عبدالكبير الخطيبي .. نقش هادئ على صخرة السائد

عبدالكبير الخطيبي .. نقش هادئ على صخرة السائد
المفكر الخطيبي شابا إلى جانب والدته عائشة.

"عبد الكبير الخطيبي ليس فقط كاتبا "يتعذّر تجنّبه"، كما يقال، لمن يهتم بالأدب الفرانكفوني لهذا القرن. بهذا الأدب حيثما يفيض، ويفكر، ويحوّل الثقافة الفرنسية، وحيثما يشهد على التاريخ السياسي والاستعماري، وما بعد الاستعماري، الذي يربط فرنسا بمستعمراتها ومحميّاتها السابقة. فأعماله هي أيضا "قدوة"، من جهة أخرى، لمن يهتم بمشكلات "التعددية الثقافية" و"حالة ما بعد الاستعمار" كما يشغف بها اليوم، بشكل مبرَّر، كمٌّ من المثقفين والجامعيين والمواطنين من جميع الأصول".
هكذا قدم الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا مفكرا ومبدعا ومؤسسا لكثير من الرؤى، دُكالي – نسبة إلى موطن نشأته بمدينة الجديدة - من أعماق المغرب الشقي، ممن عاش حياة الترحال بين عوالم معرفية متعددة، من سجل ثقافي إلى آخر؛ من السوسيولوجيا إلى الأدب والتاريخ والتشكيل والتحليل النفسي والشعر والقص... كان كمن يريد القبض على سر الانتماء، أو كمن يهفو إلى اكتشاف كيمياء الحياة.
فالتنوع والغنى والتميز سمات ملازمة لحضور الخطيبي في رفوف الخزانة، فكل إصدار جديد – إبداعيا كان أم بحثيا- حمل اسم الراحل، يعتبر بمثابة نقش هادئ منتظم طويل النفس على صخرة السائد، والمألوف في الساحة الأدبية والسياسية والفكرية.
امتدت أعمال صاحب "النقد المزدوج" على مدى ربع قرن، بين عالم الرواية بست عناوين (الذاكرة الموشومة، حب مزدوج اللغة، صيف في استوكهولم، ثلاثية الرباط...)، وساحة النقد الأدبي بخمسة أبحاث (أنطولوجيا أدب شمال إفريقيا الناطق بالفرنسية، الرواية المغاربية، تجليات الأجنبي في الأدب الفرنسي، الفرانكوفونية واللغات الأدبية...)، وميدان الشعر بأربعة دواوين شعرية (المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية، إهداء إلى السنة المقبلة...)، وأخيرا مسرحيتين هما: "موت الفنانين" و"النبي المقنع".
دون أن ينسى الخطيبي مجال تخصصه؛ حتى وإن كان مقِّلا فيه، ألا وهو السوسيولوجيا، فقد تزامنت عودته إلى الوطن مع محنة هذا العلم في المغرب بعد إغلاق معهد العلوم الاجتماعية. وتعزى علة الإقلال لديه إلى دعوته لمراجعة جذرية، سواء للسوسيولوجيا أو لكل معرفة راهنة أو سائدة. هكذا ظلَّ يدعو إلى عدم "نسيان اللحمة بين الفلسفة والعلوم، لأن هذا يعني التمسك بالعمل في العماء"، ما دفعه إلى الهجرة رحاب الأدب الفسيحة بعيدا عن ضيق ميدان السوسيولوجيا؛ جراء الحصار السياسي لها.
كل ذلك لم يحل دون مساهمة نوعية للرجل بها في الخزانة العالمية؛ إذ ترجمت أعماله الستة إلى عشرات اللغات العالمية، التي عمل فيها على إلغاء الحدود بين التخصصات، وتجسير الروابط بين العلوم والمعارف (الاسم العربي الجريح، القيء الأبيض: الصهيونية والضمير الشقي، فن الخط العربي، مغرب متعدّد، المفارقة الصهيونية، الجسد الشرقي).
كان منهج عبد الكبير الخطيبي "شاذا" في العالم العربي، والكتابة بالنسبة إليه مغامرة تقتضي تفكيك الأشياء، وممارسة النقد المزدوج للتراث ولمعرفة الآخرين، وتقتضي إلغاء الحدود المصطنعة بين الأجناس الأدبية، وبين أنواع الكتابة.
التصق اسم هذا "الغريب المحترف"، كما يحلو له أن يقول عن نفسه، بـ "النقد المزدوج" الذي يقدمه بقوله: «ينصب النقد المزدوج علينا كما ينصب على الغرب، ويأخذ طريقه بيننا وبينه، فيرمي إلى تفكيك مفهوم الوحدة التي تثقل كاهلنا والكلية التي تجثم علينا، وهو يهدف إلى تقويض اللاهوت والقضاء على الأيديولوجيا التي تقول بالأصل والوحدة المطلقة. ويبدو لي أن مثل هذا السبيل هو الكفيل بأن يدعم استراتيجيتنا: فيمكن للبلدان التي تخضع لسيطرة الغرب – مهما كان شكل السيطرة - أن تدرك إدراكا أحسن أسس الهيمنة الغربية".
بمزيد من الإيضاح نقول بأن الخطيبي كان يرى أن علم الاجتماع عالميا، وعربيا بالخصوص، بحاجة إلى نقد مزدوج؛ أي إلى مهمة تفكيكية للمعرفة الاجتماعية حول العالم العربي في مستويين متمايزين، ومرتبطين في الوقت عينه: تفكيك المعرفة التي تتعلق بالعالم العربي، التي كان يغلب عليها الطابع الغربي، وأيديولوجيته المتمركزة حول الذات، ثم تفكيك المعرفة الاجتماعية التي أنتهجها العالم الغربي حول ذاته، ونقد مفاهيمها.
تفطن الراحل مبكرا إلى ما يتقّوم به المجتمع المتخلف، وما به ينهض، وكان يقول: «العالم الجديد يفرض علينا ترك الما قبل والما بعد، للاشتغال من جديد على الفاعل والمتفاعل. ورؤية الفاعل والمتفاعل، هنا، يجب أن تُكتب، أولا، لتشهد على نفسها، ومن ثم لنبدأ بتفكيكها ثانيا، تمهيدا لصوغها مجددا في المشهد السياسي والإنساني العام».
لذلك نأى بنفسه بعيدا عن موجات التسطيح وبهلوانيات التقليد، وترحيل نماذج تنموية وسلوكية وثقافية جاهزة، وكانت السوسيولوجيا مُنَبِّها لأنها تصون من الاستلاب، والانتزاع القسري من التربة الحميمة، وما يتهدد الوجود الحي، والفكر الخلاق من التهويم، والدوران في ميتافيزيقيا أخرى، ميتافيزيقيا الاحتذاء، وحرق الخصوصيات دفعه واحدة.
يبدو أن الخطيبي كان يبحث للفكر العربي عن تربة وأرضية جديدة، بغية تأمين حضور عربي في الساحة الكونية، مرددا بذلك عبارة فرانز فانون «أيها الرفاق، لقد انتهت اللعبة الأوروبية فلنبحث عن شيء مغاير..». لكن هذا البحث عن "المغايرة"، والحق في "الاختلاف"، لا يمكن أن يحصلا من دون معاينة الذات ومعرفتها ونقدها؛ أي بعد أن ما يسميه بـ "التخلص من وهم الأصل المطلق". وكأن الراحل أنذر بقرب رحيل في آخر أعماله "الكاتب وظله" (Le Scribe et son ombre) الذي استهله بقوله: "خلال إعداد هذا الكتيّب، آمل أن أكون قد ضحيت بهذا التنوع المحرك لغروري بمجموعة من الخطوط التوجيهية أملتها قوّة الأشياء على حوادث الحياة ولعبة اللغة. هكذا، كانت هذه المحاولة موزعة بين السيرة الذاتية، والشهادة، والسرد الثقافي".
ويضيف في موقع آخر من الكتاب ذاته، متحدثا عن مساره كمثقف: "بصفتي مثقفا، أحاول إنجاز مهمّتي؛ بمعنى تحويل تجربة إلى اختبار أوّلي. ما هي في نظركم؟ تجربتي علمتني التمرين الشاق للحرية وقيودها. الابتعاد عن المعتقدات الحالية هو الخطوة الأولى نحو هذه الحرية الناقصة. علينا الذهاب إلى أبعد، والمجازفة بحقيقة خطيرة، حيث يتمّ تشكيل الأبجدية تدريجيا، أو بالأحرى لغة تسمح ببسط مكانة متحرّكة بين ما هو شخصي وجماعي، هذا ما يجعل تجربتنا وذوقنا للتغيير والبناء المستدام متفرّدين ومتعدّدين، من حين إلى حين... نعم، التضحية من أجل الحقّ في التفكير، بما في ذلك وقت الشدة، والحقّ في الرفض، وفي المقاومة، في بناء استقلال ذاتي، في النقد، في الاختلاف، في الاقتراح، في التعديل،...".
يقول الخطيبي: "ما يهمني، في أيّ فكر، طريقته في إيقاظ وعيك من أجل ممارسة النقد"، نقد قاده إلى مواجهة محتدمة مع جون بول سارتر وعصابته في الأوساط الفرنسية، بخصوص القضية الفلسطينية التي لم يساوم عليها الراحل يوما. ويتردد - قول في الكواليس - على ذمة الروائي الجزائري، الطاهر وطار يفيد بأن "هذا الموقف الراديكالي من الخطيبي تجاه الحق الفلسطيني هو الذي حرمه الفوز بنعمة جائزة نوبل".
في ظل التجاهل العربي الذي تلقاه هذه القامة الفكرية الفذة حية وميتة، وعلى غرار استهلال هذه المقالة نختمها بمقولة للفيلسوف الفرنسي رولان بارت عن الراحل الخطيبي: "إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور والأدلة والآثار، وبالحروف والعلامات. وفي الوقت نفسه يعلمني الخطيبي جديدا، يخلخل معرفتي، لأنه يغيّر هذه الأشكال، كما أراه يأخذني بعيدا عن ذاتي، إلى أرضه هو، في حين أحسّ كأني في الطرف الأقصى من نفسي".

الأكثر قراءة