القمح والأمن الغذائي للمملكة
تعتمد المملكة بشكل كبير على الواردات الغذائية وذلك لإطعام سكانها. وتعد المملكة من أكبر الدول المستوردة للأغذية في منطقة الشرق الأوسط وعلى مستوى دول العالم، حيث من المتوقع أن تتجاوز واردتها الغذائية 40 مليار ريال في عام 2007م. وقد تبنت المملكة دعم القطاع الزراعي المحلي وسياسة الأبواب المفتوحة أمام الواردات بشكل عام والواردات الزراعية بشكل خاص. وقد ساعدت هذه السياسات في تحقيق وفر لسكان المملكة ولله الحمد في شتى أصناف المأكولات من جميع أنحاء العالم وبأسعار معقولة. وتستورد المملكة وبشكل كلي بعض الأغذية الأساسية كالأرز والسكر والشاي والقهوة وكانت تستورد القمح بشكل شبه كلي قبل سياسة دعم إنتاجه.
وتبنت المملكة سياسة دعم القمح بعد أن بدأت تلوح بعض الشخصيات الغربية مثل كيسنجر بإمكانية حظر تصديره للمملكة. وكان الهدف من هذه التلميحات ممارسة ضغوط على سياسة المملكة النفطية أو محاولة ابتزازها في قضايا النزاع العربي الإسرائيلي. وقد مكنت سياسة دعم القمح القطاع الزراعي من رفع إنتاج القمح إلى مستويات كبيرة. وعند تجاوز إنتاج المملكة من القمح لحاجة المملكة وعدم جدوى تصديره رشدت المملكة إنتاجها. وكان لترشيد دعم القمح أثر فاعل في خفض إنتاج القمح إلى مستويات الاكتفاء الذاتي، حيث لم تدعم المملكة زراعة القمح لأهداف اقتصادية وإنما كان الهدف الأساسي توفير حد أدنى من الأمن الغذائي.
والأمن الوطني الغذائي يتحقق عندما تستطيع الدولة حسياً واقتصاديا تأمين غذاء كاف لجميع السكان وألا تكون الإمدادات الغذائية معرضة لمخاطر الانقطاع. وبعبارات أخرى فالأمن الغذائي يعني ببساطة وفرة الأغذية واستقرار الإمدادات والقدرة على الحصول على ما يكفي لجميع السكان في جميع الأوقات. ويعد الأمن الغذائي جزءًا مهماً من الأمن الاستراتيجي وأحد وسائل ضمان حرية البلدان في اتخاذ قراراتها. وقد استقرت سياسة المملكة على ما يبدو على مبدأ دعم إنتاج القمح إلى حد الاكتفاء الذاتي والذي يوفر أمنا غذائيا أهم الأصناف الغذائية التي تعتمد عليها تغذية سكان المملكة.
ورغم الانتقادات التي وجهت لسياسات دعم القمح في السابق والمتمثلة أساسا في ارتفاع تكاليف الدعم واستغلال المخزون المائي، فقد أثبتت سياسة دعم القمح جدواها خصوصاً مع تراجع الإمدادات العالمية من الحبوب (ومن ضمنها القمح) وارتفاع أسعارها في الفترة الأخيرة. حيث تجاوزت أسعار القمح العالمية (170 جنيها استرلينيا للطن) في الوقت الحالي أسعار الدعم الذي تقدمه المؤسسة العامة لصوامع الغلال إلى المزارعين. ومع أن أسعار القمح قد تتراجع في الأشهر المقبلة إلا أن الأسعار طويلة الأجل قد تكون أعلى من أسعار الدعم المحلي. ولهذا كان من المأمول النظر في رفع أسعار دعم القمح لتواكب الأسعار العالمية. وتحدثت جريدة "الاقتصادية" الغراء عن صدور قرار استراتيجي بالتخلي عن سياسة دعم زراعة القمح بصورة تدريجية وذلك للحفاظ على مخزون المياه الجوفية. ومع الاحترام الكبير لأسباب اتخاذ مثل هذا القرار والمتمثل أساسا في الحفاظ على مخزون المياه الجوفية وهو أمر ضروري ومهم، إلا أن توفير حد أدنى من الأمن الغذائي لا يقل أهمية عنه. فقد اعتمدت تغذية سكان المملكة عبر التاريخ على سلعتين زراعيتن أساسيتين هما القمح والتمر. وتنتج المملكة ما يفيض على حاجتها من التمور ولكن زراعة القمح تتطلب دعماً حكومياً مباشراً للاستمرار فيها. وتمثل زراعة القمح الأداة الرئيسة في توفير الأمن الغذائي، حيث يصعب بل يستحيل على المملكة زراعة المحاصيل الزراعية الأساسية الأخرى مثل الأرز. ولهذا فإن هناك ضرورة ملحة للتروي في اتخاذ قرار استراتيجي مهم كهذا. وينبغي أيضا عدم إغفال مصالح الجهات المتضررة من قرار إلغاء الدعم، والتي تتضمن صغار المزارعين والشركات الزراعية. وقد استثمر منتجو القمح الكثير من مواردهم في العمليات الإنتاجية التي يتهددها التوقف بسبب هذا القرار والمترتب عليها خسائر كبيرة لهم.
ومن المستغرب أن يتم التخلي عن إنتاج سلعة استراتيجية مهمة مثل القمح بالكامل، حيث كان في الإمكان تجميد حجم الإنتاج عند المستوى الحالي وتلبية العجز في السنوات المقبلة عن طريق الاستيراد. وإذا كان هذا مكلفاً للمخزون المائي، كان بالإمكان خفض الإنتاج بنسب 10 أو 25 في المائة أو حتى 50 في المائة وذلك لإبقاء البنية الأساسية لإنتاج القمح والتي يمكن استعادتها بسرعة في حالة الظروف الطارئة. كما كان في الإمكان إعادة توزيع الإنتاج إلى المناطق التي تعاني بدرجة أقل في العجز المائي.
ولعل أفضل الحلول للتغلب على معضلة شح المياه هو العمل على تطوير تقنية إنتاجها واستخدامها. وتعاني المملكة شح الموارد المائية والذي يعد من أكبر العوائق التي تواجهها المملكة في سبيل التنمية. ورغم الجهود المبذولة لتجاوز معضلة شح المياه إلا أن الحل الوحيد الممكن يتمثل في السعي حثيثاً للوصول إلى طفرات تقنية في إنتاج واستهلاك المياه. صحيح أن تحقيق طفرات تقنية في إنتاج واستهلاك المياه ليس بالأمر الهين ولكنه ممكن. وسيتطلب الحصول على طفرات تقنية بذل جهود مضنية في مجال توفير المعلومات والدراسات والأبحاث المتخصصة التي لها علاقة بالمياه.