حوادث المرور في المملكة ما بين غياب الوعي وعدم تحمل المسؤولية

حوادث المرور في المملكة ما بين غياب الوعي وعدم تحمل المسؤولية

[email protected]

لقد كان من المفترض أن نستكمل في زاوية "اختلالات" لهذا الأسبوع مناقشتنا لبعض الموضوعات المرتبطة بالاقتصاد السعودي لولا الحوادث المرورية التي راح ضحيتها العشرات من الشباب والأطفال في محافظة الأحساء في الأيام القليلة الماضية، شأنها في ذلك شأن محافظات ومناطق المملكة الأخرى. لقد مر شهر رمضان الكريم ومر عيد الفطر المبارك ومع مرور كل يوم نستيقظ على فاجعة مرورية تستنزف دماء شباب في مقتبل العمر، يذهبون هباء منثورا، تاركين خلفهم جراحات يجهلها من لم ينكو بها. إن الإحصاءات والأرقام المأساوية المتعلقة بالحوادث المرورية في المملكة العربية السعودية أرقام مفزعة لا يمكن تصورها. من هذه الإحصاءات:
1. إن نحو سبعة آلاف شخص يلقون حتفهم سنويا جراء الحوادث المرورية في المملكة (20 شخصا في اليوم الواحد) أي بمعدل قتيل واحد كل ساعة تقريبا.
2. إن خمس المتوفين هم من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 عاما، وأن 78 في المائة من المتوفين تقل أعمارهم عن 45 عاما.
3. إن عدد الحوادث المرورية خلال العام المنصرم 1427هـ بلغت 283648، منها 1481 إعاقة مستديمة كنتيجة مباشرة للإصابات الناتجة عن تلك الحوادث.
4. إن مجمل الخسائر المالية التي يتكبدها السعوديون سنويا نتيجة للحوادث المرورية أكثر من 20 مليار ريال سعودي، أي ما يعادل 4.7 من إجمالي الناتج القومي.
5. إن التكلفة المادية من جراء الحوادث المرورية تعادل ثلاثة أضعاف ما يتم إنفاقه على قطاعي التعليم والصحة في المملكة سنويا.
أمام كل هذه الإحصاءات المفجعة نفاجأ بتصريح مصدر مسؤول في الإدارة العامة للمرور في جريدة "الرياض" 4 شوال 1428هـ، لينفي وجود حوادث مرورية وخيمة في مدينة الرياض خلال عيد الفطر المبارك لهذا العام، مشيرا إلى وجود حوادث من النوع البسيط ونجاح خطة السير خلال العيد. وأشار المصدر إلى أن أيام عيد الفطر المبارك تأخذ طابع التسامح بين الأشخاص الذين تعرضوا لحوادث بسيطة، 90 في المائة ممن تعرضوا لحوادث بسيطة يتصلون بالمرور وينتهي الأمر بالصلح. وأفاد المصدر أنه ومن اليوم الأول للعيد تم تعزيز جميع الأماكن التي يرتادها الزوار كمدن الألعاب والمتنزهات، وكذا الخطوط الرئيسية بفرق متحركة، تؤمن السلامة والمساندة للجميع، مبينا أن الحوادث المرورية في عيد الفطر لهذا العام قليلة مقارنة بالأعوام السابقة، وأن فرق المرور الميدانية ترصد وترفع الحوادث التي تمت مباشرتها وهي لا تتجاوز الحادث أو الحادثين.
كما أعلن العديد من الجهات المسؤولة في المملكة ومن لها علاقة مباشرة بهذه القضية أنها قامت بدراسة هذه الآفة، وبحثت المشكلة وأوجدت الحلول العملية التي يمكن تطبيقها من أجل وقف نزيف تلك الحوادث والحد من خسائرها البشرية الفادحة.
إن الواقع الذي نعيشه في المملكة لا يشير إلى ذلك ولا يدل عليه. إننا بحاجة ملحة لأن نطرح مجموعة من الأسئلة الكبرى لفهم واقعنا ووضعنا المروري الذي أكاد أن أجزم أنه وضع لا يمكن مشاهدته أو حدوثه، ناهيك عن قبوله في أي دولة من دول العالم سواء دول العالم المتقدم أو النامي المتخلف. لقد بحثت في العديد من المصادر للتعرف على عدد الضحايا الذين يموتون يوميا جراء الحروب والكوارث الطبيعية في مناطق مختلفة من العالم، فلم أستطع أن أجد دولة واحدة في العالم يموت فيها عشرون شابا يوميا وبصفة مستمرة على مدار العام. إن عدد الضحايا الأمريكان الذين قتلوا في العراق منذ احتلال العراق في بداية عام 2003 م حتى اليوم لم يتجاوز 3900 قتيل، وهي الدولة التي أعلنت حالة الحرب في هذا الجزء من العالم. ألسنا نحن مَن يجب أن يعلن حالة الحرب؟
إننا في المملكة ونحن أمام هذا الهاجس المقلق والشبح المخيف علينا أن نزيل الخطوط الحمراء عن كل المفاهيم والأفكار وعلينا أن نشجع النقد ونحرر المعاني ليكون هنالك حوار سريع وجريء حول هذه القضية التي تمس كل فرد من أفراد المجتمع. علينا أن نحدد المسؤوليات ونستنفر القوى والطاقات لحل هذه المعضلة في أسرع وقت ممكن. إنني في هذه الزاوية المحدودة بمساحة ضيقة ليس بمقدوري الدخول في تفاصيل هذه القضية وما تحتويه من تساؤلات أو الدخول في شكل الآلية التي يجب اتخاذها للإجابة بفاعلية عن التساؤلات المطروحة. لقد قيل الكثير حول الحوادث المرورية في المملكة ونتائجها التي استنزفت الطاقات البشرية والموارد المالية، بل استنزفت المجتمع السعودي في أهم مقومات الحياة الذي هو العنصر البشري. إنني هنا أتجه بالحديث نحو أمرين اثنين أرى ضرورة الإشارة إليهما عند تناول هذه القضية أولهما غياب الوعي لدى المواطن السعودي، وثانيهما عدم تحمل المسؤولية من قبل الأجهزة الرسمية في الدولة بالقدر الذي يتناسب وحجم هذه الآفة.
إن هنالك جزءاً من المسؤولية عن ارتفاع الحوادث المرورية وما ينتج عنها من ضحايا تتحمله الخلفية الثقافية وغياب الوعي لدى المواطن السعودي. إن الوعي الثقافي - وللأسف الشديد - هو الوعي المفقود لأهم عنصر من عناصر التنمية في المملكة. إننا لا يمكن أن نغفل فكرة أن الوعي لدى المواطن السعودي يمكن أن يكون أرضية صلبة وصالحة للتقليل من الحوادث المرورية. بل إنني مع الفكرة التي تقول إنه كلما كان الفرد في المجتمع أكثر وعيا، سهل إجراء أي تغيرات إيجابية والعكس صحيح. وفي مجال القيادة في المملكة شأنها في ذلك شأن مجالات أخرى كثيرة يظهر لنا وبوضوح غياب الوعي لدى الفرد السعودي، وكل عام - بل كل يوم - نشهد تحولا سلبيا في سلوكيات الأفراد وكأننا نسير وفق خطة أريد ألا يكون لها هدف.
أما الجزء الآخر من المسؤولية فيجب أن تتحمله جهات رسمية عديدة ابتداء من مجلس الشورى إلى أصغر جهاز حكومي رسمي أو شبه رسمي في الدولة. لقد أصبح من المتفق عليه أن المشاورات والمداولات التي يقوم بها مجلس الشورى السعودي، وما ينتج عنها من قرارات يجب أن تهدف إلى تغيير الواقع الذي يعيشه المجتمع، ولم تعد تلك المداولات تقنع بمجرد الرغبة في التعرف على مشكلات المجتمع ورصدها. إن على مجلس الشورى اليوم وبتوجيه مباشر من مجلس الوزراء أن يوقف جميع القضايا والموضوعات المطروحة على جدول أعماله، وأن يعلن حالة الطوارئ من أجل أن يسلط الضوء فقط على الحوادث المرورية وما ينتج عنها من كوارث، ويعرض هذه القضية لكثير من المناقشة من أجل إيجاد الحلول العملية الجادة التي يجب أن تأخذ بنا جميعا وبأبنائنا إلى بر الأمان. إن تطبيق هذه الحلول وحده لا يكفي، بل لا بد من المتابعة والاستمرار في معرفة النتائج وتقييمها. ولنا في دولة قطر أسوة حسنة في معالجة ظاهرة ارتفاع معدل الحوادث المرورية في الأشهر القليلة الماضية، حيث حشدت جهود المجتمع كافة للتصدي لهذه الظاهرة.

الأكثر قراءة