرير ديوان المراقبة يتضمن سلامة التقارير المالية الحكومية والتزام المؤسسات الحكومية والشركات التابعة للدولة الإجراءات والنظم المقررة للتحصيل والصرف وأنه لا توجد تجاوزات أو انحرافات جوهرية. وفي هذا دليل قوى جدا على براءة المال العام من الاستغلال ومن الفساد الإداري.
ولكن! هذا الكلام صحيح فقط إذا كانت المراجعة شاملة لجميع العمليات التي تمت. وهذا غير ممكن إذا علمنا أن المستندات المؤيدة للصرف في وزارة واحدة فقط وعن بعض العمليات لديها ربما يتجاوز 100 ألف مستند. لذلك فإن الديوان سيضطر إلى اختيار عينة من بين تلك المستندات ثم يقوم بعمليات المراجعة والتدقيق ويخرج بحكم عام على بقية المستندات. وفي هذه الحالة فإن الأخطاء التي سيحصل عليها الديوان من مراجعة العينات ستقوده إلى تقدير إجمالي الأخطاء وتقديرا فقط. ومع قيامه بعمليات تصحيح الأخطاء المكتشفة إلا أن تقدير حجم الأخطاء في المستندات التي لم تتم مراجعاتها سيعطينا مؤشرا ودليلا على سلامة العمليات بشكل عام . ففي تقرير الديوان بلغت الأخطاء المتكشفة 315 مليونا (وفقا لأسلوب العينات كما أعتقد أن التقرير يقصد) وبهذا فمازالت هناك معلومة غائبة عنا وهي كم يبلغ الخطأ المقدر في إجمالي العمليات الحكومية من إنفاق وتحصيل؟ إنني أعتقد أن هذا الرقم أهم بكثير من رقم الأخطاء المكتشفة أو التي تم استردادها مهما بلغت.
القضية الأهم أن فرضية خلو العمل الحكومي من الفساد الإداري وسوء استخدام الموارد التي يدعمها تقرير الديوان لا يمكنها الصمود أمام تيار الادعاءات و التقارير الصادرة من جهات أخرى داخلية وخارجية تشير إلى توسع حجم الفساد, وهو الأمر الذي جعل خادم الحرمين الشريفين يرفع شعار مكافحة الفساد من خلال إنشاء هيئة وطنية لمكافحته. من هذا المنطلق (ومع اكتشاف 315 مليونا فقط) فإن المعنى الآخر الذي يتضمنه التقرير هو ضعف إمكانات ديوان المراقبة العامة التي تساعده على تنفيذ مهامه على الوجه المطلوب. إن أكبر خطر يواجه المدقق هو عدم كفاية إجراءات المراجعة أو التدقيق وعدم قدرتها على اكتشاف الغش والأخطاء الجوهرية، وهو ما أعتقد أن الديوان قد وقع فيه.
فكما أعرف عن الديوان فإنه يواجه العديد من المعوقات التي لا تمكنه من إتمام عملية التدقيق على الوجه المطلوب, فقطاع واحد من القطاعات الخاضعة لإشراف الديوان لديه 54 جهة بمتوسط يزيد على خمسة آلاف مستند شهريا أي 60 ألف مستند بينما لا يوجد لدى الديوان إلا عدد قليل من الموظفين المخصصين لهذا القطاع، بل إن وزارة لديها (كعينة) أكثر من 100 ألف مستند وليس لها إلا أقل من عشرة مدققين كل هذا وميزانية الديوان تعد الأقل بين مختلف القطاعات.
إن استطلاعا بسيطا لإمكانات الديوان ومقارنتها بأحد مكاتب المراجعة الكبار تجعلنا نعيد التفكير فعلا في أهداف الديوان ومنجزاته. ولي عودة مع التقرير والديوان فيما يتعلق بدور وحدة المراجعة الداخلية.